إغلاق السفير، نهاية حلم فضفاض لم ينتصر

  • سناء ابراهيم - خاص
  • الأحد, 01 كانون2/يناير 2017 16:16
  • نشر في تحية طيبة وبعد
  • قراءة 1823 مرات
كانت خبزنا الطازج وكنا عصافيرها. لم تكن مسيرتها بلا أخطاء، لكننا لم نتصفح عددها يوماً دون أن ننحني أمام كاتب من كتابها أو مقال من مقالاتها. أعمدة السفير محاصرة، غداً تنهار حصونها وتسقط قلعتها وبعدها تستسلم المدينة العريقة. طلال سلمان يطالبنا بـ: (ألا نعلن خبر وفاتها)، طالبنا أن نتمهل في تشييع طائره وبيتنا، ولم نتمهل، ولم نستجب

هذا حال كتّاب سوريين، ليسوا ممن وقفوا على أبوابها، ولا أيّ من الأبواب التي تلحّ على كاتب أن يفتح مغاليقها.

-          هل نعى كتّابنا (صحيفتنا)؟

-          حدث ذلك، ولكل منهم صوته، ومدارات حزنه، ولكل منّا مساحة في قول ما لم يقل.

هي \\\"استكمال النكسات\\\" عند الشاعر عادل محمود، وهي «كمن يكتشف ثغرة في جدار» عند الروائي خليل صويلح، وعند الروائي نبيل الملحم هي: «راية محترقة».

عادل المحمود يكتب لنا:

«عندما أحرقوا ألف ليلة وليلة في القاهرة، قال كاتب إسباني: إذا رأيت في أسوا الكوابيس أن كتاب سرفانتس «دون كيشوت» قد احترق، فإنني سأستيقظ من هذا الكابوس لأرى «ألف ليلة وليلة» محترقاً.

ثمة في حياتنا كتب وأفلام وصحف وموسيقا ومراكز نور، لا تستطيع تخيل غيابها دون أن تحس بالنقصان والأسف الممزوج بأنواع عديدة من عدم اليقين. من بين هذه الموجودات جريدة السفير، التي أنبأتنا منذ أعدادها الأولى أن الصحافة مضافة واسعة لكل أنواع الكتّاب والكتابة، وهذه المضافة \\\" الصالون\\\" تُبدع مكان سجال الحدث والبشر، البشر والبشر، حيث تصنع الافكار من كل أنواع الشرر.

لا يستغرب الشاعر عادل محمود أن تغلق السفير أبوابها اليوم، على العكس، يستغرب أنها بقيت حتى الآن، فقد كان ميلادها في عاصفة السبعينات، وحضانتها في الحروب الأهلية، وفتوتها في الحروب الكونية، وها هي تتجه إلى نهايتها في أحدث أنواع الحروب وأكثرها بذاءة وتهديداً لسلام الأوطان والأوثان والبشر. مؤلم أننا لن تقلب أيدينا صفحات هذه الجريدة التي تعودنا عليها، يضيف الشاعر: \\\"مؤلم أننا لن ننتظر بعد اليوم ملحقها الثقافي الذي نشرنا فيه قمصاننا وزفراتنا وادعاءاتنا، وكان رحيباً مرّ فيه معظم كتّاب ومثقّفي البلاد العربية\\\".

يحاول الشاعر عادل محمود في هذه المناسبة تذكّر الأشخاص الذين صنعوا السفير الأولى في سنواتها الأولى، ولكنه للحظة يتوقف عن المزيد من التأبين على جيل الأنقاض ليقول كلمته الأخيرة: (وداعاً للسفير التي صمدت كل هذه الدهور العربية).

«كمن يكتشف فجأة ثغرة في جدار»، يقول الروائي خليل صويلح: سنفتقد «السفير»، اعتدنا على أن تكون واحدة من الصحف الأساسية في مواعيدنا الصباحية على شبكة الانترنت. لكننا في المقابل، لفرط خساراتنا، سنضيف هذه الصحيفة إلى قائمة المفقودين، بيقين شبه تام أن من يذهب لن يعود. ها نحن نفتقد متراساً، لطالما كان متيناً في وجه الريح المضادة. نفتقد الذهب في زمن «صحف التنك» وصحافة العشوائيات وصحفيي البازار!

لجريدة السفير عند الروائي نبيل الملحم شيء من الذاكرة المرتبطة بحلم فضفاض لم ينتصر . «تسألينني عن «السفير»؟ يقول الملحم: «لم تكن السفير بيتي، كانت مقهاي إن شئتِ، وفيه التقيت ناجي العلي، ومع طائرها البرتقالي، كانت مرحلة حطّت رحالها اليوم بإفلاسين متضامنين، إفلاس «المشروع القومي العربي»، وكانت السفير قد رفعت رايته، ولا أدري إن كانت راية محترقة منذ خيطها الأول، هي مرحلة بكل ما حملت بدءاً من قضية اسمها القضية الفلسطينية، وصولاً إلى قضية شعارها «يا عمال العالم اتحدوا»، وإفلاس مشروع الربيع العربي، إفلاسان امتدا من منتصف قرن لمطالع قرن لاحق.

توقف «السفير»، بالنسبة للروائي السوري: «هو إعلان صريح عن توقف مرحلة برمتها، عن انهيارها، مرحلة القارئ، وربما مرحلة الكاتب، وفي كل الحالات مرحلة حلم فضفاض لم ينتصر، و (لن) ينتصر، تماماً كما موت مؤجل». يروي لنا الملحم في النهاية شيئاً مما حدث: «قبل أيّام قليلة مضت، التقيت طلال سلمان، ببذلته الزرقاء، وربطة عنقه شديدة الزراق، أظنه كان حزيناً، غير أنه وهو يرفع كأس الويسكي بصحتي، اندلق كأس نبيذي على صحته، كان ذلك في بيروت الليل، وليس في ليل بيروت». يختم الملحم قائلاً: «أخاف ألا يشتد حزن هذا الرجل، إذا ما حدث ذلك فثمة مرحلة مقتولة بلا أدنى إشارة استفهام ممكنة».

ربما على السوري تحديداً ألا يقول الكثير من كلام الوداع، لأنه عرف معناه، ولأنه عرف أيضاً أن الموضة الآن ليست للسفير، الموضة الآن أن نراوح في المكان، أن نملأ الكأس، نرفعه ثم نعيد إفراغه إلى ما لا نهاية. في غياب السفير لن نزيد على ما قاله سوريون عاديون تابعوا الصحيفة خلال سنوات الأزمة: «السفير كانت جندي من جنودنا ومدينة من مدننا قُتِل الجندي وسقطت المدينة».

 

سنفتقدك كثيراً. 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 01 كانون2/يناير 2017 16:29
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية