في تعريف الحب ...والجسد ومابينهما

  • عبير بدور - خاص
  • الجمعة, 15 كانون2/يناير 2010 01:21
  • نشر في نرجس عشتار
  • قراءة 45828 مرات
  • وسائط
رغم كل ما كتب منذ الأزل وحتى الآن عن الحب لم يعط تعريفاً أو تحديدا أو مفهوماً دقيقاً للحب لأنه حالة نفسية ذاتية غير موضوعية وبالتالي لا يمكن شرحه أو تفسيره، يمكننا فقط أن نعيشه وندور في زواياه.

إن أبسط تعريف للحب قدمه روبرت هينلين في كتابه -غريب في أرض غريبة- وهو أن : ((الحب هو هذه الحالة التي تصبح فيها سعادة شخص آخر ضرورية لك

 

 

الحب: سر الحياة الرهيب، هدف الوجود الأسمى، دعت إليه جميع الديانات السماوية، والنظريات الأخلاقية. ولم يختلف عليه أحد حتى الآن.

وحتى وقت قريب كان موضوع الحب يدخل في دائرة اهتمام الكتاب والشعراء والفلاسفة ولا يصح للعلماء أن يقتربوا من قدس أقداسه حتى لايلوثوه بنظرياتهم،  وظل الجميع يرددون مع الشاعر نزار قباني \"الحب في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه .

وبما أنه من تخيلنا فقد كان رأيهم أنه لايصح أن نطبق عليه صراحة العلم ونهبط به من السماء إلى الأرض، وكأننا نعيش في كوكب، والحب يعيش في كوكب آخر لاتستطيع أي سفينة فضاء الوصول إليه لأنه بالرغم

من أنه يجذبنا جميعاً إلا أنه خارج مدار الجاذبية، ولكن العلم الذي طرق جميع الأبواب استطاع التسلل إلى حيث مفتاح غرفة الحب التي نصحنا الجميع بألا نطّلع على أسرارها، فكانت صرخة الشاعر فرجيل المدوية :   ((الآن أجدني أعرف ماهو الحب )).

ولكن ما هو هذا الحب الذي وجده الشاعر واتفق الجميع عليه في كتبهم السماوية وفي أخلاقهم وقيمهم؟

وكيف يمكن للحب أن يستمد شرعيته المقدسة؟

وعن أي مشاعر حب يتكلمون؟ الخضراء أم الحمراء، أم الصفراء..!

هذا التناقض المثير للدهشة والاستغراب في فهمنا للحب، فنحن مطالبون به، وفي ذات الوقت قد يدخل ضمن إطار المحرمات والممنوعات.

هو منطق الكلب الأبيض الأسود إذاً.........

هناك مثال لفيلسوف مغمور يقول فيه\"الكلب الأبيض أسود\"

يأتي تفسير ليؤول هذه الجملة كما يلي : عندما يكون للكلب عينان عميتان نسميه كلباً أعمى وعندما يكون له عينان كبيرتان فلا نسميه كلباً كبيراً

فلماذا لا نسمي الكلب الأبيض الذي له عينان سوداوان كلباً أسود.

وهكذا منطق الحب، يطلق المجتمع أحكامه عليه حسب ما يراه مناسبا لأهوائه فلا يكون الحب شرعيا الا إذا كان مسايرا لتقاليده ولمفاهيمه وقوانينه . وما عدا ذلك فهو محرم مع انه في كلتا الحالتين يدخل ضمن إطار الحب.

لذلك كان الحب من الموضوعات الدسمة التي تتجاذبها النظريات والمقولات هناك مقولتان تتناقضان في موقفهما من الحب لكنهما تشتركان في كون كل منهما مثالية في جزء منها.

المقولة الأولى : هي مقولة تبدأ بعدم فصل الحب عن الجنس… وهي مقولة معقولة وموضوعية ومنطقية من هذه الناحية، لكن مشكلتها هي أنها لا تنتهي هنا.. فهي غالباً تنظر إلى الجنس نظرة ترفع واحتقار وتعتبره قذارة ورذيلة  إلى آخر تلك التوصيفات الساذجة… وبالتالي فهي نظرة تدين الحب ..

 

المقولة الثانية : هي مقولة تحاول جاهدة أن تصور أن الحب منفصل عن الجنس وأنه شيء أسمى و أعظم وأنه شيء مقدس وله طبيعة خاصة إلى آخر ذلك الكلام الغريب، وهي تشترك مع المقولة السابقة في نظرتها

الدونية إلى الجنس،  لكنها تختلف عنها في موقفها من الحب، فالحب عندها لا يمكن أن يكون موضع اتهام، بل هو أعظم وأسمى من أن يكون في موضع الاتهام .كالحب العذري الذي تباهى به العرب .

لكن هذه المقولات لا تتعامل مع الواقع ، انما تحاول إملاء تصوراتها الخاصة بطريقة معينة لتثبت صحتها بأي شكل عن الواقع.

والمجتمع عادة يتبنى هكذا نظريات مثالية ويتابع فيها ليصل الى مرحلة من الكبت والتعصب تخنق الروح وتصادر الحرية.

الجسد اذا هو المشكلة.

والمشكلة الأكبر هي في فك الاشتباك أو إزالة اللبس فيما بين الحب والجنس، هذا الاشتباك والارتباط الذي وصل إلى درجة أن بعض الناس اعتبر الاثنين وجهين لعملة واحدة، واللبس الذي وصل أيضاً في بعض الأحيان لدرجة أن بعض الناس على العكس من ذلك يؤثم ويدين كل من يلوث الحب – من وجهة نظرهم – بأدران الجنس.

وبما أن الحب والرغبة الجنسية كليهما ممكن أن يختلط مع الآخر في الأذهان لدرجة أنه من أشد الأشياء صعوبة هي أن نفرق بينهما من حيث الدرجة أو من حيث الشدة أو الأسبقية، وكانت نقطة التفرقة الأساسية

عند الكثيرين تكمن فيما وراء الشعور، أي في الشعور الخفي وليس الظاهر، بمعنى أنه عموماً توصف الرغبة الجنسية بأنها أضيق، ولذلك فمن السهل أن يفقدها الإنسان بسرعة، أما الحب فهو أكثر اتساعا وبالتالي أكثر تعقيداً،  ولذلك فإن الحب عاطفة ثابتة لاتفقد بسهولة،

إن الرغبة الجنسية غير الناضجة تفتقد إلى عنصري الاهتمام والاحترام والرغبة دائماً تعرف عن الطريق الجسدي أو الحسي وليس إطلاقاً عن الطريق الروحى.

بينما يحتوى الحب في داخله على شغف جنسي ورغبة في الإتحاد بالطرف الآخر، إلا أنها في كل الأحوال لابد أن تحتوي على الاهتمام والاحترام وبدونهما يصبح الانجذاب إلى أي شخص هو حب مزيف،

حين أراد الدكتور لاغاش أستاذ علم النفس بالسور بون أن يحدد العلاقة والفرق أيضاً بين الحب والرغبة الجنسية قال: لا سبيل لنا إلى تفسير الحب تفسيراً صحيحاً  لو أننا اقتصرنا على إرجاعه إلى مجرد الحاجة الجنسية.

والواقع أن الحب إنما يتجاوب مع الارتقاء النفسى للبشر،

من حيث أنهم في حاجة إلى أن يحِبوا وأن يحَبوا بكسر الحاء وفتحها، أعني أن الفرد في حاجة إلى فرد آخر، وكل ماتفعله يقظة الغرائز الجنسية هو أنها تساعد على خلق الجو النفسي الملائم لمولد الحب،

إذن فإن الدلالة الحيوية للحب لا يمكن أن تكون هي التناسل بل هي التحرر من العزلة النفسية ومعنى هذا أن الحب يحرر الذات من ضغط القوى الأخلاقية التي أقيمت سدودا في وجه عملية إشباع الغرائز،

ومن هنا فإن الحب هو تلك الإمكانية التي تسمح لشخصين أن يكونا هما وهما فقط .

يتبع في العدد القادم .....

 

 


الكاتبة عبير بدور من هيئة تحرير الموقع 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الخميس, 02 نيسان/أبريل 2015 14:47
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية