قبعة للثورة السورية مميز

  • نهلة الشهال - السفير
  • الأحد, 09 تشرين1/أكتوير 2011 18:33
  • نشر في دراسات
  • قراءة 1246 مرات

بداية، فلولا اسم برهان غليون، وهو مثقف معروف ويحظى بالاحترام، لاستمر طويلاً تهجئه سائر اسماء «المجلس الوطني السوري» الذي أعلن الأحد الفائت في اسطنبول، بما في ذلك اسم محمد رياض الشقفة الذي حل مكان علي صدر الدين البنايوني على رأس الاخوان المسلمين. ثم لقيل عن حق أن الوزن الفعلي للإخوان في سوريا منخفض جداً، وأنه ينبغي البحث عن تمثيل التيار الاسلامي من داخل الحالة السلفية، شديدة الفعل في الاحداث الجارية، والتي يُشك كثيراً بالمقابل في استعدادها لتوكيل الاخوان بالمهمة، للنفور القائم بين الجسمين.

 وأما السعي لإتقان ما يوحي بشمولية التمثيل في الامانة العامة لهذا المجلس، فيشبه حسابات البقالين: «ستة ممثلين للجان التنسيق المحلية، وخمسة للاخوان والعشائر، وأربعة عن اعلان دمشق، وأربعة عن التيار الليبرالي، وأربعة اكراد، ومسيحي، وخمسة مستقلين»، على ما قال حسن الهاشمي عضو المجلس الوطني. فلماذا يُدمج الاخوان بالعشائر، وما دلالات ذلك؟ وماذا يعني تمثيل «المسيحيين»، وهل هم، بصفتهم تلك، جسم متكون حتى يتم تمثيلهم بواحد، أم يُكتفى بأن هناك حزباً أشورياً له مندوب ضائع في مدينة أميركية، فيُدعى ليحتل المقعد؟ ويمكن لخبثاء أن يتساءلوا عن «إعلان دمشق» أيضاً الذي يعرف القيمون على هذا العمل أكثر من سواهم مبلغ فراغه من أي مضمون بسبب الانشقاقات المتتالية فيه، والمغادرات العلنية له، وكذلك الامر بما يخص «لجان إحياء المجتمع المدني». وإنما «هي اسماء سميتموها» على ما قال الكتاب الكريم. وبلغة حديثة، فلا بد من توفير «العنوان» بغض النظر عن انطلاقه من نقطة ثقل فعلية، لأن هذه ستفبرك له مع الأيام، بفضل استقبال خارجيات الدول العربية والاجنبية (خصوصاً) للمجلس كـ«ممثل شرعي ووحيد». ومجدداً، ولأن برهان غليون مثقف و«يعرف»، فهو تجنب هذه الصيغة، وتكلم عن المجلس كـ«العنوان الرئيس للثورة السورية، يمثلها في الداخل وفي الخارج». ولكن الحالة هنا، وكما يقول المغاربة، «كيف كيف»، أي الامر ذاته. وقد أضاف الرجل رداً على سؤال أن «أصعب مرحلة كانت الاتفاق على التشكيل، والاعتراف الدولي هو الاسهل». فالقوم في واشنطن وباريس ولندن ينتظرون على أحر من الجمر، الانتهاء من تلك الخطوة الشكلية للانتقال الى ما هو أكثر جدية.
ولأن قصر الذاكرة منتشر، فلا يرى المراقبون إلا استلهام المجلس السوري للتجربة الليبية، وقد نسوا «المؤتمر الوطني العراقي» العتيد، الذي يبقى حائزاً على الريادة في هذا المجال. وهو وفر للأميركيين والبريطانيين، على مدى يقرب من عقد ونيف ما كان يلزمهم كإطار عراقي «شرعي» وكغطاء لكافة تحركاتهم العقابية ثم العسكرية، وعاد رموزه الى بغداد على ظهور الدبابات الاميركية. ثم تولت قوانين الاجتماع والتاريخ إعادة كل واحد منهم الى نصابه، بدءاً من اختفاء مَن كان أبرزهم في ذلك الحين، أو محتلاً صدارة الكلام والتحرك، السيد أحمد الشلبي (حقاً أين هو الرجل الآن؟)، وانتهاء بأياد علاوي الذي استمر في محاولاته ثم يئس ويقول أنه اعتكف، وبينهما الحزب الشيوعي العراقي الذي نال وزيراً ثم لا شيء، وراح اليوم يعض اصابعه ندماً على فعلته الشنيعة تلك. بينما عزز الاكراد مكانتهم، وهم في الأصل، وفي ظل صدام، كانوا يمتلكونها. وتقاتَل بشراسة ممثلو التيارات الشيعية فيما بينهم، حتى تحققت الغلبة لواحدهم وفق اعتبارات لا علاقة لها بالهندسة الأصلية للإطار.
وبالطبع، فمن الظلم مقارنة المجلس الوليد بالمؤتمر العتيد. فالأخير كان يمتلك وزناً فعلياً وأصلياً كبيراً، ولم يكن مجرد عنوان تلح الحاجة لتوفيره تسهيلاً لانطلاق سائر المحطات. وتلك مرسومة سلفاً، وقد تحتمل التعديل في التفاصيل والاخراج والتأقلم مع الضرورات. وهنا يأتي مكان المقارنة مع ليبيا. فثمة لدى هذه الاخيرة سيناريو يفترض به أنه كان ناجحاً. ولكن يجري تناسي مبلغ جدته. إن جبل الكوارث الناجمة عن التدخل الاطلسي في ليبيا لم يطرح بعد كل قيئه.
الجدة تتيح لغليون الاستمرار في التمييز بين «التدخل» و«الحماية». يقول البيان الرسمي إنه «استجابة لنداء الثورة، يطالب المجلس الوطني المنظمات والهيئات الدولية المعنية بتحمل مسؤولياتها تجاه الشعب السوري والعمل على حمايته من الحرب المعلنة عليه ووقف الجرائم والانتهاكات لحقوق الانسان التي يرتكبها النظام بجميع الوسائل المشروعة عبر تفعيل المواد القانونية في القانون الدولي». ثم يأتي التوضيح: «نطالب بتطبيق شرعة الامم المتحدة، خاصة البند المتعلق بحماية المدنيين الذي ينطبق على جميع الدول ولا يعد خرقاً لسيادة الدول، لأن قوانين حقوق الانسان فوق سيادات الدول».ولكن بعض اعضاء المجلس أقل دبلوماسية من الدكتور، فيوضح المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا احمد رياض الشقفة، في مقابلة مع قناة الجزيرة، أن «الشعب السوري، ونحن، نرفض اي تدخل عسكري اجنبي على الارض السورية. لكن اذا استمر النظام في قتل شعبه، هناك وسائل كثيرة لردعه مثل حظر الطيران». ويضيف: «وإذا تواصل قصف النظام بالمدفعية والدبابات يمكن ان يتدخل الطيران لإسكات مصادر هذا القصف»! سيناريو لم تمض على مشاهدته بعد سوى بضعة أسابيع! بل يتولى سمير النشار، رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق، التوضيح بفجاجة أكثر: «نطلب من الامم المتحدة والقوى الدولية اتخاذ جميع الإجراءات التي تراها مناسبة لوقف عملية القتل…سواء كان ذلك بشكل مالي او حتى عسكري اذا تطلب الامر». ويحاول الدكتور غليون ترميم المشهد، فيشترط على أميركا أن تتبع توجيهاته: «أي تدخل سيحصل، مهما كان نوعه وشكله، ينبغي ان يكون بالاتفاق مع المجلس الوطني الذي يمثل الشعب السوري، ويكون بالتعاون مع القوى الدولية، ولا نقبل اي تدخل خارج اطار الاتفاق مع المجلس الوطني». ها قد اطمأنت قلوبنا!
ذاك هو إذا مشروع المجلس. ولكن ليبيا بلد مقفِر، وميزته أنه لصيق بأوروبا. كما، ولأسباب أخرى متعددة، فمن الصعب جداً افتراض إمكان نقل التجربة التي طبقت عليه الى سوريا. فهذه الاخيرة عقدة استراتيجية بالغة الأهمية والحساسية، ويمتلك نظامها أدوات فعالة بعيدة تماماً عن كاريكاتورية ما بناه العقيد. حسناً، فلنعد إذا الى المقارنة بالعراق. وأول عناصرها هنا أن تركيا تسعى في سوريا لاستنساخ الموقع الإيراني كما أتيح له أن يكون في بلاد الرافدين، مستبدلة الشيعة بالسنة، وإن بشكل مضمَر. وهذه نقطة جوهرية، إذ يوجد قبول بل طلب على العرض التركي، في سوريا كما في أجزاء كثيرة من المنطقة العربية، يستند الى الافتقار الى مرجعية عربية فاعلة، والى رسوخ الحاجة لتحقيق توازن بين القوتين الاقليميتين، ما يتيح استطراداً الاستقواء المذهبي بهما حسب الوضع. ولكن ذلك إن صح إقليمياً، فهو يفتقد لبعدٍ توفَّر في الحالة العراقية في لحظة تاريخية استثنائية، مع انهيار المعسكر الاشتراكي، حين سادت في واشنطن ايديولوجيا «نهاية التاريخ»، وظن الرئيس بوش وتياره أن زمن الغزو قد حان: غزو العالم اقتصادياً عبر تفعيل منفلت من عقاله لنيوليبرالية نهَّابة، وغزوه عسكرياً عبر الحرب الدائمة والشاملة، بل والاستباقية، على «الارهاب». ويوجد أسباب كثيرة للشك بأن «حماية المدنيين» يمكنها أن تحل محل تلك الايديولوجيا التي بدت حينها ليست متكاملة مترابطة وشرسة فحسب، بل مطابقة لروح تلك اللحظة. اين نحن من ذلك؟
ولأن النظام السوري يعلم هذا، كما بحكم طبيعته، فهو يغرف من أدوات/ميادين هي أمضى ما يتوفر بين يديه. فعبر القمع المتمادي وفظاعاته، يدفع النظام بالانتفاضة الشعبية الجارية الى التسلح والى التطيّف. وهي حينها ستقف على أرض تعرفها السلطة القائمة وتتحكم بدينامياتها. وتلك حلقة مفرغة. فانزلاق الانتفاضة الى التسلح والتطيف يتيح للسلطة ارتكاب أشنع المجازر: يبرر السلاح ذلك، ويتيح التطيف استنفار العصبية المقابلة على قاعدة «يا قاتل يا مقتول».
ويتركز النقاش المجدي لاستراتيجيات أي معارضة فعالة حول وسائل جبه هذه الدورة، وليس حول مبادئ الامم المتحدة وكيفية تفعيلها، ولا حول الارتكاز الى التدخل الخارجي وكيفية ضبطه الموهوم. والمهمة في غاية الصعوبة، وإنما لا بد منها ولا بديل عنها لإحداث التغيير السياسي في سوريا، والخروج في آن واحد بالبلد موحداً وسليماً. وقبل هذه وتلك، تدارك ويلات ما يلوح في الافق، أي الحرب الاهلية، وإن منخفضة الوتيرة.


نهلة الشهال ـ جريدة السفير 


قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية