10سنوات على الصحافة الخاصة : نحو قانون إعلام إلكتروني سوري (1)

عشر سنوات مضت على عودة الصحافة الخاصة لا المستقلة إلى الحياة في سوريا بعد تغييب قسري قارب النصف قرن ، سنوات عشر لم تكن سماناً في هذه العودة الميمونة فكثير من تلك الصحف لم تستطع النفاذ من مطبات العلاقة مع الحكومة السورية ومع وزارة الإعلام ثانياً ومع الجهات الأمنية ثالثاُ وكثير منها تعرض  لمصادرات لأعداد معينة أو استدعاءات أمنية أو توقيف شفوي من قبل وزارة الأعلام أو حتى منع المطبوعة من التوزيع ، عدا عن توقف العديد من المطبوعات عن الصدور نهائياً لأسباب كثيرة بعضها مالي وبعضها يتصل بدور المطبوعة ومحتواها وهو الأبرز  ، هذه الحال التي لا تسر كثيراً يضاف لها واقع المواقع الالكترونية السورية المتعب (بكسر العين !) .



بلغ عدد المواقع الالكترونية السورية المحجوبة والمتأكد من حجبها 226 موقعاً أكثر من نصفها يمت بصلة للعمل الثقافي و المدني والأهلي والحقوقي فيما الباقي لمواقع سياسية معارضة (قومية وماركسية وإسلامية ) هذا عدا عن حجب العديد من المواقع العالمية المشهورة مثل مواقع المدونات والتواصل الاجتماعي وعلى رأسها اليوتيوب والفيسبوك والـ MySpace وغيرها.

وفي حين أن سوريا  احتلت المركز 153 من أصل 179 في الترتيب العالمي لتقرير حرية الصحافة لعام 2009 والذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود وهي منظمة غير حكومية ، فقد احتلت دول عربية أخرى مراكز متقدمة وقد علقت وزارة الإعلام على أن منظمة مراسلون بلا حدود لا تعرف أن في سوريا صحافة خاصة !! وأيضاً احتلت سوريا مركزاً متأخراً جدا في تقرير نفس المنظمة حول حرية تبادل المعلومات وتوفيرها للصحافيين فقد جاءت في المركز قبل الأخير ( السعودية بعدنا !!! ) ، وبغض النظر عن الآلية التي تعد فيها هكذا تقارير واختلافنا أو اتفاقنا معها فإن هذا المؤشر لا يبشر بالخير .

المواقع الإلكترونية السورية لا زال أغلبها يعمل بدون ترخيص ومعرضة في أي لحظة للإغلاق دون سابق إنذار ورغم أن أغلبها  قد سجل حضوراً ملموساً على مساحات الشبكة العالمية  باعتراف بعض النافذين في مواقع القرار الإعلامي السوري  متحولة إلى مرجع يعتد به في نقل وتداول الأخبار السورية وبشتى محتوياتها الإيجابية منها والسلبية إلا أن هذا الحضور لا يماثل حضور دولة عربية كانت إلى فترة قريبة قبلنا بكثير هي العراق مثلاً من جهة ، ومن جهة ثانية يبدو هذا الحضور مخنوقاً ومتهماً وقلقاً وللتفسير أسباب ومواجع شتى يدركها ويعرفها كل من  يدير أو يكتب أو يحرر في هذه المواقع وهي بتقديرنا كالتالي :

  1. النظرة المريبة التي تنظر بها وزارة الإعلام ومن يدور في فلكها  تجاه المواقع الإلكترونية ، فهي ترى فيها نداً كبيراً لوسائطها الإعلامية الفقيرة أساساً بالميديا وبالمحتوى وبطريقة العرض و بتواجد الرأي والرأي الآخر والتي لم تتمكن عبر تاريخها الإعلامي من تحقيق تواز مطلوب بين أداء السياسة الخارجية السورية وعلى كافة الصعد الدولية والعربية وبين أدائها الإعلامي المطلوب منها واليوم عندما تذكر دولة قطر تذكر معها الجزيرة لا بل أصبحت قطر تعرف بدلالة الجزيرة ، وقد تكفلت المواقع الإلكترونية في تحقيق هذا التوازي إلى درجة كبيرة فشكلت سنداً وداعماً ودافعاً لهذه السياسة متحولة إلى مرجع يومي للمواطنين داخل وخارج سوريا ويتضح ذلك من المواقع السياسية المحلية وكيف حققت على مؤشر جوجل وأليكسا ترتيباً هاماً وتحول بعضها إلى ما يشبه مؤسسة إعلامية ناجحة تدير الخبر وتناقشه وتحلله وترد عليه وتدافع عن السياسة الخارجية وتقدم المبررات المقنعة لقرائها المتكاثرين رغم أن أغلبها يديره أفراد متطوعين وليسوا مأجورين ، فمثلاً تكفلت المواقع السورية الرد على مجلة روز اليوسف قبل فترة إثر مقال فيها طعن في أهلية مرشح مكتب القاهرة التابع لوكالة سانا ( اقرأ المقال والرد على موقعنا مثلاُ) وكذلك استنفرت قواها الفكرية وأقلامها على الإعلامي أحمد منصور في حواره على الجزيرة مع عبد الكريم النحلاوي أحد قادة انقلاب 61 وبشكل حضاري فاق أداء وزيري الإعلام والثقافة ومعهما كلا الوزارتين وأجهزتهما وآلياتهما ، ورغم اختلاف الآراء في الأمر فإن ذلك لم يؤثر على هذا الحراك الوطني الإعلامي الذي أكد على حيوية السوريين الأبدية  وعلى احترامهم لأنفسهم كما احترامهم للآخرين .

هذا الحراك والاستيقاظ الدائم جعل وزارة الإعلام تصاب بكثير من الزكام الوظيفي فبات ديدنها الأول محاربة هذه المواقع بدل دعمها واستثمارها في تقديم الصورة الحضارية للسوريين وثقافتهم ومجتمعهم وتعدديتهم إلى درجة أنها حجبت بعض المواقع لمجرد وجود مادة  تنتقد عملها وأدائها وحجبت بعض المواقع التي لا علاقة لها بأي شأن سوري داخلي أو خارجي ( كموقع الويكيبيديا العربية والعالمية ) في تصرف غريب عجيب وإن كان لدى أحد تفسير مقنع  فليقدمه لنا .

  1. إصرار وزارة الإعلام على نظرية عفا الزمان عليها في علاقة الصحافة مع الحكومة وهي علاقة التبعية والذيلية والأبوية المتشددة ، ليست الحكومات كيانات خارج الدولة وليست مقدسة لا بأشخاصها ولا بوزاراتها ولا بأعمالها ، وهي حسب التعريف الأولي البسيط لعملها ووجودها : مؤتمنة من قبل الشعب على مقدرات الوطن وهي خادم الشعب وليس الشعب خادمها مهما علت أو نزلت وهذه أبسط صيغة لتعريف الحكومة ، والصحافة هي أيضاً حسب التعريف الأولي ( السلطة الرابعة ) ويبدو أن وزارة الإعلام السورية نست أو تناست هذه الحقيقة لدرجة كبيرة فممارساتها مع الإعلام الورقي والإلكتروني معاً تجعلها المتهم رقم واحد في حماية الفساد ودعمه عبر مصادرة أو إقفال أو اعتقال كل ما من شأنه أن يقدم للرأي العام السوري الصورة الحقيقية للمجتمع السوري بكل تناقضاته ومشاكله والتي ليست عيباً نحتاج أن ندفن رأسنا في رماله كي لا نراها بل أن نضع أعيننا بمواجهة أولئك الذين لا يريدون لهذا الوطن أن يتغيير ويصبح من تلك البلاد التي يحلم المرء بالهجرة لها .
  2. عدم تقدير قيمة ما تقدمه المواقع الالكترونية من خبر وتحليل وعرض واعتباره أدنى وأقل قيمة مما تقدمه وسائل الإعلام الأخرى ( التي تعاني هي الأخرى من أمور أخرى أشد وطأة ) حيث يتضح ذلك في عزوف المؤسسات الحكومية عن الرد على الشكاوى التي تنقلها هذه المواقع عن حال وأحوال البلد ويرجع ذلك بوضوح أيضاً إلى عقلية القائمين على وزارة الأعلام فهي عقلية لم تتمكن من فهم روح العصر ولا التغيرات التي طرأت على طرق التعامل مع الخبر والوثيقة والتحليل من جهة ، ولم تتمكن من جهة ثانية من فهم أنها ليست وحدها من يملك أدوات النص الإعلامي  السوري وأن هناك في هذه المهنة من يرى مات لا تراه أعين الوزارة الميمونة وأعين صحفييها الفاشلين على الأغلب (مع الاحترام الكبير لهم ) وإلا لما بقوا فيها والهجرة من هذه الوزارة إلى وسائل الإعلام العربية واضحة وضوح الشمس والبرنامج العربي السياسي الأكثر  شهرة في العالم العربي ( الاتجاه المعاكس ) يديره إعلامي سوري !!!
  3. يجب الاعتراف أن وجود هذه المواقع قد حرك كثيراً من الساكن في حياتنا السورية الثقافية والإعلامية والاجتماعية وغيرها ، فلم يعد الكاتب أو المثقف أو المهتم ينتظر ويرجو موافقة الوزارة على نشر مقال ينتقد فيه السياسات الاقتصادية للحكومة مثلاُ رغم أن هذه الأمور قد تم تجاوزها في كثير من البلدان العربية ، فقنوات النشر الإلكتروني مفتوحة أولاً بأول وتصل إلى مختلف أنحاء الوطن في ثوان ومقص الرقيب الحكومي للمرة الأولى في تاريخ الإعلام السوري قد أصبح مثلماُ فلا أحد يعترف بحدوده الموهومة طالما أن المراد وغاية الطلب هي إيصال كتابة فاعلة مؤثرة هدفها الأوحد تشريح وعرض أحوال البلد بكثير من المصداقية والشفافية التي يتميز بها صحافيو المواقع الإلكترونية ويندر جداً أن تجد عكس هذه الحالة في كل المواقع المفتوحة والمغلقة معاً ، وكعينة نذكر الخلاف الذي اجتاح جريدة تشرين إثر تعيين السيدة سميرة المسالمة رئيسة تحرير لصحيفة تشرين الحكومية فقد بدأت الحملة ضد تعيينها من المواقع الالكترونية مما اضطر السيدة مسالمة إلى الرد في ملحق تشرين الاقتصادي ، كذلك الحملة الوطنية ضد مشروع قانون الأحوال الشخصية الأخير واليوم أو غداً ستبدأ حملة مشابهة لإقرار قانون إعلام إلكتروني سوري صحي ونظيف ومحترم ، كل هذا الحراك الإعلامي السوري الالكتروني بدل أن تستغله الوزارة الأهم في الحكومة لتمهيد الطريق لسوريا عصرية حداثوية فهي قد وجدت أسهل من ذلك طريقاً : نحجب المواقع السورية ونرتاح من الهم والغم فلدينا ما هو أهم !!
  4. ساهمت هذه المواقع في دفع الخبر المحلي إلى الواجهة الإعلامية فتخلصت من الكليشيهات التي اعتاد المواطن القارئ عليها في مانشيتات الصحافة الرسمية ، أصبحت قيمة الخبر هي فيما يحمله هو بحد ذاته كخبر وليس من الأشخاص الذين يمثلهم الخبر، وهذه اللغة الإعلامية هي اللغة السائدة في العالم ، المحلية هي الطريق إلى العالمية وخصوصيات البلد ، أي بلد ، هي ما يدفع الآخر إلى البحث والتنقيب والقراءة وليس التشابه ، إن ولادة طفل من نماذج أطفال الفقمة في مدينة معرة النعمان السورية هو خبر أهم للمواطن من خبر يعرفه مسبقاً بحدسه ويعرف أنه قد سمعه لدرجة التكرار الممل ، كما أن كشفاً لفساد أو تلاعب أو إنجاز إيجابي حقيقي يجري في أي منشأة أو مؤسسة حكومية أم خاصة هو خبر يجذب القارئ ( بلغة الإعلام ) أكثر من الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى ، من هنا كان التدفق الجماهيري على المواقع التي تقدم الخبر المحلي السوري خارج أطر الرقابة والبسترة والترشيح والفلترة .
  5. زاد عدد مستخدمي الانترنت في سوريا أضعافاً مضاعفة كل سنة ، وصار الانترنت مرجعية غالبة لدى السوريين حتى لأولئك الذين لم يتعاملوا مسبقاً مع هذا الوافد الغريب، لقد أصبحت أسعار السيارات تصل إلى الناس دون الحاجة لانتظار كرم ورحمة مؤسسة سيارات لإعلان قوائمها السرية السعرية لهذه البضاعة أو تلك ، الرغبة السورية الشديدة في الانفتاح على العالم والتفاعل مع مجريات الأحداث الاقتصادية والسياسية والتي تذكر دائماً بأجداد السوريين الذين غزوا العالم على ظهر سفنهم الفينيقية حاملين معهم اللغة والحروف الأبجدية والأرجوان والقمح والعيون الجميلة ، هذه الرغبة تدفع السوريين ليكونا في مقدمة متتبعي أحدث التقنيات العالمية الأمر الذي يزعج وتعجز عنه وزارة الإعلام العتيدة بجهازها البيروقراطي . وعلى نفس السياق أيضاً خفت قراءة الجرائد المحلية رغم وجود خيارات أكثر من العناوين والمواضيع إلا أن إغراء النت يبقى أكبر وأطزج وأسرع وأقل تكلفة ، وهذا الأمر أيضاً لايصب في صالح القنوات الإعلامية التقليدية ويخلق منافسين غير مرئيين ويكون حل الوزارة لمشكلتها هذه : الحجب !!

 سنتوقف هنا اليوم لنتابع في الحلقة القادمة تصورات منطقية لتحسين عمل الوزارة فيما يتعلق بالإعلام الالكتروني السوري وقانون الأعلام الالكتروني المزمع طرحه قريباً .



الكاتب كمال شاهين كاتب سوري هيئة تحرير الموقع 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 23 أيار 2010 02:38
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية