البابا يواجه شكوكا بأنه ماركسي ؟!!!

جعلت انتقادت البابا فرانسيس لاقتصادات السوق الحرة منه رمزا لليسار وأثارت مزاعم بأنه شيوعي.

ووصف البابا، رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها 1.2 مليار شخص، الرأسمالية بأنها مصدر لعدم المساواة على أفضل تقدير، وقاتلة في أسوأ الأحوال. فهل البابا، كما يزعم منتقدوه، متشددا للغاية؟

في طريق عودته بعد حضور الاحتفال بذكرى النصر في الحرب العالمية الثانية في روسيا الشهر الماضي، زار الرئيس الكوبي، راؤول كاسترو، روما ليعرب عن شكره للبابا فرانسيس والدور الذي ينهض به لإصلاح العلاقات الكوبية مع الولايات المتحدة.

وقال كاسترو \"إذا واصل البابا طريقه، سأعود لأصلي وسأعود إلى الكنيسة – أنا لا أمزح.\"

ومن المقرر أن يزور البابا كوبا في سبتمبر/ أيلول المقبل في طريقه إلى الولايات المتحدة. وقد تكون زيارته الأمريكية هي أصعب الزيارات الخارجية منذ اعتلاء كرسي الباباوية.

ليس من المرجح أن يكون تأييد راؤول كاسترو محبذا لدى اليمين الأمريكي، فالكثير منهم أبدوا ردود فعل غاضبة جدا تجاه المبادرة الكوبية للرئيس الأمريكي باراك أوباما.

ويقول ستيفن مور، كبير الاقتصاديين لدى مؤسسة \"هيرتيدج\" وهي مركز أبحاث في واشنطن إن \"هناك الكثير من التشكك بين الكاثوليك الأمريكيين.\"

وأضاف مور، وهو أيضا كاثوليكي، بالقول \"اعتقد أنه بابا يتمتع على نحو واضح بقدر من تعاليم الماركسية. مما لاشك فيه أن لديه انتقادات صريحة بشأن الرأسمالية والتجارة الحرة، وأرى ذلك مشكلة كبيرة.\"

وكان روش ليمبو، مقدم البرامج الإذاعية المحافظ، أكثر فظاظة. وانتقد الإرشاد الرسولي للبابا فرانسيس \"بشارة الأناجيل\" ووصفه بأنه \"ماركسية بحتة\".

وتبعد الولايات المتحدة عن الدول الغربية الأكثر مسيحية في العالم. وهناك نحو 80 مليون كاثوليكي أمريكي وهم الطائفة الدينية الأكبر في البلاد. وينظر الكثير منهم إلى البابا يوحنا بولس الثاني على أنه البابا البطل لأنه كان مثالا للمناضل الباسل أثناء الحرب الباردة، وذلك ما يضفي شعورا بالخيانة تجاه البابا فرانسيس. وعلى الرغم من شعبيته المرتفعة، لاسيما بين الديمقراطيين الكاثوليك، فسيكون وجوده استقطابيا، وسيكون سؤال \"هل البابا شيوعي؟\" من الأمور بالغة الأهمية.
تولى البابا يوحنا بولس الثاني والبابا فرانسيس منصبهما الباباوي وهما من منطقتين مختلفتين جدا. وقد أثر ذلك حتما في فكرهما عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل الاقتصاد والعدالة الاجتماعية.

عاش البابا يوحنا بولس الثاني معظم بداية حياته في ظل أنظمة شمولية: أولا في ظل الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم الحقبة الستالينية وهيمنة السوفيت على بولندا خلال الحرب الباردة. وعلمته تجربته عندما كان قسا وأسقفا أن الشيوعية عدو له.

وعلى النقيض، نشأ البابا فرانسيس، أو جورج بيرغوليو كما كان يطلق عليه، في ظل نظام حكم خوان بيرون، الزعيم الأرجنتيني المؤمن بالقومية.

ويقول أوستين إيفيريه، كاتب السيرة الذاتية للبابا فرانسيس، وهو شخصيا درس اللاهوت في الأرجنتين، إن الحقبة البيرونية سادت السياسة الأرجنتينية منذ ذلك الوقت، لكن من الصعب تحديدها بالمصطلحات السياسية التقليدية.

ويعتقد إيفيريه أن بيرغوليو الشاب تأثر بشدة بالأفكار البيرونية قائلا \"إنها ليست في الواقع أفكارا تنتمي إلى اليسار أو اليمين، لكنها خرجت من رحم نوع من الإحياء القومي في الأرجنتين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكانت ترتبط على نحو وثيق بالطبقة العاملة، لاسيما النقابات العمالية.\"
\"لاهوت التحرير\"

كما يختلف الاثنان، يوحنا وفرانسيس، من حيث فهمها للاهوت التحرير، وهي حركة محل جدل تقوم على أساس الاقتناع بأن الأناجيل توجب على الكنيسة منح الفقراء الأولوية، وهو ما شغل أذهان كاثوليك أمريكا اللاتينية وقسمهم في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

ويعتقد البابا يوحنا بولس الثاني أنها أغرت بعض القساوسة والأساقفة لاعتناق أيديولوجية شبه ماركسية تتسم بالعنف، وبوصفه البابا اتخذ إجراءات صارمة بشأن بعض لاهوتيي التحرير.
ورفض البابا فرانسيس، أو جورج بيرغوليو، الماركسية، على الرغم من ارتياحه لصداقته بكثير من الماركسيين. لكنه يوافق على الكثير من مبادئ لاهوت التحرير، ويتبنى ما يسميه أوستين إيفيريه بـ\"رؤية قومية\" للحركة، أو ما يطلق عليه \"لاهوت الشعب\".

وعلى الرغم من ذلك تعكس الكتابات الاقتصادية للبابا يوحنا بولس والبابا فرانسيس نفس التقليد العقلي، أي التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية. وظهر التعبير عن ذلك أولا في وثيقة بابوية عام 1891 تناول من خلالها البابا ليو الثامن ما يطلق عليه \"روح التغير الثوري\" التي اجتاحت أوروبا في ذلك الوقت.

وكان يهدف بعضها على نحو صريح إلى الطعن في الأفكار الشيوعية التي كانت جزءا من هذا التغيير، لكن في ذات الوقت كانت تنتقد الجوانب الرأسمالية. لذا فهو مزج غير مألوف لا يتفق مع الفروق بين اليسار واليمين التي سادت الساحة السياسية خلال القرن التالي لتلك الأحداث.
\"أعين الفقراء\"

درس موريس غالسمان، وهو اقتصادي بريطاني وأحد المقربين لإد ميليباند زعيم حزب العمال السابق ومحل ثقته، التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية لنيل درجة الدكتوراة. وجذبته طريقة رفض الأيديولوجيات التقليدية للفكر اليساري واليميني.

وقال \"إنها تعارض هذه الفكرة القائمة على أن هناك فقط إما دولة أو سوق. وتعتقد أنه في المجتمع النشط، وهو ما يسمى التضامن، يمكن مقاومة هيمنة الأغنياء على الفقراء، لكن من خلال النقابات العمالية والاتحادات المهنية وما يسمى بالتبعية، وهي فكرة لامركزية السلطة\"، مضيفا أن ذلك مناف للشيوعية لأنه \"يؤيد الملكية الخاصة\" و\"معارض للفكر الجمعي\".

ويتذكر غالسمان عندما تعرض لانتقادات من خبير اقتصاد أمريكي بعد أن قدم بحثا خلال مؤتمر الفاتيكان الأخير بشأن التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية وقال له \"أنت تعرف أن هناك كلمة واحدة تعني ما تقوله يا بارون، يا كبير الأساتذة، نعم يطلق على ذلك الشيوعية. أنت تسعى للتدخل في صلاحيات الإدارة، أنت تسعى إلى التدخل في رأس المال، وتسعى للتدخل في الأسعار. وقد سعى الاتحاد السوفيتي سابقا لذلك.\"
بدو تفسير البابا فرانسيس للتعاليم الاجتماعية الكاثيوليكية أكثر تشددا بالطبع من أسلافه. ففي الارجنتين يؤكد على أن قساوسته ينبغي لهم أن ينظروا إلى العالم بأعين الفقراء، من خلال العيش بينهم، وقد نقل هذا المفهوم معه إلى روما.

كما قال البابا فرانسيس إن البطالة هي \"نتاج اختيار عالمي، لنظام اقتصادي أدى إلى هذه المأساة، نظام اقتصادي يضع في بؤرته إلها مزيفا، هو المال.\"

ويعتقد فيليب بوث، وهو خبير اقتصادي كاثوليكي يعمل في معهد الشؤون الاقتصادية، وهو مركز أبحاث في الاقتصاد الحر ومقره لندن، أن آراء البابا فرانسيس قريبة من آراء الكاتب الصحفي في صحيفة غورديان، بولي تونيبي، والخبير الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، الذي تصدر كتابه عن عدم المساواة المبيعات العالمية العام الماضي.

ويصف بوث تصريحات البابا فرانسيس بأنها \"خطيرة\" لأنها قد \"تقوضنا إلى سياسة سيئة\".

والإجابة عن السؤال المطروح في صدر هذ المقال هي \"لا\". وهناك الكثير الذي يعجب به اليساريون في البابا، وهناك الكثير الذي يأخذه اليمينيون عليه لكنه ليس شيوعيا.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
حال البلد

مساهمة في التنوير وتأصيل العقلانية، نرحب بمساهماتكم

الموقع : www.halalbalad.com

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية