عندما يكرم غوراتشوف !!! مميز

  • حال البلد
  • الأربعاء, 04 تموز/يوليو 2012 22:17
  • نشر في اقتصاد العالم
  • قراءة 2215 مرات
ليس من قبيل التكريم البريء أن يكون ميخائيل غورباتشوف أول شخصية دولية تحصل على جائزة أنشأتها مؤسسة كارل فريدريش فون فايتسكر الألمانية. من الدارج أن تُمنح الجوائز لأشخاص بنوا وأنجزوا وليس لأشخاص هدموا وفكّكوا، رغم علمنا أن معظم الجوائز، وبخاصة الكبرى منها، مسيّسة ويستثنى منها أشخاص معادون للإمبريالية حتى لو عانقت إبداعاتهم عنان السماء.


بنظر الغرب ومؤسسي جوائزه، يستحق الجائزة كل من يعزف على وتر الديمقراطية والحريات ويعادي حكومته المناهضة للغرب وسياساته. مثلاً، لا يمكن أن يحصل على جائزة كبرى شخص يناهض الاحتلال في فلسطين، لأنه سيكون متهماً باللاسامية ونشر الكراهية وربما يتهم بتشجيع الإرهاب. بنظر الغرب ومؤسسي جوائزه، يجب أن يتنازل السياسي أو المبدع الفلسطيني عن ثوابته الوطنية ويروّج للسلام على الطريقة الأمريكية و"الإسرائيلية"، لكي يستحق جائزة كبرى. كما أن كل مثقّف يبيع نفسه للغرب على حساب بلده وسمعتها سيكون أحد المرشحين للتتويج بالجائزة.

وبالعودة إلى الجائزة الألمانية الجديدة، لأن الرجل الذي تحمل الجائزة اسمه كان عالماً نووياً ألمانياً فطن بعد تقاعده من العمل في المجال النووي أن يعمل من أجل السلام، فما هو الإنجاز المناهض للسلاح النووي الذي حققه غورباتشوف الذي حصل قبل ذلك على جائزة نوبل العام 1990، أي في العام ذاته الذي شهد انهيار الاتحاد السوفييتي؟

إذا عدنا إلى الفترة التي أمضاها غورباتشوف في قيادة بلاده العظمى قبل تفكيكها، فإننا لن نجد في تلك الفترة ما يخدم السلام الحقيقي المستند إلى المبادئ والأخلاق النابذة لمنطق الحرب وسفك الدماء، وإنهاء السياسات الاقتصادية القائمة على غزو الشعوب وتدميرها ونهب خيراتها باسم السلام ومكافحة الإرهاب أو نشر الديمقراطية.

وحين نستعرض الفترة التي تلت سقوط الإمبراطورية السوفييتية، فلن نجد فيها سوى المشكلات في كل مكان، بل حتى حلف "الناتو" الذي تأسس بذريعة، وفي مواجهة حلف "وارسو" الشرقي، لم يحله الغرب بعدما تم حل الأخير، إنما سمّنه بضم الجمهوريات التي تساقطت عن الشجرة السوفييتية، وما زال الغرب يسعى إلى توسيعه شرقاً مترافقاً مع مخطط نشر الدرع الصاروخية التي تستفز روسيا إلى درجة أنها تهدد بإجراءات تصعيدية، مثل نشر صواريخ "إسكندر" واستئناف تحليق الطائرات الروسية فوق الأطلسي. سنجد أيضاً قوائم مليونية للضحايا الذين سقطوا في الحروب الغربية من قتلى وجرحى ومشردين في غير مكان من العالم. لم ينجم عن سياسة غورباتشوف أي إنجاز مرتبط بالسلام ولا الديمقراطية التي لا يعترف الغرب بوجودها في أي دولة إلا إذا ترافقت مع التبعية له. لذلك رأينا الغرب يعد بوريس يلتسين الذي قصف البرلمان بالدبابات ديمقراطياً، فيما يصف بوتين الذي استعاد النديّة مع أمريكا والغرب، بأنه قيصر روسيا الجديد.

إذا ارتبط اسم غورباتشوف بشيء فبعملين: الأول مساهمته في تفكيك الاتحاد السوفييتي وأكبر حزب في التاريخ، من خلال نظريته المسماة "البريسترويكا" أي إعادة البناء التي أفضت إلى هدم نظام التوازن الدولي، والثاني تسليمه الولايات المتحدة قيادة العالم الذي تحوّل تحت هذه القيادة إلى ساحات مشتعلة بالحروب والانقلابات والمؤامرات والفوضى.

عندما يرتبط اسم شخص بهذه الثلاثية، فإن جائزة تبلغ قيمتها عشرة آلاف يورو لا يمكنها أن تضيف إلى رصيده شيئاً يزيد عما تقاضاه عن مشاركته في الإعلان التجاري عن البيتزا. ولن تساوي هذه القيمة للجائزة الثمن الرمزي لتسلّمه الجائزة في برلين، ليقول له الألمان إنه في هذا المكان رفع الجيش الأحمر ذات يوم من العام 1945 علم البلاد المنتصرة على النازية في الحرب العالمية الثانية، وسنرى لاحقاً من يستحق جائزة نظير تفكيك بلده.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية