الفالانتاين: العولمة حين تحب وتعشق!

  • مهران سلّوم ـ سوريا
  • الأربعاء, 14 شباط/فبراير 2018 23:29
  • نشر في تحية طيبة وبعد
  • قراءة 502 مرات
بين براثن الموت أحسّ عنترة أنّ الحبّ يجعله محلّقاً، وأنّه مستعدٌّ لتقبيل حدّ السّيف لأنّ بريقه ذكّره ببريق ثغر عبلة، نعم إنّه الحبّ الذي يسكن النفوس ويرقص في لمعة العيون ورقصة الجفون.

يقول عنترة في بيتين من أجمل ما قيل في الشعر العربي ـ حسب النقاد الأقدمين:

ولقد ذكرْتُك والرماحُ نواهلٌ         منّي وبيض الهند تقطر من دمي

فوددْتُ تقبيل السّيوف لأنّها          لمعتْ كبارقِ ثغركِ المُتَبسِّمِ

هكذا كان حبّ القدماء من الشّعراء، أمّا حبّ هذا الزمان فعبّر عنه نزار قبّاني مخاطباً حبيبته بالقول: أحبّك حتى ترتفع السّماء/ كي أستعيد عافيتي / وعافية كلماتي / وأخرج من حزام التّلوث الذي يلفّ قلبي / فالأرض بدونك كذبة كبيرة / وتفّاحة فاسدة.

إنَّه الحبّ وتر المشاعر والأحاسيس، ونحن في هذه الأيام نعيش على إيقاعات موسيقية تشدُّ القلب وتعطي للحياة معنى فهل كان القديس \\\" سان فالنتاين \\\" يتصور يوماً أنَّ وفاته ستعلن عن ميلاد عيد جديد على هذه المعمورة أم أنَّ شعراء العرب بدرر شعرهم وغزلهم حلموا بهذا اليوم المجيد لكي ينتصر الحب ويرفعوه إلى رتبة الاحتفال الرسمي في كل البلاد.

     لا نبالغ إذ نقول إنَّ هذا اليوم أصبح أمراً واقعاً، وقد ساهمت العولمة التي انتشرت في كل العالم واقتحمت كلّ المجتمعات وأسّست لثقافة جديدة ودخيلة على كثير من البلدان، فيكفي أن تنشر خبراً صغيراً عن قصة عاشقين حتى يصبح الحديث فيهما على كلِّ لسان من دون أن يدرك العقل المتلقي خطورة أو صحة ما يسمع ويرى.

     ويكفي أن تسوق بطريقة صحيحة، وتتوجّه بشكل مدروس إلى  كلّ مجتمعٍ على حدة... كلّ هذا ينصبّ في خدمة أباطرة المال في العالم، فإن توقّفنا قليلاً ونظرنا إلى الجانب الآخر لهذه الظاهرة ظاهرة عيد الحب لوجدنا تقاطعاً هائلاً مع كلّ شركات الاقتصاد، وبحسبة صغيرة تجد الحقيقة أنَّ هذه المظاهر تخدم وتنصب باتجاه \\\"طحن\\\" كلّ ما يمكن طحنه من مشاعر وأحاسيس وتوظيفها كريع مالي لا أكثر فهل نستطيع أن نردها إلى الحالة الهشة للمجتمع في علاقاته وأنَّه يحتاج إلى عيد بتسمية واضحة ورسمية لكي يتذكر أنَّ في هذا العالم شيئاً اسمه مشاعر، أو نردها إلى التقليد الأعمى لكل ما يأتينا من الخارج، وهذا يقودنا إلى أن نصبح كالرجال الآليين في عملنا وتواصلنا مع الشريك.

      ويمكن أيضاً أن ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى تعيدنا إلى الزمن الجميل زمن المعلقات والحب العذري والتضحية من أجل الحبيب واشتياقنا إلى النقاء الروحي في هذا العصر الذي أصبح فيه كلّ شيءٍ مباحاً.

     قد يكون في كلا الأمرين تساؤلٌ مشروعٌ، ولكن الحقيقة الماثلة أمامنا هي أنَّ ظاهرة عيد الحب تمَّ استغلالها على أحسن وجه، ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّها \\\" ماركة تجارية \\\" تمَّ العمل عليها بشكل محترف، لما تدرّه من ملياراتٍ في كلّ أنحاء العالم تصبُّ في جهةٍ واحدةٍ.

     لا تأخذوا الصّورة كما هي بل اجعلوا من هذه التساؤلات حقّاً مشروعاً حتى تصلوا إلى الجواب الذي تقتنعون به!

     دعونا نأخذُ الجانب المضيء من المسألة، ولكيلا نبخس اليوم حقه ونترك للنّساء والرّجال على حدٍ سواءٍ أن يعبّروا لبعضهم عن كلّ ما يسكن ضلوعهم، دعونا نحترم مشاعرهم، ولكن دون مبالغة كبيرة أو تشبهٍ بأحدٍ...

     فإن وضعت يدك على \\\"ريمونت كونترول\\\" في بيتٍ، وتنقّلت من محطة إلى أخرى فستجد اللّون الطّاغي هو اللّون الأحمر، وتجد أيضاً كلَّ ما لذَّ وطاب، وتتعلّم -شئت أم أبيت -كيف تشتري الهدايا، وتأخذ حبيبتك إلى المكان الذي تحب أن تحتفل فيه...

     نعم نستطيع القول: إنّ كلّ ما حولنا استطاع أن يقتحم حياتنا ويروّض أفكارنا ويوجّهها، وهذا طبيعيٌّ، فهذه الثقافة الاستهلاكيّة المفروضة علينا تعرض بشكل دائم دون رقيبٍ أو حسيبٍ، فكيف ستكون عقول الأجيال التي تربت عليها!

    ويسأل سائلٌ بعد كلّ هذه المظاهر: هل للحب عيدٌ حتى يصل إلى قلب الآخر أم الالتزام والمصداقية بين الاثنين دون بهرجةٍ زائدةٍ وتكلفٍ مبالغٍ فيه يفي بالغرض.

ربّما كان حبّ هذا الوقت كلعبة \\\"البليستيشن\\\" تنتهي بانتهاء عدد المراحل التي توضع فيها، فيكون له عمرٌ محدّدٌ ينمُّ عن ضعف وهشاشة واضحين.

     والشّيء الجميل الذي يمكن أن نأخذه من هذه الظّاهرة هو الاتّحاد الرهيب والمعجزة الثّامنة على الكرة الأرضيّة، ألا وهي توحيد كلّ العالم حول احتفاليّة موحّدة في يوم ٍمحددٍ، وبأساليب تكاد تكون متقاربة على نحوٍ كبيرٍ...

     شكراً لك أيُّها القديس \\\" فالنتاين \\\"، فما عجز عنه زعماء العالم حقّقته أنت، فسلام الله على روحك. 

وزبدة القول: إنّ هذه الظّاهرة قد رمت بثقلها على كلّ الشّعوب، وأصبحت حقيقةً واقعةً لا مهرب منها، وما علينا إلاّ أن نعيد صياغتها بما يتناسب مع مجتمعنا حتى لا نقف في وجه الريح في ظلٍّ عالمٍ تحكمه الآلة الإعلاميّة المُسَيَّرة والمُسَيِّرة من قبل المتنفذين الماليّين الذين لا تهمّهم سوى الزّيادة في الجيوب دون النظر إلى النتائج وتأثيرها على الأجيال.

مهران سلوم: صحفي وقاص سوري 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الثلاثاء, 13 شباط/فبراير 2018 23:35
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية