موسم الهجرة إلى الشمال ..الشمال كثيراً

  • عماد حلوم
  • الخميس, 12 تشرين2/نوفمبر 2015 14:50
  • نشر في مطبعة البلد
  • قراءة 1595 مرات
غلاف الطبعة الثانية عشرة غلاف الطبعة الثانية عشرة GBL

تلفتُ يمنة ويسرة فإذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب. لن أستطيع المضي ولن أستطيع العودة)  هو مجازٌ لخص به الراوي في رواية \"موسم الهجرة إلى الشمال لمؤلفها السوداني الطيب صالح، حالة الضياع، الانقسام والصراع التي يعيشها مواطن بلدان العالم الثالث.

 

هي رواية كتبها صالح في منتصف الستينات وتسابقت جامعات العالم لإدخالها في منهجها التدريسي في الأدب المقارن، وقد صال النقاد وجالوا في دراستها وتحليلها لما تحتويه من قيمة أدبية لحقبة الحركة الثقافية لأدب \"ما بعد الاستعمار\".

وهي تُبنى على ركنيين أساسيين، يتمثلان بالبعد التاريخي والسياسي، خاصة بين المستعمِر والمستعمَر الذي اختبره الكاتب واعتملت في نفسه تجربة التمزق، الأحلام والأوهام ذاتها التي يعيشها بطل روايته \"مصطفى سعيد، الذي عاصر الاستعمار البريطاني للسودان ودرس في مدارسهم وتعلم لغتهم وبعد أن برز نبوغه العلمي أرسلوه ليكمل دراسته في لندن، وفي عمر 24 عيّن محاضراً اقتصادياً في جامعتها، ليعدَّه الاستعمار ليكون تجسيداً لرمزية الأرض القابلة لأن تكون مصدراً لتغذية المصالح الامبريالية المخبوءة، ومن هذه النقطة ينطلق مصطفى سعيد ليظهر لنا مفهوم الاستيلاب أو الانتقام في مشهد الغزو المضاد، الذي يقوده، ولكن حينها طُلب منه التنازل عن رموزه، فما كان منه إلاّ أن يرفض هذا التمثيل حين أعلن أنه أتى غازياً \\\\\\\"نعم يا سادتي. إنني جئتكم غازياً في عقر دراكم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ. أنا لست عطيلاً، عطيل كان أكذوبة... ص117\"

مصطفى سعيد البطل الذي يظهر فجأة في قرية نائية في السودان، فهو الغريب الذي قدم إلى القرية اشترى لنفسه أرضاً بجوار النيل، تزوج احدى بناتها وأنجب طفلين منها. لا أحد عرف شيئاً عن ماضيه إلى أن يكشف لنا الراوي عنه وعن السنوات التي قضاها في لندن. فالراوي وهو هنا شخصية محورية في الرواية، عمل صالح على تغيب اسمه لتظهر هذه الشخصية على أنها انعكاس لشخصية مصطفى سعيد وامتداد لها. فكان من الطبيعي أن يختلط الأمر على كثير من القراء، فلا يميزوا بين الراوي ومصطفى سعيد. صحيح أنّ أحدهما \\\\\\\"مصطفى سعيد\\\\\\\" مندفع بكل قواه الأسطورية إلى خوض التجربة واكمال المأساة، والآخر \\\\\\\"الراوي\\\\\\\" يعيد تأمل التجربة وتنتابه درجة أعلى من التمزق بين عالمين في تاريخه، ونزوعين في نفسه. لكنهما متشابهان حيث أن كليهما يحكيان بضمير المتكلم، ويتوجهان لنا نحن القراء المستمعين وبالتعبير نفسه: يا سادتي\". أحدهما يفكر بأنه أكذوبة ص فيفكر الآخر بأنه أيضاً أكذوبة ص. وينظر الراوي إلى صورة مصطفى سعيد في غرفة الأسرار، فيهلع لأنه كأنما يرى وجهه في المرآة. \"وخرج من الظلام وجه عابس زاماً شفتيه أعرفه ولكنني لم أعد أذكر. وخطوت نحوه في حقد. إنه غريمي، مصطفى سعيد. صار للوجه رقبة، وللرقبة كتفان وصدر ثم قامة وساقان. ووجدتني أقف أمام صورتي تعبس في وجهي من مرآة... ص161\".

ولكن الراوي بعكس مصطفى سعيد، فهو يعلن عن عودته إعلاناً (عدت ياسادتي بعد غيبة طويلة.) . وما هذه العبارة إلاّ صوت مصطفى سعيد المتواري خلف شخصية الراوي، فشخصية الراوي هي امتداد لشخصية سعيد وتصويب مسار ماخطه، وهي نكوص نحو هجرة معاكسة، فتصبح الرواية معكوسة الحدث، ونعني هنا العودة وهي الصيغة النهائية فقد كانت هي نقطة البدء على اعتبار أن الاختيار المكاني لبدء السرد، قد بدأ من الجنوب. أيضاً نحن لانكاد نعرف شيئاً عن تاريخ الراوي قبل سفره إلى لندن وخلال إقامته هناك. لقد عاد في بداية الرواية ولا يذكر شيئاً عن السنوات السبع التي قضاها هناك، هذه الفترة تبدو ساقطة من الحساب العلني فكأنه عاد ليظهر شخصية سعيد ليكون سعيد هو الماضي والراوي هو الحاضر الذي مازال يعاني من صراع لا أخر له فهو لايتوانى أن يؤكد لنفسه أولاً، ولنا نحن القراء ولأبناء قريته، أنّ له جذوراً في هذه الأرض، وأنه ليس أكذوبة مثل مصطفى سعيد؟. وكلما حاول تأكيد ارتباطه بهذه الأرض راوده الشك وراودنا.

هكذا يجعلنا صالح ندرك أن العلاقة بين الراوي ومصطفى سعيد ليست علاقة تشابه وإنما علاقة غرماء. حيث أن توجّس الراوي من مصطفى سعيد لاينتهي، وثورته عليه لا تهدأ منذ التقى به في بداية الرواية، فقد أصرّ على رحلة البحث المضنية، يسمع منه شخصياً، ويسأل عنه الآخرين أحياناً، يسجل مايقال عنه من حوارات غابرة، ويقلّب كل الأوراق، ويفتح غرف الأسرار... كل هذا بحثاً عن جذور الداء المشترك وفروعه المختلفة. لكنه كان يقتفي أثر غريمه مصطفى سعيد، كأنما يقتفي شجرة عائلته هو. يبحث في مكتبته وأوراقه، كأنما يقلب أوراقه هو الشخصية التي نسيها، فتصدمه الحقائق.

علاقة الغرماء هذه ستتصاعد كلما تقدمت الرواية، إلى أن نصل إلى الفصل قبل الأخير. فيه يدرك الراوي وندرك نحن معه أن غريمه في الداخل، وأنه يخوض معركته مع شق من ذاته ومن تاريخيه. كان عليه أن يختار بين شقين من نفسه: هذا الشق البارز القوي الذي حسم أمره واختار أن يهاجر إلى الشمال هجرة نهائية، أو عاد بقطعة من الشمال ليزرعها في غرفة سرية في قرية سودانية. وذلك الشق المنزوي الذي يحلم بالالتحام بالجنوب والانسجام معه، ولكن دون قدرة حقيقية على ذلك. (العالم فجأة انقلب رأساً على عقب. الحب؟ الحب لايفعل هذا. إنه الحقد. أنا حاقد وطالب ثأر وغريمي في الداخل ولابدّ من مواجهته. ومع ذلك ما تزال في عقلي بقية تدرك سخرية الموقف. إنني أبتدئ من حيث انتهى مصطفى سعيد، إلاّ أنه اختار وأنا لم أختر شيئاً).

سيختار الراوي ويدلف إلى غرفة الأسرار، ليحسم أمره في النهاية ويحرق هذه الغرفة وما تمثله، وأن يترك غريمه للنار تأكله. غير أن الغموض سيصل إلى الذروة في الفصل الأخير القصير فنجد الراوي ممزق في النهر في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب، سيرى الراوي أسراب القطا لاتزال في موسم من مواسم الهجرة أو الرحلة، لايدري، لكنه سيختار أن يقاوم حتى النهاية وأن يتخذ القرار لأول مرة في حياته: أن يحيا. طول حياتي لم أختر ولم أقرر.إنني أقرر الآن أنني أختار الحياة.... وإذا كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى. سأحيا بالقوة والمكر... وبكل ما بقيت لي من طاقة صرخت..النجدة. النجدة... ص200)

في الختام لابدّ أن نذكر أن البطل الحقيقي للرواية ليس سوى الكاتب نفسه الطيب صالح الذي خلق الراوي، ومن داخل هذا الراوي خلق مصطفى سعيد، واختفى هو عن الأنظار.

 

 

يمكن تحميل الرواية من هنا 

 http://download-story-pdf-ebooks.com/5540-free-book 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 13 تشرين2/نوفمبر 2015 13:06
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية