حنا مينه، في التسعين حيّاً ويخبئ مفاجآت!

  • كمال شاهين
  • الجمعة, 05 كانون2/يناير 2018 17:19
  • نشر في الى ان نلتقي
  • قراءة 200 مرات

مرات عديدة في العامين الماضيين وفيما قبلهما أيضاً، نقلت المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي خبر رحيله «الصامت» بناء على وصيته التي كتبها ونشرت قبل سنوات ثمانية، فلا «مشيعين ولا أعلام ولا حداد»، حتى أن موسوعة ويكبيديا ثبتت وفاته في العام 2015، إلا أن كل هذه الأخبار حتى الآن غير صحيحة. 

صاحب أكثر من أربعين عملاً روائياً مترجماً إلى أكثر من عشرين لغة عالمية، وأحد الروائيين الأكثر شهرة في العالم العربي ما يزال على قيد الحياة يكتب فيها رغم بلوغه من العمر عتياً، يعيش في «دمشق» التي كان يحلم بنقل البحر إليها من مرابع طفولته الأولى في «اللاذقية» التي وفدها مهجراً مع عائلته حيث ولد على ضفاف العاصي في «لواء اسكندرونة» الذي لن يراه بعد ذلك أبداً.

يبلغ «حنا مينه» من العمر الثانية والتسعين وفقاً لشهادة ولادته المؤرخة رسمياً عام 1924، وفي اتصال هاتفي لـ «حال البلد» مع منزله، شرح ممرضه الخاص أحواله الراهنة، فهو في وضع مستقر صحياً، يتعايش مع أمراض الشيخوخة ويجري فحوصاَ دورية في المستشفى يتصارع فيها مع التهاب الرئة المزمن الذي رافقه سنوات طويلة بعد أن رفض التخلي عن معشوقته الأثيرة «السيجارة»، يوماً ما قيل له إن غالبية صوره وأغلفة كتبه ترافقه فيها السيجارة، فقال إنه لو خير بينها وبين زوجته لاختارها.

صاحب «الفم الكرزي» و«الشمس في يوم غائم» ما زال لديه كثير من الأسرار التي لم تنشر بعد، ومنها روايات وقصص ودراسات ومذكرات، وبقي إلى سنوات قريبة يعيش الكتابة بكامل طقوسها اليومية، يكتب لساعات وساعات الرواية التي لم يخرج منها إلا ليعود لها أكثر إصراراً رغم الإرث المرضي الثقيل الذي دفع الأطباء لمطالبته بالتوقف عن الكتابة لأكثر من ساعة يومياً، فالرجل الذي انطلق في عالم الرواية جاداً بعيد الأربعين من عمره كان قد تنقل كثيراً في رحلة الأوجاع كثيراً بما أورثه وجعاً في الظهر وجفافاً في المفاصل وآلاماً أخرى ما فتئت تثقل كاهله.

تمسك «مينه» بالرواية وحدها تقريباً وسيلته الأثيرة للتعبير، ليصبح وتصبح أيقونته الدائمة، فهو وفقاً لإحصاءات دار الآداب اللبنانية التي طبعت أعماله منذ الخمسينيات إلى آخر ما ظهر له، من الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم العربي، كما أنه كاتب مترجم إلى عديد لغات عالمية، آخرها ترجمات رواياته إلى الصينية والروسية.

شكلت حياته القاسية والمتلاطمة الأحداث والأمكنة مادة رواياته الدسمة كلها خاصة حياته مع البحارة في عرض المتوسط فأبدع في أدب البحر ما لم يفعله كاتب عربي آخر، فكتب ثمانية روايات فيه، أبرزها عمله الأشهر «الشراع والعاصفة» (أول طبعة 1966) التي أطلق النقاد عليها ملحمة البحر، وترجمت إلى الإيطالية ونالت جائزة المجلس الثقافي لجنوب إيطاليا عام 1993، كما ترجمت إلى الإنكليزية لتصبح مقرراً على طلاب الأدب العربي في جامعة جورج واشنطن، كما تحولت مسلسلاً تلفزيونياً قبل سنوات قليلة.

 حققت رواياته حضورها بواقعيها البعيدة كلياً عن الأدلجة والسياسة بمعناها المباشر والخطابي، فحملت واقعيته الاشتراكية طابعها الخاص الأقرب عالمياً إلى أسلوب تشيخوف ودستوفسكي، يشير الناقد السوري الراحل «جورج طرابيشي» إن «أبطال حنا مينه، سواء احتلوا مكانهم في هذا الجانب أو ذاك من جبل الوجود، فإنهم لا يفهمون أنفسهم، ولا العلاقات فيما بينهم بمفردات التحليل النفسي أو غيرها، فهم ـ أكثرهم على أية حال ـ أشخاص من لحم ودم، وهم من ثم لا يعقلون أنفسهم إلا بلغة اللحم والدم: الرجولة والأنوثة».

الرواية بتعبيره «هي حياة» أما الفنون الإبداعية الأخرى بما فيها القصة القصيرة، فلها حضورها ولكن الأقل أمام الرواية، كان العمل الأول الذي اقتحم به عالم الرواية قد استغرق منه عامين من العمل المتواصل فكانت «المصابيح الزرق» (الطبعة الأولى 1954) بداية موفقة لكاتب بدأ بالكتابة بداية متواضعة فرضتها عليه ظروف حياته الشقية بدأها بالكتابة كما يقول في مسرد من سيرته الذاتية «على الأكياس أمام ثكنة عسكرية في اللاذقية بشفقة من معلمه الذي التقاه بعد أن أصبح كاتباً معروفاً في دمشق فقال المعلم لمرافق حنا: نعم أعرفه لقد بدأ الكتابة عندي على الأكياس».

تزوج شيخ الرواية السورية من السيدة «مريم» التي لم تفارقه أبداً، وقد أنجبت له خمسة أولاد بينهم صبيان هما «سليم» وقد توفي في خمسينيات القرن الماضي، والآخر «سعد» أصغر أولاده الذي دخل عالم التمثيل وأصبح ممثلاً معروفاً، وثلاث بنات هن «سلوى وسوسن وأمل».

 

في وصيته التي تناقلتها وسائل الإعلام العام 2008 وما تزال وفقاً لممرضه الشخصي سارية المفعول، يصر صاحب «الياطر» أشهر رواية عربية، على وداع صامت له، فهو المتواضع الذي تخرج من جامعة الفقر الأسود، كما يقول، يحتاج إلى الهدوء أخيراً، إلا أن محبيه الكثر الذين يتمنون له العمر المديد والعافية، يرفضون بالمقابل وداعاً صامتاً لرجل ملأ الدنيا وشغل الناس طيلة نصف قرن فأكثر، يؤكد العديد من أصدقاءه، «ليعذرنا صديقنا هذه المرة لن نستمع له، سيكون له وداع يليق باسمه وحضوره».

كمال شاهين ـ خاص

مصدر الصورة: الأنترنت

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 05 كانون2/يناير 2018 17:39
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية