تونس تفتتح الديمقراطية العربية الجديدة

  • المحامي ميشال شماس
  • الخميس, 27 تشرين1/أكتوير 2011 00:33
  • نشر في مغرب العرب
  • قراءة 1341 مرات
تونس التي فجرت الثورات العربية وفتحت الأفاق أمام إمكانية تحقيق التغيير في البلدان العربية، تعود اليوم لتفتح الطريق مجدداً أمام إمكانية إجراء أول انتخابات حرة لتنقل تونس من الكلمة الواحدة واللون الواحد إلى تعدد الرؤى وتنوعها بعيداً عن الدوغمائية، والمحادل التي سطحت الممارسة الديموقرطية وغيبت الرؤية الفردية لمصلحة "القائد المُلهم" والقائد "الضرورة".


لقد أظهرت الانتخابات التونسية مستوى ريادياً من المدنية والتنظيم والانضباط العالي وسط إقبال كثيف من الناخبين التونسيين فاقت نسبته السبعين بالمئة وفق التقديرات الأولية لتدخل التاريخ العربي على أنها أول من فتح أبواب التغيير على مصراعيه في البلدان العربية بدءاً من الثورة التونسية التي ألهمت العرب من المحيط إلى الخليج وليس انتهاء بأول انتخابات حرة تجري في بلد عربي بصرف النظر عن النتائج .
تونس التي انتخبت أمس لا تعني تونس وحدها، بل تعني كلّ العالم العربيّ وشعوبه، بما في ذلك سورية والسوريين، فتونس التي أطلقت شرارة الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية باتت تملك أهمية رمزية خاصة لا في تونس ومحيطها العربي، بل في العالم أجمع، وفي هذا المعنى فإن نجاح تونس في عملية الانتقال إلى الدولة الديمقراطية سيترك أثراً بالغاً على مستقبل الحراك الشعبي المنتفض في العديد من البلدان العربية وباقي أنظمة الاستبداد في آن واحد.
ومهما كانت نتيجة الانتخابات التونسية، فلا يجوز الخلط بينها وبينها الانتخابات التشريعية والرئاسية التونسية المقبلة. إذ أن الفائز بأكبر عدد من المقاعد بصرف النظر عن هويته لا يعني بالضرورة أنه هو من سيحكم البلاد، لأنه من غير الواضح حتى الآن المسار الذي سينتهجه المجلس التأسيسي المنتخب، إلا أنه من المرجح أن يقتصر عمل المجلس الجديد على صياغة دستور جديد للبلاد، يتم بعدها إجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة.. 
تونس اليوم تشكل نموذجاً عربياً يُحتذى به في عصر ما بعد الثورة. كما كانت في إطلاقها شرارة انتفاضة الشعوب في البلدان العربية بوجه الاستبداد والظلام، فإن تونس اليوم باقتراعها يوم أمس في أول انتخابات حرة تكون قد بنت جسراً لجميع بنات وأبناء البلدان العربية للعبور نحو حداثة لا غربة فيها عن الأرض. جسراً لن يكون من السهل عبوره دون تحطيم وإزالة العقبات التي ستعترض هذا العبور أو قد تؤخره إلى حين.وسيكون واجباً علينا جميعاً استنفار جميع الطاقات وحشد كل القوى لتسهيل عملية العبور الآمن نحو الدولة المدنية والديمقراطية التعددية بأقل الخسائر وأخفها إيلاماً، بصرف عن هوية الفائز في انتخابات المجلس التأسيسي في تونس.
التونسيّون قرّروا اليوم أن يسيروا وأن يسبحوا ليس في لون واحد وطيف واحد ، بل في طيف متعدد الألوان والرؤى، ونحن في سورية وسائر العرب ننظر إلى تونس الخضراء متمنّين لهم أن ينجحوا في ذلك، ويشكلوا قدوة في الانتقال إلى المدنية والديمقراطية، مثلما كانوا قدوة في تحطيم قيود وأغلال الاستبداد وتفجير أول ثورة شعبية على الظلم والاستبداد في بلدان العرب قديماً وحديثاً.
تونس التي فتحت بثورتها الرائعة الأبواب العربية المغلقة بوجه الحرية والديمقراطية منذ نحو عشرة أشهر، هاهي اليوم تفتح الأبواب العربية من جديد أمام حصول أول انتخابات حرة، وتطلق أملاً جديداً ليس هناك من يسرق فيه صوت الناس في البلدان العربية.



عن كلنا شركاء 


قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية