الأدعية والقرآن في السرافيس

  • كمال شاهين
  • الخميس, 09 تموز/يوليو 2009 10:40
  • نشر في تحية طيبة وبعد
  • قراءة 10980 مرات
تقع الواقعة واقعياً كالتالي : الوقت صباحاً في ذروة الازدحام ;"والناس تتدفق من كل فج عميق إلى مشاغلها وهمومها فيصعد كثير من الناس إلى الباصات الخضراء والسرافيس وهما اختراعان عربيان في الجمهوريات الملكية مستلهمان من التجربة الصينية بعد نبذ التوجه الاشتراكي غير المعروف الاتجاه إلى اقتصاد السوق الاجتماعي المبني على قاعدة لا يموت الذئب ويفنى الغنم .

 هذا المجموع النعسان بمجمله يصعد إلى وسائل النقل لتبدأ ـ أو تبدأ المصادرة لحقه في الهدوء الصباحي ـ وهكذا نفترض رغبته ـ عبر الإذاعات أو الكاسيتات الدينية بعد أن أزيحت فيروز ومشتقاتها الموسيقية الصباحية التعبوية إلى الدرك الأسفل من الرغبة القلبية والأذنية والحياتية .

إذاً يصعد هذا الكائن ـ الإنسان حيناً ـ إلى فضاء السرفيس أو وسيلة النقل العامة ليصبح واحداً من مجموع ظرفي متغير يتلقى غصباً عنه ونادراً برغبته ـ هكذا نفترض رغبته ! ـ جرعة من الأذكار والقراءات والدعوات قد تطول وقد تقصر تبعاً للجغرافيا التي على الكائن ـ الإنسان حيناً ـ قضاءها في فضاء وسيلة النقل .

وهنا تتعدد المصادر التي تبث هذه الجرعات الوجودية الدينية فبعضها من إذاعات متخصصة في تقديم برامج شحن وتأهيل وترتيب وتوجيه وهيكلة يوم هذا الكائن على مقاس أدلجتها الدينية ـ الإسلامية حصراً ـ أو مقاس الجهة الممولة للإذاعة واتجاهها السيا ـ ديني وعلى الغالب في الفضاء السرفيسي الإعلامي العربي  تكون إما الحكومة التي تركض على قدميها ويديها وتسابق أعتى المعارضات الإسلامية أو إحدى الإذاعات التابعة لمنظمة أو حزب ظاهر  أو غير ظاهر  .

ودون شك ورغم احتمال كون هذا الكائن زبوناً مستمعاً افتراضياً جيداً فإن هذا الإذاعات لن ولا ولم تهتم براحة هذا الكائن النفسية وضرورة تقديم ما يجعله منطلقاً إلى الحياة والعمل بروح إيجابية مشبعة بالقيم الإيجابية فما تصدره هذه التركيبة ـ الخلطة ـ هو سوق أو تسويق المشاهد الافتراضية للآخرة ومشاهد الذنوب المكبرة بعدسة الدعاة الجدد وبطريقة إرعابية تحيل المجموع البشري إلى كتلة هلامية ملامحها الأشد بروزاً الظهور المنحنية والعقول الساهمة والعيون الشاردة المنفصلة وما حولها ولولا قطع المشهد من قبل بعض من سيهبطون من وسيلة النقل لبدا المشهد برمته كأنه سرفيس ذاهب في الطريق إلى العالم الآخر استعداداً ليوم الحساب وبعض من سينزلون قبل المحطة الأخيرة هاربين من الاستحقاق الكبير .

هذا المشهد المتكرر كل صباح أو عشية في عديد المدن العربية  تقاد فيه أحلام الناس ويومياتهم  إلى ما يشبه مخابرات غير مرئية تحصي على الناس اختراقاتهم اللأخلاقية واللادينية واللاشرعية لعالم الحياة ، أحد المعترضين بالصدفة على هذا الأمر في العاصمة السورية تلقى محاضرة في الأخلاق والإيمان معاً حين طلب من ربان العاصفة السرفيسية تخفيف صوت المسجل ـ الإذاعة للرد على مكالمة خليوية ، فما كان من المتواطنين (شرح المفردة: المتواطن هو المواطن بنسخة حديثة مع التحديثات اللازمة) إلا أن صبوا عليه نيران أعينهم وتطوع أحدهم بإتحافهم وبصيغة خطاب جماعي يحمل الـ "نا" المضخمة التوحيدية  "بضرورة بدء وختام نهارنا وليلنا بالأدعية والتسابيح و القرآن الكريم لعل الله يغفر لنا ( ولست أدري إن اعتبر نفسه ضمن هذه النا الجماعية  ) فنحن في زمن الكفر والقيامة القريبة ولدينا علامات ظهور الساعة ومنها ( كشف الرأس لدى النساء.....) " و ختمها بالدعاء لهذ المجموع الدرويش أن يسدد الله خطاهم لما فيه مصلحة الوطن والقيادة الحكيمة ! وعلى كل لم يجر الرجل مكالمته وفضل الهبوط من الرحلة الميمونة لحين الالتقاء بسرفيس آخر ذاهب إلى الكراجات أو إلى مكان ما ضمن أراضي الدولة قد يكون أرحم عليه .

 ضمن هذ السياق التاريخي العظيم وجدت أن من الضروري العودة قليلاً إلى المرجعيات المعتمدة في " تحليل " و "تحريم " الأغاني والأخبار  ولعمري عندما تتحول هذه الكائنات البشرية إلى مايشبه صبة إسمنت واحدة في مجتمع أكثر ما كان يميزه اختلافه فتلك فعلاً  من علامات قيام  الساعة !


الكاتب : رئيس تحرير الموقع، كاتب سوري

قيم الموضوع
(1 تصويت)
  • آخر تعديل على الثلاثاء, 12 آب/أغسطس 2014 15:45
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية