عداء الطائرة الورقية مقاربة في النص مميز

  • عماد حلوم
  • الأربعاء, 22 تموز/يوليو 2015 09:26
  • نشر في تيارات
  • قراءة 1585 مرات
معظم من قرأ رواية (عداء الطائرة الورقية) للروائي الأمريكي من أصل أفغاني (خالد حسيني) لم يكن قد ولد بعد عند تاريخ بداية أحداث روايته في عام 1970، أو أنه ولد ولم يكن من العمر الكافي ليتذكر كيف كانت أفغانستان قبل توالي الحروب المدمرة عليها والمستمرة حتى الآن.

يروي لنا خالد حسيني 30 سنة من تاريخ أفغانستان بأسلوب غير مباشر على لسان بطل روايته أمير خان الذي هاجر هو ووالده إلى أمريكا إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان، وعاد إليها بعد اتصال هاتفي يأتيه من صديق والده وصديقه (رحيم خان) يطلب منه الحضور من أجل أمر هام ويقول \"هناك طريقة لتصلح ما قمت به. تسرد الرواية قصة الصديقين، أمير وحسّان (سلاطين كابول كما كانا يلعبان)، أمير خان السيد من الباشتون الذين يشكلون الأغلبية في أفغانستان وهم من السنة المتحكمين بالموارد والذين كانوا يضطهدون الهازارا الشيعة الذي ينتمي إليهم حسّان. حسّان الذي كان لا بدّ أن يصبح خادماً ليبقى بجوار أبيه (والد أمير) الذي لم يجرؤ على كشف سر ليلة غرامية أدت إلى ولادة الهزاري الصغير، فتبدأ الرواية بعهد المَلكية وينقل لنا حسيني تفاصيل كثيرة عن طبيعة أفغانستان بفصولها المتغيرة، وعن الحياة والشخصية الأفغانية. كان بابا يقول: خذ اثنين من الأفغان لم يلتقيا في حياتهما، وضعهما في غرفة، وسيكتشفان القرابة الموجودة بينهما، يضيء حسيني على ذلك أيضاً من خلال وصف حياة الصديقين الصغيرين وكيف يمضون وقتهما وأهم الألعاب التي كانا يتشاركانها معاً، وفي هذه المرحلة يظهر رمز الرواية الطائرة الورقية (شتاءات كاملة نلعب بالطائرات الورقية). (لا يهم بالنسبة إلي أنّ وجه أفغانستان هو وجه طفل رقيق العظام. ولد بوجه دمية صينية يضيء دائماً بابتسامة على شفته المشقوقة، كل هذه الأمور لاتهم. لأن التاريخ لا يمحى بسهولة، كالدين. في النهاية أنا كنت من الباشتون وهو كان هازارا، أنا كنت سني وهو شيعي، ولا شيء يستطيع تغيير هذا أبداً، لكننا كنا أولاداً تعلمنا الزحف سوية، لا تاريخ ولا طائفية ولا مجتمع أو دين كان يستطيع تغيير هذا أيضاً(. لا تقتصر أهمية الطائرة الورقية على أنها مجرد لعبة أطفال فهي أسلوب حياة للأفغان (الأفغان أناس مستقلون يقدسون تقاليدهم ويمقتون القوانين. وهذا ما كان في مسابقة الطائرات، القواعد بسيطة، لا قواعد!)، وكانت أيضاً مهمة لأمير لتحسين علاقته بأبيه الذي يرى فيه الابن الضعيف الهزيل وكان أمير مستعداً لأن يضحي بكل شيء من أجل ذلك، وهي رمز لقوة حسّان وفطنته (أفضل عداء طائرة ورقية)، والذي كان مستعداً أن يضحي بنفسه من أجل إسعاد صديقه أمير وهذا ما حصل بمشهد مؤلم لدرجة البكاء. ينتقل بنا حسيني من ثم إلى عهد الانقلاب الجمهوري الأبيض وبعدها إلى الغزو السوفيتي لأفغانستان وسوء معاملة الجنود للسكان وغرقهم في الملذات الشخصية وتعاطي المخدرات (الخشخاش) المشهورة به أفغانستان، بعدها يتركنا حسيني في استراحة طويلة يتحدث فيها أمير عن انتقاله مع والده إلى أمريكا وكيفية تأقلم الأفغانيين في المهجر وعن تطور حياته الشخصية وزواجه وعدم إنجابه الأولاد، وكأنّه يريد أن يُشعر القارئ برتابة حياة أمير كما هو يشعر بها كأنها حياة مملة وبلا هدف رغم امتلاكه كل شيء تقريباً. .إلاّ أن الماضي يعود إلى أمير ليعطيه فرصة أخرى لتصحيح أخطاءه (مُخطئون فيما قالوه عن الماضي، لقد تعلّمت كيف أدفنه، إلا أنّه دائماً يجد طريق عودته).وهكذا يعود بنا حسيني إلى أفغانستان مع أمير لإنقاذ سوهراب ابن حسّان صديق وأخ أمير غير الشقيق من يد طالبان التي دمرت كل شيء في البلاد باسم الدين. في الختام أرى أن خالد حسيني كان صادقاً مع نفسه متوافقاً مع أفكاره، لكنه لم ينجح جزئياً في محاولته أن يكون صادقاً مع الأفغان ومتوافقاً مع أفكارهم، وبالأخص عندما تناسى دور أميركا بإنشاء حركة (طالبان) لوقف المد الأحمر، وكذلك إظهار الغزو الأمريكي لأفغانستان وإسقاطها عشرات آلاف القنابل الأمريكية المحرمة دولياً على أنه جيش التحرير والخلاص للأفغانيين. لكن تظل هذه الرواية على درجة عالية من الأهمية بما تحمله من أفكار خلاقة ونبيلة أخرى، وإظهار لعادات المجتمع الأفغاني، وبما تحمله من ثنائيات الأب والابن، الصديق والعدو، الشجاعة والضعف، الصدق والكذب، السيد والخادم....... وكما كُتب في هيوستن كرونيل: (قلة هي الكتب التي تستطيع أن تحاكي عدّاء الطائرة الورقية. حسيني أعاد بلده الأصلي للحياة بحس رائع. هو، وبسخاء وصف العادات والتقاليد الأفغانية، حيث يشدك بقوة، خصوصاً في وصفه للحداد على المهجرين، خسارتهم بلدهم والصراع من أجل بناء حياة أمريكية. في عدّاء الطائرة الورقية، خالد حسيني خلق كتاباً مليئاً بالفكر، والحكمة، الخلاص والسعادة فيه ليسا بالضرورة الشيء نفسه).

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الثلاثاء, 28 تموز/يوليو 2015 19:09
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية