طيرا ن منتصف الليل !

  • عبير بدور
  • الخميس, 24 كانون1/ديسمبر 2009 13:41
  • نشر في نرجس عشتار
  • قراءة 1804 مرات
  يعتلي الصندوق الأَسود عرش الطائرة ، يمد أذرعته اللامرئَّية باتجاهات مختلفة ، يسجل حركاتنا ، أنفاسنا ، شريط ذكرياتنا ، يعبر فوق أمواج النسيان ، يقطع مسافات الزمن المتسارعة ليستقر في مكامننا الداخلية. يعلن قبطان الطائرة الجهوزيِّه للانطلاق .

فأتصور الدخان الذي ينطلق من الخلف . أشعر برهبة الانفصال من مكان كان قبل ثوان يضج بالحركة .

يلفني هدوء طري  فأَسترخي فوق المقعد المتماوج مع ميول الطائرة السابحة بحرية

يتداخل الضباب بالممرات الضيقة ، يتسرَّب الى غرابيل الأَفكار ، ناسجاً خيوط اللهفة للوصول .

كلمات . نظرات . أَحاسيس . تتخبَّط في براميل الزمن ،الذي يبتاعونه قطعة ، قطعة . ليعيشوه  مزيداً من الجنون .

تتجوَّل المضيفة بين المقاعد بخطوات رزينة ، تهمس لي :

-          أتمنى لكَ رحلة سعيدة .

أُسافر في الذكريات...

أنظر يميناً ويساراً ، أَختفي خلف أَغصان متشابكة ، أُخرج علبة سجائري ، وأَتنفس بعمق ، ينبعث سحاب لفافتي متلوِّياً .

من أَيِّ شيءٍ أَهرب . لا أَدري .

خطيئتي الأولى تسري في عروقي منذ الطفولة ،أتذكرها الآن و تستسلم لها مخيلتي كنت أصغي قسراً لقائمة الخطايا ، الحب ، الكذب ، التدخين ، وكثير من الأفعال الممنوعة التي قيَّدتني .

يدفعني جنوني الى نشوة الخطيئة .

عشقت التغيير ،و سيطرت رغباتي الممنوعة على كلِّ شيءٍ .لأختبر الحياة التي رمتني عند المفارق .

يعلن القبطان وجوب ربط الأَحزمة ، تَّتبدل ملامح المضيفة ، نفهم أنَّ ثمَّة خطراً يحدق .

قالت المضيفة :

- أَرجوكم ، لا داعي للخوف . اضبطوا أَعصابكم .

تنهار مملكتي ، تُعلَّق أحلامي على تاج أَسيدي .

أَسمع تصاعد الابتهالات  من أَفواه مذعورة .يتساقط التفاح بعشوائية فوق التراب .

أُحسُّ بجوعي المزمن ، ورغبتي في التهام كلِّ التفاح . لأكتشف السرَّ الدفين المتساقط.

يختزن الصندوق صور الرعب بصمت .

ندخل العاصفة . تُقتَلَع الحواجز ، تتحرَّك المقاعد ، ترتفع الأقدام إلى الأَعلى ، تنهمر الأَفكار إلى الأَسفل .

صوت المضيفة :

-          لا داعي للخوف . إِنَّها مجرَّد عاصفة وتمضي .

تلك العاصفة جعلتني أَسترجع ما مضى كشريط سريع ومع هبوط الطائرة ومقاومتها وانخفاضها وعلوها والأَصوات الغريبة المتبقية منها .

كان كلُّ شيء يتراءى أَمامي منذ اللحظة التي عرفتكَ فيها ، عرفت الطبيعة التي جَبَلْتَ منها عبادك .

أَراك الآن في الأَعماق تنتشر كطيف منثور برماد لامع ، يبهر أَحاسيسنا .

أَقود رحلتي إليك لأَصل سالماً منَ الخطايا التي فرَضْتَها على وجودي حين ينسدل النور وراء ستائر العقل .

تتجمَّع داخل صندوق الذاكرة المتغلغلة في عقولنا أَدقُّ التفاصيل دون تسجيل من أحد .

ما يجول في الردهات المظلمة ، يتحوَّل لشيء ذابل ، يحتويه الصندوق  الشاهد على الحدث . بصمت .

يمتلئ بالصور المتواترة ،تتسلل إلى زاوية مختبئة ، تنطبع كوشم يد لطختها ريشة فنان قلق .

إليكَ أَعود ، ترتسم بأعماقي صوَرُُ ُ بيضاء، ملامح ليلٍ مهزوم ، تمتمات شياطين النار .

تنتهي العاصفة ، تعود أَقدامنا إلى أمكنتها ، ترتفع رؤوسنا بذهول ، ونحن لم ندرك ماذا  يجري حولنا .

تغفو الحقيقة على إِيقاع صدى الكلمات الهاربة.

أَراك تمدُّ يدكَ من بعيد ، تعانق طيفاً ينجذب إليك كحلم عتيق .

يفيض الصندوق بما فيه ، تتكسر الأفئدة ، تنقطع سلاسل التفكير ، حين أعلو فوق هضبات النسيم

وأعود الى ذاتي .

خطواتي بلا رقابة ، وأشعر بنشوة لم أَتذَّوقْها من قبلُ

وأُتمتم :

-          أنا الآن حر ّ ُُ

 

 


الكاتبة عبير بدور ، كاتبة سورية من هيئة تحرير الموقع

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 05 كانون1/ديسمبر 2012 14:26
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية