بارك الله ومت !!!

  • توفيق أبو شومر
  • السبت, 16 تموز/يوليو 2011 10:17
  • نشر في لأنها فلسطين
  • قراءة 3196 مرات

سألني أحدهم:لماذا لا يعفو السلطان عن منتقديه حتى بعد موتهم؟فقد يخطئ الناس في حق الناس ويعتذرون فيُصفَحُ عنهم، وقد يُخطئ المرء في حقِّ الله، ثم يندم، فيغفر له الله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، إلا السلطان فمن يخطئ في حقه مرة واحده، فخطؤه أبدي لا يغتفر، مهما كفّر عن ذنوبه، وحتى لو أعلن التوبة وطلب الغفران عن أخطائه في حق السلطان !فكيف يغفرُ ربُّ العالمين، ولا يغفرُ سلطان الأكرمين ؟!!!قلتُ مُجيبا :لا يرتاح السلطان إلا بعد أن يُصنِّفَ رعيته.

 

....... فمن أي الأصناف أنت؟قال :"والله ما شهرتُ عليه سلاحا، ولم أدعُ إلى انقلابٍ عسكري، وما دعوت عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور، وما طعنتُ في شرفه وعرضه!! ولكنني أُصادقُ شخصا، انتقد أفعال السلطان، وذم أفعاله وأقواله، وكنتُ جالسا أسمع وأبتسمُ ولم أعلق، فسُجنتُ وعُذبتُ لأنني ابتسمتُ وصمتُ!!وبعدها أصبح اسمي في كل دوائر الحكومة مُتابعا مرصودا، في دفاتر رجال الأمن، فيرصدونني بعيونهم ، فأنا ممنوع من السفر والعمل، مطاردٌ صباح مساء!!والله لو كنتُ قادرا على الرحيل من بلدي لرحلت، ولو كنتُ قادرا على تغيير اسمي لفعلت ، فأنا لست من أعداء السلطان، ولكنني عدوٌ لحاشيته الفاسدة، وبطانته الظالمة" !قلتُ: الرعيةُ يا صديقي ثلاثة أقسام؛ قسم مع السلطان، وقسمُ ضد السلطان ، وثالثٌ مجهول الهوية، وأنت من القسم الثالث ،إذن أنتَ من أخطر الأقسام !!فالسلطان في بلادنا يكره مجهولي الهوية، لأن مجهول الهوية يُحيِّر أعوان السلطان، ويجعلهم في حالة استنفار دائم لكي يصنفوك!! فهم سيظلون غير أكفاء عاجزين وكسالى مُقعّدين في نظر السلطان، ما لم يُصنِّفوك، لذلك فأنت مُطارد حتى الممات ! وسألني:أليستْ طائفةُ أعداء السلطان، هم الأخطر؟قلتُ: إذا اعتقدت بأن أخطر الأقسام، هم أعداء السلطان، فأنت مخطئ، لأن أعداء السلطان معروفون ومتابعون ومراقبون، في الصباح والمساء، وحتى في المنام، كما أن معظم أعداء السلطان، هم من أعوان السلطان أيضا !أما مجهولو الهوية أمثالك، هم أغلبية الشعب، يتوالدون بسرعة، فيعجز المراقبون عن متابعتهم، وكثيرٌ منهم يُفلتون من وشم السلطان، ويحتاج كل فردٍ فيهم إلى عينٍ ترصده، وتتابع خطواتِه!! ومجهولو الهويات عند السلطان هم بذور الشر المستقبلي ،فهم براكين  الثورات ،  فهم عند السلطان رُّعاع مزعجون ، فإذا رفع السلطانُ سيفه عن رقابهم لحظة من اللحظات، امتشقوا في وجهه سيوفهم وحرابهم وبنادقهم!فالسلطان يظن بأن الرعاع أمثالك، أغنياء، يدَّعون الفقر، لا يشبعون ما أكلوا! وهم يحكمون في سرهم على كل سلاطين العالم بالإعدام ، ويبصقون في وجه السلطان وهم نائمون ، وهم أيضا يفرحون ويزغردون إذا أصاب السلطان مكروه، أو حلت النكبةُ بأهله وذويه، وهم أيضا يفرحون بنكبة أعداء السلطان، فهم يشمتون في الفريقين.إذن ما عليك أيها المجهول الهوية إلا أن تنضم لأعداء السلطان، فإنك حينئذٍ تنجو من مطاردته، فعندما تفرزك أنوف كلاب السلطان، وعيون صقوره، وتضعك في خانة الأعداء، فالأمر يصبح جدُّ بسيط ، لأن السلطان يعرف بالتمام والكمال خطة الأعداء، ويعلم عددهم وعتادهم وعدتهم وموعد تنفيذ خطتهم، فيصبح التخلص منك ومن أمثالك سهلا ميسورا !أما رأيتَ بأن وجودك في خانة أعداء السلطان أفضل للسلطان، من أن تكون مجهول الهوية محايدا ؟!أما إذا أصررتَ على البقاء عقبة وسط طريق السلطان،بأن تظلَّ مجهولَ الهوية شوكةٌ في حلق السلطان وحاشيته، فنصيحتي الأخيرة لك وردتْ  على لسان زوجة النبي أيوب عندما يئست من صبره على الآلام فقالت له بيأس:" بارك الله ومُــــتْ "ملاحظة  السلطنة التي أقصدها في هذه السلسلة دولة لا توجد إلا في خريطة الوطن العربي


الكاتب توفيق أبو شومر كاتب فلسطيني ومترجم .


 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الثلاثاء, 06 كانون1/ديسمبر 2011 22:48
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية