الأبعاد الدولية للأزمة الإقليمية

  • .سمير كرم - واشنطن
  • السبت, 23 حزيران/يونيو 2012 07:57
  • نشر في تيارات
  • قراءة 1842 مرات
يتحول الوضع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط حثيثاً الى ازمة دولية تهدد بصراع عسكري عالمي. و الولايات المتحدة تتصرف ازاء الازمة السورية الراهنة على نحو يترك انطباعاً قوياً بأنها تعتبر استمرار دورها الذي تنفرد فيه بالهيمنة العالمية استراتيجياً وسياسياً ـ من اجل ضمان الهيمنة الاقتصادية ـ متوقفاً على التدخل عسكرياً في سورياً من اجل مناصرة «المعارضة» ضد الدولة .

 وهي في هذا التصور تتجاوز بمسافات بعيدة موقفها الذي برر لها التدخل في ليبيا بالمشاركة مع قوات حلف الاطلسي. فهي لم تصل في تشكيل استراتيجيتها تجاه ليبيا الى نقطة اعتبار مصير هيمنتها العالمية متوقفة على هذا التدخل. اما بالنسبة لسوريا فالأمر مختلف، بمعنى انه اشد خطورة حيث يبلغ تقدير الولايات المتحدة الى نقطة فاصلة. فإما الهيمنة على سوريا، وبالتالي استمرار الهيمنة على المنطقة والعالم، وإما فقدان الفرصة في سوريا، الامر الذي يعني انهيار المعارضة السورية وعودة سوريا الى دورها في مواجهة النفوذ الاميركي والتوسع الاسرائيلي في المنطقة.

اذا استخدمنا تعبيراً معروفاً في علم المنطق الحديث فإن اميركا تعتبر انها اصبحت في موقف «إما .. أو». وهذا معناه انه لا ثالث بينهما او بعدهما. ولا غرابة ازاء هذا التقدير الخطير ان يصل الامر بكاتب من مؤيدي سياسات إدارة الرئيس باراك اوباما ازاء هذه المشكلة الى حد وصف موقف اوباما بأنه في حالة «تخبط «. ويعزو هذا الكاتب وهو جاكسون ديل (واشنطن بوست) هذا التخبط الى «عامل مهم متمثل في حملة الرئاسة الاميركية التي تتطلب تهدئة اندفاع تيار الحرب في الشرق الاوسط». لكن ديل يضيف الى هذا ما يعتبر انه سبب كامن في الاوضاع الاقليمية، هو ان اوباما يعرف انه يواجه التحدي الايراني وليس التحدي السوري وحده. فإن «الحسابات بشأن سوريا وإيران أكثر تعقيداً مما تبدو للوهلة الاولى. اذ لا يقتصر الامر على التحالف القائم بينهما، بل هو نتيجة لواقع كون اميركا وحلفاؤها لديهم اهداف مستقلة وملحة … فهم بالنسبة لسوريا يهدفون الى الإطاحة بالرئيس الأسد …وفي إيران يهدفون الى منع الاسلحة النووية». وليس واضحاً السبب الذي يجعل الكاتب الاميركي يستخدم صيغة الجمع متحدثاً عن حلفاء اميركا، في حين انه يقصد اسرائيل، اسرائيل وحدها. ولكنه لا يلبث ان يتوصل الى استنتاج صحيح حين يقول «لقد اصبح واضحاً ان الخطوات التي قد تنجح في احد الموقعين ستؤدي قطعاً الى تعقيد الأمور بشأن الاستراتيجية الغربية في الموقع الآخر». ويتساءل شارحاً ما يعنيه «اذا تورطت اميركا في عملية عسكرية في سوريا، هل سيمكنها بعد ذلك ان تشن هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية؟ وماذا لو اقدمت اسرائيل على هجوم بينما العملية السورية لم تزل بعد؟ تتمثل الإجابة بوضوح في ان ذلك قد يسفر عن فوضى تخرج عن السيطرة. ولهذا السبب سألت أحد المسؤولين الاسرائيليين مؤخراً عن رأيه بشأن التدخل الغربي في سوريا وكانت إجابته: تركيزنا هو على إيران وأي شيء قد يسبب الشوشرة على ذلك لا نعده افضل ما يمكن عمله … لكن هذه الإستراتيجية الإسرائيلية تصطدم مع المفاوضات الديبلوماسية لوقف البرنامج النووي (الايراني). وتضيّق مجال الاختيار في سوريا امام اوباما، اذ تتطلب الصفقة مع ايران دعما من روسيا». دعم من روسيا لصفقة اميركية مع ايران؟ هذا كلام من الكاتب المؤيد لسياسة الادارة الاميركية في المنطقة ضد سوريا وضد ايران فقد صدقيته تماماً، لان تحركات روسيا التي تتحدث عنها مصادر اميركية لدعم الحكومة السورية عسكرياً بدأت في الظهور من الاسبوع الفائت. هذا ما أكده اندرو كرامر (16 / 6 / 2012- في نشرة «بيونير بريس» من موسكو) حين اورد على لسان اكبر مصدّري السلاح في روسيا ان شركته «تشحن انظمة صواريخ متقدمة دفاعية الى سوريا من شأنها ان تسقط الطائرات او تغرق السفن اذا حاولت الولايات المتحدة او غيرها من الدول الغربية (اسرائيل؟) ان تتدخل في موجة العنف الذي يجتاح هذا البلد». وأضاف مصّدر الاسلحة الروسي اناتولي ايسايكين «انني احب ان اقول إن هذه الانظمة جيدة بالفعل كوسائل دفاعية وانها دفاعات يعتمد عليها ضد الهجمات من الجو ومن البحر. ليس هذا تهديداً انما يتعين على اي كان اذا كان يخطط لشن هجوم ان يفكر في الامر». ويجدر بالذكر هنا ان هذه التصريحات، بما حملته من معلومات على درجة عالية من الاهمية، جاءت قبل يومين اثنين من لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الاميركي اوباما على هامش اجتماع القمة للدول العشرين في المنتجع المكسيكي لوس كابوس.

بالاضافة الى هذا فإن مسؤولين اميركيين اكدوا في اليوم نفسه «ان الولايات المتحدة تتعقب سفن شحن روسية تشق طريقها الى سوريا حاملة اسلحة وذخيرة وعدداً صغيراً من القوات الروسية».

الموقف الاقليمي يتحول اذن الى مواجهة دولية. وما كان يعتبر ازمة في سوريا بين الحكومة والمعارضة يتحول تدريجياً الى مواجهة بين القوتين العسكريتين الأعظم في العالم. فهذه حقيقة لم تسقط بسقوط الاتحاد السوفياتي. والسؤال ازاء هذا التحول هو ما اذا كانت الولايات المتحدة مستعدة من اجل مساندة اسرائيل بالنسبة لمواجهة التحالف السوري الإيراني لأن تواجه القوة العسكرية الروسية، التي يبدو انها لا تنظر الى الشأن السوري على انه شان يهم سوريا وحدها، او الى الشأن السوري الايراني على انه يهمهما وحدهما؟

إنه سؤال مشروع، وهو في الوقت نفسه يؤكد تحولا خطيرا لهذه الازمة الشرق اوسطية من المجال الدبلوماسي الى المجال العسكري. ولعلنا لا نبتعد عن حدود الموضوعية اذا قلنا ان هذه اخطر ازمة بين القوتين العسكريتين الاعظم في العالم منذ انهيار الدولة السوفياتية في اوائل تسعينيات القرن العشرين. ولهذا فإن من المتوقع ان تتخذ ازاءها كل القوى الكبرى مواقف حدية تؤكد بطبيعتها ان العالم لم يتغير كثيرا من الناحية الإستراتيجية ومن ناحية المصالح العسكرية منذ ذلك الوقت. وهذا على الرغم من كل مظاهر التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا التي تتمثل ـ على سبيل المثال ـ بحضور روسيا مؤتمر القمة للدول الغربية العشرين.

هل تشكل التطورات في الموقف الروسي ازاء الازمة السورية ـ وبالتالي ازاء الصراع الايراني ـ الاسرائيلي ـ مفاجأة استراتيجية او سياسية للولايات المتحدة؟ لا توجد اجابة جاهزة لهذا السؤال انما يتوقف نوع الاجابة على مدى معرفة الولايات المتحدة بأن لروسيا في الشرق الاوسط مصالح مختلفة عن المصالح الاميركية اختلافا تاما، ولكنها لا تختلف ربما بأي درجة عما كانت «المصالح السوفياتية». وقد تميل الولايات المتحدة الى تفسير المواقف الروسية بمعايير اميركية في تقدير ما يعنيه تعبير «المصالح». وغالباً فإن الولايات المتحدة ستعتبر ان روسيا تبدي اهتماما بأن يكون لها منفذ على البحر الابيض المتوسط، ومن خلال اهتمامها بالشأن السوري تبقي على هذه الإطلالة الخارجية. ولكن الحقيقة ان مصالح روسيا في المنطقة اوسع من ذلك بكثير وربما لا تقل في اتساعها عن المصالح الاميركية الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية. انما يبدو في كل الاحوال ان اهتمام الولايات المتحدة بالسير على الطريق الإستراتيجي الاسرائيلي في الشرق الاوسط قابل لأن يربك الولايات المتحدة في المنطقة على النحو الذي شرحه الكاتب الاميركي جاكسون ديل. وحتى الآن فإنه لا يوجد تفسير مقبول او منطقي لاستمرار تردد الولايات المتحدة في تلبية رغبة اسرائيل في مهاجمة المنشآت النووية الايرانية سوى الخشية من النتائج المباشرة من رد ايران على مثل هذا الهجوم وما يمكن ان يلحقه من أضرار بالوجود العسكري الاميركي في المنطقة.

على انه لا بد من التنبه الى ان الولايات المتحدة تؤدي خدمة جليلة لإسرائيل في انتهاجها سياسة في الشرق الاوسط ترمي الى ابقاء التباعد بين اكبر قوتين إقليميتين في المنطقة، وهما مصر وإيران. والمفهوم انه ليس للولايات المتحدة اي نفوذ على إيران من اي نوع. هذا امر اكدته حقيقة صمود الأخيرة في وجه الضغوط الاقتصادية الأميركية (والأوروبية). وتضع الولايات المتحدة موضع التنفيذ سياسة التفريق بين مصر وإيران من خلال ضغوط غير علنية، ولكن من الممكن استنتاجها من استمرار الاتصالات مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر. ان زيارات القادة العسكريين الاميركيين لمصر لا تنقطع منذ انطلاق ثورة 25 يناير 2011 حتى الآن. ومع ذلك فإن التصريحات المقتضبة التي تصدر عن الجانبين بشأنها لا تشرح شيئاً ولا تكشف حتى عن طبيعة القضايا والمسائل التي تطرح في هذه اللقاءات. غير ان معرفة المراقبين اليقينية باهتمام واشنطن بما ستكون عليه سياسة مصر الخارجية تجعلهم يؤكدون ان الولايات المتحدة ومن بين قضايا اخرى عديدة تهتم بشكل خاص بإبقاء مصر بعيدة عن ايران. ان اي تنسيق او تعاون من اي نوع بين هذين البلدين، وخاصة في الشؤون الإقليمية امر لا تطيقه اسرائيل وبالتالي الولايات المتحدة. وقد لجأت واشنطن الى حيل عديدة لإبقاء مصر بعيدة عن ايران بشتى السبل. وتبين هذا بشكل خاص عندما لمست واشنطن ان المناخ العام الديموقراطي الذي ساد في مصر اثر الثورة حبّذ التقارب مع إيران باعتبارها قد اصبحت قوة إقليمية مهمة تقف ضد خطط اسرائيل التوسعية في المنطقة. ولا بد ان الولايات المتحدة لاحظت صعود الشأن الإيراني في مصر إبان الحملات الانتخابية لمجلس الشعب وبعد ذلك خلال الحملات الانتخابية للرئاسة المصرية. وعلى اثر ذلك بدأت تظهر الحكايات المختلقة عن دور لإيران ودور لحماس وربما دور لحزب الله في احداث مصر، وخاصة تلك التي تخلق اضطرابات في شبه جزيرة سيناء.

ويبدو المجلس الاعلى للقوات المسلحة وحده مقتنعا بصحة هذه الادّعاءات ضد إيران، كما يبدو انه وحده الذي يتجاهل الدعوات الشعبية لتوثيق العلاقات بين مصر وإيران لما فيه المصلحة الأمنية للبلدين ولما فيه المصلحة الاقليمية للعرب وقضاياهم في مواجهة اسرائيل. وبطبيعة الحال فان الولايات المتحدة لا تبدو مطمئنة بالكامل الى استمرار السياسة المصرية على ما هي عليه بعد ان يسلم المجلس الاعلى للقوات المسلحة زمام الامور في البلاد الى الرئيس المنتخب. ولكن من المؤكد ان تستمر واشنطن في ممارسة ضغوطها السياسية والاقتصادية على مصر لتأمين بقاء المسافة الفاصلة بين مصر وإيران لمصلحة اسرائيل ولمصلحة النخب الحاكمة في الخليج، وخاصة السعودية وقطر والبحرين والامارات. فإن هذا جزء اساسي من إستراتيجية اميركية – اسرائيلية.

كيف تكون المحصلة النهائية لهذه العوامل التي تتفاعل مع الازمة السورية وفي الوقت نفسه مع الوضع الاقليمي الايراني؟

الإجابة تتوقف على مدى التباعد بين المصالح الاميركية والروسية وفي الوقت نفسه مدى التقارب الممكن بين القوتين الإقليميتين في المنطقة مصر وايران.



السفير

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية