أميركـا والشـرق العـربـي.. تـريـد القلـب ميتـاً مميز

  • د.احمد برقاوي
  • الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2011 01:41
  • نشر في اقتصاد العالم
  • قراءة 2474 مرات
ما هي أميركا؟ أميركا إمبراطورية ذات قوة عالمية وذات عقل إمبراطوري يتعامل مع كل العالم بوصفه حدوده الجغرافية ـ السياسية.وبنية العقل الإمبراطوري هو وحدة القوة والنـزعة نحو الهيمنة والسيطرة عبر كل وسائل القوة. وأمـــيركا هي النمـــوذج الأمثلي الآن أو شبه الوحيد للعقل الإمبراطوري.وإذا كانت المصلحة ـ مصلحة الإمبراطورية الأميركية، تفسر نزوعها نحو السيطرة، فإن هذا المفهوم وحده لا يكفي لتفسير سلوك الولايات المتحدة الأميركية، إذ يجـــب أن نضيف منطق السلوك الإمبراطوري. فالولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحـــيدة في التاريخ البشري التي لم تخض أي حـــرب على حدودها، وهي الدولة الوحيدة في التاريـــخ البشري التي لم يعتد أحدٌ على حدودها، فكل حروبها قد خيضت خارج حدودها.


وإذا كان الصراع الأيديولوجي بين الإمبراطوريتين السوفياتية من جهة والأميركية من جهة ثانية قد حمل الإمبراطوريتين على اقتــسام العـــالم وإدارة الصراع خـــارج حـــــدودهما، فإن زوال الإمبراطورية الحمراء ومعها زوال الصـــراع الأيـــديولوجي، لم ينــه نزوع الولايات المتــحدة الدائم نحو السيــطرة على العالم.
فهذا العقل الإمبراطوري المسلح بالقوة وبعماء القوة، يفعل فعله الآن على امتداد العالم مدعوماً بقوى ثانوية ـ بالقياس إليه ـ لكنها فاعلة.
فالـــيابان وأوربا مجتمعة وكنـــدا واستراليا كواكب سيارة حول النجم الأميــركي.
وحتى تظهر قوة موازية ذات عقل إمبراطوري وقوة جبارة فإن الولايات المتحدة الأميركية ستبقى القوة الأكثر فاعلية أو القوة المتفردة في محاولة تشكيل العالم. وإذا كان البعض يراهن على- الصين وروسيا وهما الدولتان المتصفتان بعقل إمبراطوري ـ فإن الزمن ما زال مبكراً للوصول إلــى هذه المرحلة.
إن هذا التحديد لأميركا وكواكبها السيارة حولها أمر في غاية الأهمية للتعامل مع السياسة الأميركية. ولا سيما حين نضيف أن إحدى أهداف السياسات الأميركية الدائمة في العالم أجمع ـ باستثناء الكواكب السيارة حولها ـ إيجاد أنظمة سياسية موالية لها موالاة الأدوات الضرورية لقهر الشعوب النازعة نحو التحرر والحرية. وهنا يدخل الوطن العربي ضمن هذه السياسة، باستثناء الكيان العنصري الصهيوني الذي يشكل ثكنة عسكرية أميركية داخل جسم الشرق العربي.
وإذا كان العالم ساحة فعل الولايات المتحدة الأميركية فإن الوطن العربي أهم الساحات على الإطلاق. ومن الغرابة أنها أكثر الساحات العالمية التي نجحت فيها الولايات المتحدة الأميركية نجاحاً باهراً.
نحن الآن أمام سؤالين مهمين: ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية من الوطن العربي؟ لماذا نجحت الولايات المتحدة نجاحاً باهراً في هذه المنطقة قد يبدو السؤال الأول مبتذلاًَ أو ساذجاً أو الأمرين معاً. سيقال النفط والثروة والسوق والكيان العنصري الصهيوني. وهذا صحيح. ولكني اعتقد أن السبب أعمق من هذا بكثير.
فمنذ ظهور المسألة الشرقية، وطرح تركة الرجل المريض، قرر الغرب أن يلغي من التاريخ أية إمبراطورية تقوم شرق المتـــوسط ـ بلغة معاصرة: قرر الغرب القضاء على الأمة الدولة العربية في الذهن وفي الواقع.
فالمكانة التاريخية لهذه المنطقة ـ التي هي قلب العالم ـ لا توازنها منطقة أخرى. لا سيما أن العرب من الأقوام التي تحافظ على وعي إمبراطوري وبالتالي: إن فكرة التقسيم والاستعمار والانتداب والحفـــاظ على التقسيم والأشكال المتعددة للاستعمار والانتداب سياسة أوروبية أميركية لا تتغير إطلاقاً.
ببساطة يجب أن لا يشكل العرب مرة أخرى قوة ذات شأن في التاريخ العالمي. ولا يمكن فهم زرع الكيان العنصري – النازي الصهيوني في قلب الوطن العربي إلا تأسيساً على ما سبق.
والناظر إلى السياسة الأميركية منذ تحولها إلى قوة عالمية مسيطرة يدرك أن هذا الهاجس ـ هاجس التحكم بمصير العرب والحيلولة دون انتقالهم إلى حالة الفعل الحر هو الهاجس الأساس للسياسة الأميركية.
وبهذا المعنى فإن أميركا واجهت وستواجه أية حركات عربية راديكالية تطرح إعادة المكانة للعرب بأي شكل من الأشكال. ولهذا فهي ضد الإسلام ـ المشروع، ومع الإسلام الخانع، ضد الديموقراطية العربية ومع أنظمة الاستبداد، ضد التقدم العربي الحقيقي، ومع الأشكال الخارجية للتقدم، ضد الحركة القومية العربية بأية صورة من الصور ومع النزعات المحلية الضيقة.
تدرك الولايات المتحدة الأميركية أن مناطق الوطن العــــربي ليست واحـــدة وبالــتالي سياساتها تجاه هذه المناطق ليست واحدة.
فهناك أولاً العواصم المـــراكز: القاهرة، دمشق، بغداد، هذه عواصم إمبراطورية عربية.
دمشق الأموية بغداد العباسية القاهرة الفاطمية. ورثت هذه العواصم فكرة الدور العربي . فهي لا ترضى بدور محلي. فرغم التجزئة السياسية فإن هذه العواصم أنتجت الإيديولوجيا القومية والإيديولوجيات الإسلامية. وهي إيديولوجيات عابرة للحدود العربية الوليدة. وينظر إلى كل حاكم من حكام هذه العواصم إلى نفسه على أنه حاكم عربي ـ حاكم أمة.
فمصر عبد الناصر وعت ذاتها على إنها المركز الأهم للأمة العربية، وعبد الناصر هو القائد الأهم للعرب. ولهذا فإذا أردنا أن نعرف المرحلة الناصرية لقلنا إنها مركزية القاهرة العربية.
لم تترك مصر الناصرية أية مشكلة من مشكلات العرب إلا وكانت اللاعب الأساس فيها: مشكلة فلسطين، استعمار الجزائر، ثورة اليمن، مشكلة الكويت أيام عبد الكريم قاسم، الحرب الأهلية اللبنانية عام 58. القاهرة الناصرية، قاهرة المشروع العربي، حملها على خوض حروب ضد النزعة الاستعمارية الأوربية ـ الأميركية، ولهذا كانت «إسرائيل» وما زالت ترى الخطر الأكبر عليها من مصر.
بموت عبد الناصر وبتوقيع كامب ديفيد وباعتلاء مبارك السلطة نجحت الولايات المتحدة الأميركية بالقضاء على القاهرة ـ الدور ـ المركز. ولم تشهد القاهرة منذ نشأتها وحتى يومنا هذا انحساراً لدورها كما هي الحال في انحسار دورها فترة حكم مبارك الذي جعل مصر بلداً تابعاً للسياسة الأميركية بشكل مطلق.
لقد وضعت الثورة المصرية الوليدة الآن الولايات المتحدة أمام مشكلة حقيقية وسؤال مهم: كيف السبيل للحيلولة دون استعادة مصر دورها المركزي في الوطن العربي؟ كيف السبيل لاتقاء شر القاهرة ـ العاصمة ـ المركز؟ كيف السبيل لإبقاء مصر تابعة للولايات المتحدة الأميركية؟
تبحث للولايات المتحدة الأميركية الآن على حلفاء لها في الحياة السياسية المصرية، فهي وقد ـ أوقعها الشعب المصري في حال العجز عن الدفاع عن مبارك، وحملها لتأييد ثورة مصر تأييداً لفظياً – تسعى الآن لإيجاد موقع قدم لها في قلب العملية الديموقراطية المصرية، من هنا نفهم المساعدات السعودية لمصر بأمرٍ من الولايات المتحدة؟
فمن الوهم المطلق الاعتقاد بأن أميركا تريد مصر دولة ديموقراطية متقدمة صاحبة دور في الوطن العربي.
دمشق هي الأخرى لا ترضى بدور محلي، دمشق منبع الفكرة القومية التي حكمت العراق وسوريا وانتشرت في كل أقطار الوطن العربي. وقامت باسمها انقلابات ناجحة وفاشلة. ولهذا كانت سوريا في حدودها التي رسمها الاستعماران الفـــرنسي والبريــطاني موضوع ترتيب وتدخل أوروبي ثم أميركي.
فدمشق المركز لم تقتنع ـ شعباً وحكومات متعاقبة – بالحدود الحالية وبخاصة حدود بلاد الشام، هذا الأمر جعل كل ما استقل من بلاد الشام بوعي السوري انفصالاً عن الجسد السوري. ولهذا ظلت دمشق معضلة أميركية مختلفة من سهولة الهيمنة على فلسطين المحتلة إسرائيلياً والأردن.
بل إن لبنان ما صار مشكلة، إلا بسبب العلاقة التي تراها بسوريا مع لبنان، وما يجب أن تكون عليها. لكن هذه المعضلة التي اسمها سوريا كانت تنوس دائماً بين علاقة جيدة مع أميركا منذ 1970 إلى علاقة اقل جودة من علاقة سيئة إلى علاقة اقل سوءاً، ولم تصل في أي لحظة من اللحظات إلى مرحلة كسر العظم. أما الآن فإن الحراك العربي الذي راح ينذر بتغيرات كيفية وصلت إلى المركز الشامي دفع أميركا للبحث عن مكان داخل هذا الحراك وفق أجندتها الخاصة جداً.
فإذا كانت المعارضة السورية تسعى لنقل سوريا إلى دولة ديموقراطية مدنية وإنهاء حكم الحزب الواحد، فإن أميركا تريد أولاً سلطة جديدة تابعة أو شبه تابعة تلتزم بحدودها السياسية من دون أن تنظر إلى دور ما تقوم به في محيطها الشامي ـ العراقي بشكل خاص، سلطة تفك ارتباطها بإيران وحزب الله. فأميركا آخر ما يهمها مصير الشعب السوري أو مصير أي شعب، من شعوب المنطقة العربية. وبالتالي أن من يشتط لتوسل الخلاص من الاستقواء بأميركا يجب أن يفهم أن لأميركا موالها الخاص جداً بها.
والمتأمل بمصير المركز الثالث بغداد يدرك من فوره أن أميركا قد أحست بالخطر العراقي العسكري – التقني المدعوم بأيدولوجيا قومية ورجل ديكتاتور يريد أن يلعب لحساب العراق، وحقل لعبة أوسع من حقل لعب المركز الشامي.
لقد كان اصطياد المعارضة العراقية وبخاصة الشيعية والكردية عملية أميركية سهلة، وخاصة بعد أن اصطادت أميركا صدام حسين حين وضعت الكويت طعماً في الصنارة لاصطياد هذا القرش الواقع على الخليج.
كان دخول صدام الكويت الفرصة الذهبية لأميركا للانقضاض على المركز البغدادي، ولأول مرة تظهر الحياة أن العرب جميعاً قد وقفوا إلى جانب أميركا أو حملوا على الوقوف معها. فأمنت أميركا الغطاء العربي لتحطـيم الــــعراق. كانت أميركا تخاف شيئاً واحداً فقــــط ألا وهو خروج صدام من الكويـــت قـــبل أن تكتمل العدة لضربه، ولهـــذا قـــدمت خطاباً لا يستطيع أن يتحمله المستبد أبداً.
وحين انتفض جزء كبير من الشعب العراقي ضد نظام الحكم بعد حرب أميركا الأولى وكان يمكن أن تمتد هذه الثورة إلى عموم العراق، سمحت لصدام باستخدام الطيران لقمعها. لأنها ثورة شعبية خارج الحسابات الأميركية. وعندما اكتملت المعارضة العراقية التابعة لأميركا شنت أميركا الحرب وجاءت بعملائها إلى الحكم وأرست قواعد اللعبة الطائفية والعرقية التي هددت وتهــــدد وحدة العراق. وانتهت أميركا من مركز بغداد الخطير.
أما دول التعاون الخليجي التي تشكل بالنسبة لأميركا آبار النفط وموقعاً استراتيجياً فإنها لم تجد أية صعوبة في السيطرة المطلقة على سياسات ملوك وأمراء ومشايخ هذه المنطقة. فالبنية القبلية ـ الرعوية لحكام هذه المنطقة استمرت حتى بعد ظهور النفط.
فالذهنية الرعوية هي ذاتها الذهنية النفطية الريعية بالنسبة لحكام الخليج. فتحولت حدود المراعي والصيد إلى حدود آبار النفط. والحماية التي كانت منذ نهاية القرن التاسع عشر من قبل أوروبا ظلت هي الحماية الآن في القرن الحادي والعشرين ولكن هذه المرة من قبل أميركا.
ولهذا فإن الولايات المتحدة لن تجد إلى فترة طويلة أي طموح لدى هذه البلدان للقيام بأي دور خارج الدور الذي ترسمه لها الولايات المتحدة الأميركية . فالهاجس الأساس لدى دول الخليج والسعودية استمرار الحكم والاستمتاع بريع النفط فقط. فضلاً عن ذلك فإن دويلات النفط هي حصالة نقود لأميركا. إن فرض شراء صفقات السلاح الأميركي كافٍ لفهم العلاقة الأميركية الخليجية، ومليارات الدولارات المودعة بالبنوك الأوروبيــة والأميركية معلم من معالم الفعلية للرعوية ـ النفطية.
ولهذا فالخليج العربي والسعودية خط أحمر بالنسبة لأميركا. أما بقية الوطن العربي، السودان ودول المغرب، من ليبيا إلى موريتانيا، فأمرها سهل جداً، وها هو ملف شمال الأطلسي المتخفي وراء مساعدة الشعب الليبي في طريقه لحــسم المعركة مع القذافي.
المشكلة في انظمة الحكم العربية أنها تمهد الطريق لأميركا للدخول، وكما قلنا أيام غزو العراق فإن الطغاة يعيبون الطريق لإقدام الغزاة. وتجب الإشارة إلى أنه في كل ما تقوم به أميركا من سياسات في الشرق العربي تكون عينها على إسرائيل ومصير إسرائيل. فإسرائيل يجب أن تبقى في قلب الوطن العربي ثكنة عسكرية أميركية متقدمة ـ على رأي الياس شوفاني – ومنيعة وقوية ومزدهرة. وعلى جميع العرب أن يعترفوا بهذا الكيان سراً أو علانية.
ولهذا فإن أحد الاختبارات الأساسية الذي تجريه الولايات المتحدة لأنظمة الحكم في الوطن العربي هو اختبار الموقف من الكيان العنصري، وعلى ضوء القبول به والرفض له تعطي العلامة النهائية له.
ولهذا نال حزب الله علامة الصفر من الممتحن الأميركي، فيما جميع الحكومات العربية قد نالت علامة النجاح. طبعاً هناك فرق بين من نال العلامة التامة وبين من نال علامة جيدة أو متوسطة.
ولهذا فإن أي حراك عربي لتجاوز الواقع الراهن يجب أن يضع نصب عينه التحرر من الهيمنة الأميركية ويحذر حذراً شديداً من تلويث دماء الشهداء.
طبعاً ليس الخيار: أما النظام السياسي الحاكم الآن، وأما أميركا. لا هذا ولا ذاك. بل نظام ديموقراطي سيادي لا يفكر إلا بالمصلحة الوطنية وفق رؤية استراتيجية لانجاز التقدم التاريخي وإذاً هو بالضرورة مناهض لإسرائيل وأميركا. مناهض لأميركا لا لأنها أميركا، بل لأن سياستها ومصالحها تقوم على تأبيد الواقع العربي الراهن وتشكيله الدائم وفق درء الخطر العربي الممكن.
فقــلب العالم يجب ـ وفـق الرؤية الأميركية ـ أن يظل ميتاً أو في أحسن الأحوال عليلاً.

عن السفير 


قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية