الجسد الأنثوي وأزمة الثقافة الجنسية

مازالت المؤسسات التعليمية والاجتماعية الرسمية في مصر وفي معظم دول الوطن العربي تتعامل مع ;الثقافة ;الجنسية;بمنطق النعام، أي التجاهل ودفن الرءوس في الرمال بدلا من المواجهة،
نظرا للحساسية الشديدة التي تمثلها مثل هذه;الثقافة;في تلك المجتمعات، مما يؤدي في أحيان كثيرة لانتشار حوادث الاغتصاب أو التحرش الجنسي أو الأزمات النفسية التي يتعرض لها بعض الشباب، والمراهقون من الجنسين؛ لعدم وعيهم بالتغيرات الجسدية التى يمرون بها وكيفية التعامل معها وحماية أنفسهم من الأذى وكذلك الخجل من مصارحة أهلهم أو المقربين إليهم بما تعرضوا له، لأنه يندرج تحت مسمى العيب والحرام.

تجدر الإشارة الى وجود مجهودات كثيرة لبعض العقول التقدمية الداعية الى تعليمالثقافةالجنسية;في المؤسسات التعليمية الرسمية المصرية، إلا أن هذه الدعوة قوبلت بالهجوم والاتهام بإشاعة الفاحشة من ذوي الاتجاهات الرجعية بحجة حماية الأعراف والتقاليد، وهو ما دفع إحدى المؤسسات الأهلية، هي الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، إلى تنظيم ورشة عمل تحت عنوان "مشروع الثقافة الأسرية" تستمر على مدار ثلاث سنوات، ويشارك فيها عدد من الكتاب والفنانين التشكيليين وناشطي المجتمع المدني.

وكل فترة تقيم الهيئة احتفالية لعرض منجزات الورشة وإنتاجها خلال تلك الفترة، إحدى هذه الاحتفاليات استضافتها "ساقية عبد المنعم الصاوي" بالزمالك، تضمنت إنجازات مشروعالثقافةالجنسية.

بدأت الاحتفالية بكلمة للدكتور نبيل صموئيل أبادير مدير عام الهيئة القبطية أكد فيها أن هذا المشروع يأتي ضمن خطة قسم التنمية الثقافية في الهيئة لمناقشة مواضيع شائكة في المجتمع المصري ومحاولة توعية أكبر شريحة ممكنة بكيفية التعامل السليم مع هذه المواضيع، دون المساس بالأصول والثوابت الاجتماعية، مشيرا إلى أن المستهدفين من هذه البرامج هم البسطاء والمهمشون في المناطق الشعبية والفقيرة، موجها التحية الى كل من شارك في هذا المشروع من الكتاب والفنانين والباحثين والشباب المعني بقضايا المجتمع المدني.

وبعد ذلك تم عرض فيلم تسجيلي بعنوان "حياة أفضل للشباب" وقدم بعض الشباب المشاركين في المشروع قصص نجاحهم في نشر التوعيةالجنسية;في محيط الأماكن التى عملوا بها، ومن بينهم محمد صلاح الذي يعمل بإحدى مؤسسات المجتمع المدني في امبابة، والذي أكد على أنه وجد صعوبة في البداية في توعية شباب منطقته بكيفية حماية أنفسهم ومواجهة المشاكل;الجنسية;التي يتعرضون لها إلى أن نجح في النهاية في تحقيق هذا الهدف وفق التقاليد الاجتماعية، وبعيدا عن استخدام الألفاظ المبتذلة أو المسفة.

كما تم عرض فيلم روائي قصير بعنوان "أوراق ندى" يحكي عن المشاكل الجنسية لإحدى الفتيات منذ طفولتها، حيث كان والدها يصرخ فيها على الدوام كي ترتدي البنطلون وهي في الثالثة من عمرها وهي تلعب بإحدى الألعاب مع شقيقها الصغير، مرورا بمرحلة المراهقة والفصل بين الجنسين في المدارس، وإعجابها بأحد زملائها الذي يرفض هذا الإعجاب بدعوى أنها لا تمتلك "مؤهلات" وهو مصطلح شبابيّ مصري يعني عدم امتلاك الفتاة جسدا أنثويا مثيرا، مما يجعلها تنظر الى جسدها نظرة جديدة ملؤها الحسرة والكره.

وتتذكر ندى ابن عمها الذي مالت إليه في فترة سابقة وأصيب بمرض جنسي نتيجة ممارسة خاطئة للجنس مع إحدى المتمرسات في محاولة منه لإثبات رجولته، وتنتهي الحكاية بكتابة ندى مذكراتها وتعطيها لفتاة أخرى تعاني من نفس هواجسها السابقة.

بعد ذلك تم افتتاح معرض منتجات الحقيبة التدريبية للمشروع والتي تضم كتاب "يوميات مراهق" للدكتور عادل محمد المدني ود. علي إسماعيل عبد الرحمن، ومطوية حول التغيرات العامة التى تحدث أثناء فترة البلوغ، وقصة الأطفال "جدا جدا.. طبعا طبعا.. أبدا أبدا" تأليف أمل فرح، وألعاب ورقية وفيلم كرتون بعنوان "خلي بالك" يهدف الى توعية الأطفال بالتحرشات الجنسية التى من الممكن أن يتعرضوا لها.

تجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع يستهدف كل الفئات العمرية، بداية من الأطفال مرورا بالمراهقين والشباب، ثم المتزوجين حديثا وانتهاء بالآباء والأمهات.

الأمر الذي يضع موضوع الثقافة الجنسية على المحك مرة أخرى ما بين خجل المؤسسات الرسمية من مناقشتها أو التعرض لها أو السماح بتدريسها، وبين قيام المؤسسات الأهلية بهذا الدور لتكملة النقص في هذه الجزئية، وكأن هذا المشروع إشارة واضحة ومباشرة إلى ضلوع مؤسسات المجتمع المدني التي عرفت من قبل واشتهرت بلعب دور سياسي أو حتى اجتماعي ذي أبعاد سياسية، تتحول إلى منظومة أخرى وتحاول أن تضع جزءا من نشاطها في إطار هذه المنظومة وهي منظومة التعليم. كما أنها تحاول المساهمة في هذه المنظومة بطريقة غير تقليدية فهي لا تتوجه الي التعليم الرسمي أو العادي وإنما تسعى إلى تعليم أبناء الأحياء الشعبية والطبقات البسيطة التي عادة ما تكون خارج نطاق الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة.

ولأن هذه الفئات هي الأكثر عرضة للمشاكل الجنسية سواء لدى الصغار أو المراهقين أوالكبار؛ يصبح التوجه إليهم أمرا مشروعا ومستساغا، خصوصا مع تزايد عدد الجرائم والقضايا التي عادة ما تتعلق بالمفهوم أو الممارسة الخاطئة للجنس.

والغريب في الأمر أن المؤسسات الرسمية في مصر تتعامل مع مسألة الجنس بتحفظ شديد، من منطلق العيب والحرام ليتركوا مسؤولية التثقيف والتوعية بهذا الأمر إلى الأسر التي يفكر أربابها بمنطق أكثر تعنتا من منطق المؤسسة ويرفضون فتح هذا الموضوع مع الأبناء تماما بحجة حمايتهم وعدم " تفتيح عيونهم" على مثل هذه المسائل، حتى يفاجأ رب الأسرة في يوم من الأيام بابنه يقع في مشكلة جنسية أو ابنته آتية من الخارج منهارة بفعل تعرضها للتحرش، أو لما هو أسوأ من ذلك. في هذا الوقت فقط يبدأ الآباء بالانتباه الى ضرورة توعية الأبناء وتثقيفهم جنسيا حتى يتجنبوا الوقوع في مشاكل أو أزمات جسدية أو نفسية قد تؤثر عليهم لفترات طويلة من حياتهم.

ويبدو أن الأمر نفسه ينطبق على مؤسسات الدولة التي لا يُرجى تحركها لمناقشة هذا الأمر والبحث عن وسيلة لتثقيف الشباب والنشء به، إلا عندما تحدث كارثة مدوية تؤثر على جيل كامل من الشباب.


الكاتب محمد الكفراوي - عن جريدة السياسي 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على السبت, 21 حزيران/يونيو 2014 15:08
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية