وجع حتى لا نستبدل الكفن بالكفن

  • سناء ابراهيم - خاص
  • الإثنين, 30 كانون2/يناير 2017 14:57
  • نشر في تيارات
  • قراءة 440 مرات

 بلد مُحاط بالحفر ، كيف لها أن تقف على حافته دون أن تقع ، دون أن تبكي وتصرخ وتتألم ؟ العيون مطفأة والضحكة شاحبة ، الوجع واضح حد الوقاحة، عيونه مفتوحة تبحث عمن يدقق فيها ليكتشف حقيقته ، عمّن يوثّقها ، نساء سوريّات تحوّلن الى جثث لبسن الكفن وهنّ على قيد الحياة ، كل هذا وأكثر..  فقط !! لأنهن عشن زمن الحرب ، ولعبة القدر وعبثية الحظ السيء .

في دار الأوبرا تابعنا عرض الوجع . \\\\\\\"عرّوها في الساحة ، باعدوا بين قدميها ، فردوا يديها ، أربعة وحوش ثبّتوها من أطرافها الأربعة فيما تولى الخامس اغتصابها أمام مرأى الناس والمارّة الذين تحوّلوا إلى وحوش أيضاً ، يتفرّجون بصمت وينظرون إلى المشهد بعيون مفتوحة يهزّون أكتافهم ربما ، وربما تولى البعض منهم تصوير المشهد للاستمتاع بالفرجة لاحقاً . أما السيدة الضحية فقد بقيت وحيدة ، عارية إلا من نظرة خجل ومجموعة من البشر المدججين بالثياب . كيف علينا أن نصمد أمام هذا المشهد وكيف عل الضحية ألا تنهار بعد هذا المشهد ؟  لا ندري ..

ما روته السيدة خولة عن نفسها وما جرى لنساء أخريات شاهدته بأم العين في ساحات حمص وأقبيتها خلال سنوات الأزمة الأولى ، هو بالضبط ما أدركته المهندسة ميسون محلا من مدينة (عدرا العمالية) بريف دمشق واستبقته ، فأخذت إذناً من الله بأن تُنهي حياتها وحياة عائلتها . فجّرت نفسها مع أول رصاصة اخترقت باب المنزل ، فكانت صانعة لقدرها ورافعة له.

خمسون دقيقة مكثّفة من الوجع (زمن الفيلم) ، تناوبت عليها شهادات نساء سوريات عانين القتل والاغتصاب والتخوين والسبي ، نساء تولّين قيادة القدر في بعض المحطات وأخريات كنّ له محطة . هي الفوارق التي صنعت الفيلم الوثائقي \\\\\\\"وجع\\\\\\\" لصاحبته السيدة فاديا محمود .

جمع الفيلم الأم المُغتصبة والمهُجّرة كما أم الشهيد وزوجته من عدة محافظات سورية : (حمص وطرطوس ودمشق وحلب والرقة ) . اختيار المحافظات كما اختيار السيدات عكس توازناً في التوزع الطائفي دون أن يكون طائفياَ في شهادات النساء ، كما عكس الانتماء السياسي دون أن يبدو تحزّباً سياسياً لجهة دون أخرى، فلم يكن هناك حديث عن موالاة أو معارضة ، كان هناك بوح وقصص إنسانية مؤلمة أخذت قلب الموالي والمعارض ، كما قلب المنتمي واللامنتمي ممن حضروا العرض وهذه نقطة إيجابية تُحسب لصانعة الفيلم .

بعيداً عن الشهادات الأخرى التي تضمنها الفيلم لنساء أخريات (زينب وعائشة) ،  ولكل منهنّ مأساتها ، فإن حكاية \\\\\\\"خولة وميسون\\\\\\\" (الفاعل والمفعول به)، تلخص عبثية الحرب السورية وخيارات النساء فيها ، خيارات يصنعها الإرهاب ويستكملها المجتمع وتحميها مؤسسات الدولة إذا لم تكن قادرة على تشريع القوانين أو تعديل الموجود منها (قانون العقوبات ، قانون الجنسية ، وقانون الأحوال الشخصية) ، لحماية النساء من العنف ومن التمييز ضدّها وبينها وبين الرجل . وهذا ما تطرّق له الفيلم بالإشارة إلى وضع المرأة القانوني دون أن يدخل في التفاصيل . فقبل الإرهاب وقبل الحرب ، المرأة السورية غير قادرة على منح جنسيتها لأولادها ، وقبل الحرب وقبل الإرهاب ، شهادة الرجل تعادل شهادة امرأتين ، وقبل الحرب وقبل الإرهاب ، لا تستطيع المرأة أن تُزوّج نفسها إلا بإذن وليها لأنها تتمتع بولاية ناقصة . وهنا تحديداً ، لا يمكن لنا أن نتحدث عن جرائم الاغتصاب التي تعرّضت لها المرأة السورية بعد الحرب دون أن نتحدث عن الاغتصاب (الشرعي) الذي يشرّعنه ويحميه القانون السوري في قانون الأحوال الشخصية . فعندما يقول القانون في احد مواده \\\\\\\"ممارسة الجنس حق للرجل وواجب على المرأة\\\\\\\" ، فنحن تماماً أمام طرفين مشتركين في ممارسة العنف ضد المرأة مع اختلاف شكل الجهة التي تمارسه والطرق المتّبعة في ممارسته .

في حالة الميليشيات المسلحة التي مارست الارهاب ضد السوريين ، من البديهي أن ترتكب هذه الجماعات جرائم الاغتصاب بحق النساء خاصة أن ممارساتها خلال سنوات الأزمة وفي بعض المناطق (حمص مثلاً) أظهرت أن ما يحرّكها هو الطائفية وأن ما يحكمها ويحميها هو عقائد الجاني وأفكاره ضد ضحيتها . لكن الـ غير طبيعي أن يكون هذا القانون موجود في دستور الدولة السورية التي توصف بالعلمانية وبأنها من أكثر الدول إنصافاً للمرأة إذا ما قُورنت مع جيرانها من الدول العربية باستثناء تونس التي تجاوزت الجميع في انصافها للمرأة .

هنا أخذ البعض على الفيلم أنه لم يكن متوازناً في تعاطيه مع طرفي الصراع في سورية ، أو ربما كان منحازاً لطرف دون آخر عندما غابت عنه المقارنة بين حقوق المرأة الضائعة قبل الحرب وبين وضع المرأة المستجد بعدها . تحدّث النشطاء والناشطات العاملين في مجال حقوق الانسان ممن استضافهم الفيلم عن هذا الأمر لكن مرّورهم عليه كان سريعاً . وعن هذا الأمر تجيب السيدة فاديا : وعن هذا الأمر تجيب السيدة فاديا : \\\\\\\"حاولت قدر الإمكان الابتعاد عن التصنيف والتحزّب خاصة أنني عملت على الفيلم ليكون موجهاً للرأي العام الخارجي قبل أن يكون موجهاً إلى الداخل السوري ، البعض قال أنني نجحت ، آخرون قالوا أنني لم أوفق في ذلك ، مع ذلك أنا أقول أنني رميت حجراً في الماء الراكد \\\\\\\".

 ليس من السهل تكرار عبارة : \\\\\\\"النساء سيكّن روافع البناء بعد انتهاء الحرب\\\\\\\" . دون أن نعيد للمرأة السورية الضائع من حقوقها قبل الحرب ودون أن نتذكر أن الدولة السورية ما زالت تتحفّظ على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) .  نعم ، قد تكون المرأة رافعة  للبناء عندما نرفض استبدال الكفن بالكفن ، وعندما نقتنع أن المرأة السورية وخاصة بعد الأزمة باتت بحاجة إلى كثير من الريش كي تخرج من سجن الذاكرة ، الموت ، الألم  ، الفقد والغياب وتصفية الحسابات  .. بحاجة إلى الكثير من الدفء كي تُخرِج منها ما تبقى على قيد الحياة ...

\\\\\\\"وجع\\\\\\\" : فيلم وثائقي (50 قيقة) ، قُدّم على مسرح دار الأوبرا في دمشق في ختام فعالية احتفالية \\\\\\\"ورد\\\\\\\" التي نظّمتها الجمعية الخيرية للتنمية المستدامة . سيناريو وإعداد : فاديا محمود،  إخراج : إدوارد ميّا . يتم الاعداد حالياً لعرضه في بقية المحافظات السورية ، كما سيتم عرضه في بيروت وايطاليا وتتم ترجمته إلى سبع لغات منها (الإيطالية ، الإسبانية ، الفرنسية ، الانكليزية) . كما تنوي صاحبة \\\\\\\"وجع\\\\\\\" أن تستكمل الجزء الثاني من الفيلم والبداية ستكون من حلب كما أخبرتنا وخلال أيام .

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الإثنين, 30 كانون2/يناير 2017 16:13
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية