في رحيل سركون بولس: عدّاء الألم

  • اسكندر حبش
  • الخميس, 13 تشرين2/نوفمبر 2014 10:40
  • نشر في تحية طيبة وبعد
  • قراءة 972 مرات

حين أخذنا دُوار الشعر في بداية ثمانينيات القرن الماضي، كان اسم سركون بولص أشبه بلغز ما بالنسبة إليّ/ إلينا، نحن أبناء هذا الجيل الذي كان بدأ لتوه في نشر قصائده الأولى.. حضر اسم سركون بقوة في مشهدنا المترامي الأطراف، وإن كنّا فعلا لم نقرأ له سوى بعض القصائد القليلة المتفرقة، المبثوثة في بعض المجلات التي كانت تصلنا ونطّلع عليها، ولعل أبرزها مجلة «مواقف» التي كانت تفرد له مساحة لقصائده بين فترة وأخرى.


قد تبدو غريبة هذه القصة بعض الشيء: أن يحضر شاعر في فضائك، من دون أن تكون على اطلاع كاف على تجربته. من هنا يحتمل الأمر عددا من التأويلات، لعلّ أقلها أن الذين حدثوك عنه، كانوا يعتبرونه فعلا واحدا من أبرز شعراء الحداثة العربية، كما أن قراءة النصوص القليلة التي عرفناها، جعلتنا ننحاز إليه بسرعة ونجعله واحدا من «معلمينا» الشعريين في تلك الفترة.
أمام ذلك كله، شكل ديوانه الأول «الوصول إلى مدينة أين» ـ الذي صدر عن منشورات «سارق النار» في أثينا ـ كنزاً حقيقياً، على الأقل أتاح لنا أن نقرأ تجربة متكاملة في كتاب واحد، كان كافيا ليؤكد أن هذا المشروع الشعري لم يعد مجرد صيت، أو مجرد وعد، بل هو مشروع حقيقي، فريد، مختلف وله حضور مادي في الساحة الشعرية.
كان اكتشاف شعر سركون بولص في تلك الفترة، بمثابة انحياز حقيقي إلى شعر كنّا نبحث عنه، لنقل إن ثمة دعائم موجودة قبلنا لكتاباتنا تستطيع أن تتكئ عليه. بمعنى أننا بحثنا عن أسس لكل «نظرياتنا الشعرية»، فأتي كتابه (مع شعر غيره بالطبع) ليصبح ركيزة حقيقية يمكن لنا أن ننطلق منها. أو لنقل بطريقة أخرى، جاء كتاب سركون هذا، لنضمه إلى كتب شعراء آخرين، وكأننا بذلك رغبنا في توسيع الأرضية الشعرية التي تحركنا فوقها.
بالتأكيد ولّد شعره الذي اكتشفناه واسعا في تلك الفترة، ثقة كبيرة فينا، على الأقل اعتبرنا أننا لم نولد من فراغ، ولا لقطاء، بل ثمة «آباء» لنا مهدوا لنا الطريق لنكلمه. صحيح أن الدروب تختلف في كثير من الشعاب، إلا أنني كنت أجد نفسي منحازاً إلى هذا الشعر. ومع مرور الأيام، كنت أضعني في فضاء تجربة «جيل كركوك» أكثر ممّا أضع نفسي في تجارب شعرية أخرى، وإن اختلف ما أكتبه الآن عمّا كتبته في تلك الفترة، وبالرغم من أن مفهوم الشعر عندي الآن، صار أكبر، ولا أحجزه في مفاهيم معينة ولا فضاءات مغلقة ولا تجارب محددة. إذ أظن فعلا أن الشعر أكبر من ذلك كلّه، وأن التجارب كلها تستحق الحياة طالما أنها تقدم لنا نصاً حقيقياً يدفعنا إلى إعادة صوغ علاقتنا بالعالم وبأنفسنا بالدرجة الأولى، وأن تجعلنا فعلا إلى صوت هذه «الأخوة الإنسانية» (على قول الشاعر الروسي غينادي أغيف). ومع ذلك كله، بقي سركون بولص وشعره أحد الركائز التي لا يمكن الهروب منها، والتي لا يمكن نسيانها، مهما امتدت التجربة ومهما تشعبت.
وإن كان لا يمكن تخطي سركون بولص لغاية اليوم، فلأنه شاعر عرف كيف يبني فرادته، أو لنقل أسطورته كشاعر. ربما ساعدت حياته الخاصة في نسج هذه الهالة التي كانت ترافقه، من أنه كان يقف دائماً بعيداً عن هذا العالم، أي بعيدا عن قلب الجو الثقافي. هل يعني ذلك انه كان انطوائياً؟ ربما كانت الصفة لا تصح كثيراً عليه وبخاصة أن جزءا من شعره يفرق جيدا ما بين الغضب والوحدة، بيد أنه انسحب بعيدا عن كل شيء إلا عن العالم وفخاخه المتعددة. ثمة رغبة أكيدة في أن يكون ظلالا لهذا العالم، ظلا يمرّ ويحول كل آلامه إلى قسوة.
ثمة تعبير لهنري ميشو أجده يشير كثيرا إلى حالة سركون. كان يصف نفسه بأنه «عدّاء الألم»، من هنا، بدا شعره وكأنه احتفال بتعزيم هذه الكتابة لتكون هي الملجأ الأخير من حياة ضائعة، منفلتة، مفتتة، ولا تستقيم إلا بالكتابة. وهذا ما أتاح لهذه الكتابة أن تبقى متفردة من دون السقوط في متاهات اللحظة الراهنة، وإن كانت بعض موضوعاته تستلهم اللحظة. لكنها كتابة تأتي منها لا عنها. من هنا كانت تأتي وكأنها التفاف، على عدوانية الآخر وبغضه.
بهذا المعنى قد نقرأ أحيانا في شعر سركون بولص نوعاً من كآبة، من وساوس، إلا أنه نجح في جعل ذلك نشيداً مخنوقاً للحالة الإنسانية. كتب متواليات أحلام محطمة في عالم غالباً ما يكون قاسياً وبدون رحمة، أو لنقل في عالم يصبح فيه الحب فعل ألم. هذه الكتابة جعلته شاهدا بدون أوهام. شاهداً أخوياً لذلك رغب في نقلها بطريقة بيانية منجزة، وبطريقة صادمة أيضاً. نحن إذاً أمام سلطة الكلمات بطريقة شبه «مالارمييه» (نسبة إلى مالارميه). هل لذلك هو شاعر الأيام الصعبة؟
ربما لكنه في ذلك كله، نجح كيف يميز بين ألوان العالم، كما لو أنه كان يبحث عن كنز مفقود عبر هذه الكلمات. وإن كنت أجد في النهاية أنه لم يحتفظ من ذلك كله إلا بظلال الأيام العابرة.
ما بين الظل والنور تقف تجربة سركون بولص. تجربة أساسية في حركة الحداثة العربية. ربما من قلائل سيبقون طويلا، لا في مخيلتنا فقط، بل في قلب هذا النص الذي أعاد تشكيله بطريقة، لا تخص أحدا سوى نفسه.

-------------------------

عن السفير

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية