كيف ستستغلّ إيران خبرتها في قمع الاحتجاجات خلال 2018؟

  • جورج عيسى
  • السبت, 06 كانون2/يناير 2018 06:38
  • نشر في أخبار العالم
  • قراءة 308 مرات

قد تبدو المظاهرات الإيرانيّة التي انطلقت الخميس الماضي مفاجئة من ناحية التوقيت، إذ لم تسبقها مؤشّرات ملموسة تشي بقيام تحرّكات احتجاجيّة كهذه، على غرار ما حدث سنة 2009. من جهة ثانية، يشكّل احتكار النظام للإعلام في إيران ورقابته المشدّدة على طبيعة عمل المراسلين الأجانب داخل حدوده، سبباً أساسيّاً في ضآلة المعلومات الواردة من هناك على مستويات متعدّدة. وهذا يؤدّي بطبيعة الحال إلى وجود صعوبة بالغة لدى المراقبين في توقّع حدوث الاضطرابات داخل إيران بغضّ النظر عن طبيعتها أو دوافعها.

لقد استطاع نظام الجمهوريّة الإسلاميّة هناك أن يخلق صورة عنه بأنّه نظام راسخ لأنّه مرتكز إلى هويّة مجتمعيّة واضحة. إلى جانب ذلك، تمكّن النظام نفسه من تكوين انطباع بقوّة رسوخه المؤسّساتيّ والأمنيّ. وفي كلتا الحالتين، هنالك نسبة معيّنة من الواقع في هذا المشهد. لكن مع ذلك، يظهر تاريخ النظام في طهران أنّه تعرّض على امتداد العقود الماضية لعدد من الهزّات السياسيّة بطريقة تثبت أنّه ليس محصّناً بالكامل أمام الاحتجاجات العنيفة. والأمر لا يرتبط حصراً بالأحداث الشهيرة التي وقعت سنة 2009 أو بما يجري اليوم. يرى عدد من المراقبين أنّه خلال الفترة القصيرة التي تلت الإطاحة بالشاه، لم يكن النظام الإيرانيّ قد تمكّن من تثبيت نفسه بشكل جذريّ خصوصاً أنّ الثورة لم تكن إسلاميّة بحتة في البداية، بل شاركت فيها أيضاً مجموعات مدنيّة ويساريّة كبيرة. ودخول الإسلاميّين في حرب ضروس ضدّ هذه المجموعات (وعلى رأسها حزب \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"تودة\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" الشيوعيّ) جعل الحكم هشّاً في المرحلة الأولى. لذلك، يمكن اعتبار الحرب العراقيّة الإيرانيّة نقطة تحوّل على صعيد إكساب الثورة الإسلاميّة دعماً شعبيّاً واضحاً لمواجهة نظام صدّام حسين في حرب استمرّت حوالي ثماني سنوات. بالرّغم من ذلك، لم تتمكّن الحرب مع العراق من طمس امتعاض شعبيّ ذي امتدادات وتوجّهات مختلفة تجاه إيران، بل استطاعت تأجيله إلى فترات لاحقة. فبعد حوالي عشر سنوات على انتهاء الحرب، كانت إيران على موعد مع احتجاج واسع في تمّوز سنة 1999 خاضه الطلّاب الإيرانيّون بشكل أساسيّ. في ذلك الحين، أغلقت السلطات الإيرانيّة صحيفة \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"سلام\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" المقرّبة من الإصلاحيّين، فتظاهر طلّاب الجامعات في طهران يوم التاسع من تمّوز الأمر الذي أدّى إلى اقتحام \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"الباسيج\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" لمجمّع سكنيّ جامعيّ. الاقتحام الذي أدّى إلى مقتل طالب وجرح المئات، أثار تظاهرات واسعة خلال الأيّام التالية. لكنّ الرئيس الإيرانيّ محمّد خاتمي تبرّأ من المظاهرات واصفاً إيّاها بأنّها \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"هجوم على أسس النظام\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\". وعلى الرّغم من امتداد المظاهرات إلى بعض المحافظات مثل تبريز ومشهد وأصفهان، إلّا أنّ السلطات الإيرانيّة كانت قد تمكّنت من إنهاء حركة الاحتجاجات في 14 تمّوز مع سقوط عدد من القتلى بين المحتجّين. بعد ذلك بسنوات، كانت السلطات الإيرانيّة على موعد مع مظاهرات أخرى، لكن هذه المرّة بسبب كرة القدم. ففي سنة 2001، خسرت إيران 3-1 أمام البحرين في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2002. وسرت عدّة شائعات مفادها أنّ السلطات الإيرانيّة هي التي أجبرت منتخبها الخاص على الخسارة، وقد تعزّزت بأداء سيّئ لم يعهده الفريق منذ فترة طويلة. لم يكن واضحاً السبب الأساسيّ الذي قد يدفع طهران إلى تعمّد الخسارة فقُدمت شائعات متعدّدة منها أنّ إيران تخشى التجمّعات الكبيرة حتى تلك التي تهدف إلى الاحتفال بالفوز ومنها أنّ إيران لا تريد الاختلاط بين الجنسين في هكذا مناسبات. كما تحدّث آخرون عن صفقة عقدتها طهران مع الرياض التي يتأهّل منتخبها في حال خسارة إيران، مقابل مضاعفة أعداد تأشيرات المرور التي تعطيها السعوديّة للحجّاج الإيرانيّين. المهمّ أنّ المتظاهرين نزلوا إلى الشوارع وبدأوا يحتفلون ويهتفون باسم المنتخب البحريني نكاية بالسلطات قبل أن يرفعوا شعارات مناهضة للنظام ويهاجموا حافلات وحوالي 32 مصرفاً إضافة إلى مؤسسات أخرى. فتصدّت لهم الشرطة بقوة ممّا أدّى إلى سقوط حوالي 50 جريحاً واعتقال ألف شخص. إنّ نظرة عامّة إلى النظام الإيرانيّ الذي أنشأته الثورة تظهر بنسبة معيّنة نمطاً ما في كيفيّة تواتر المظاهرات الكبيرة. مرّة كل عقد تقريباً: 1999 – 2009 – 2018. طبعاً يعجز النمط هذا عن تفسير العديد من الظواهر التي ترافق حركة الاحتجاجات، كما عن رسم إطار واضح للمظاهرات الحاليّة والمنحى الذي ستسلكه. لكنّه على الأقلّ، يوضح أنّ شريحة كبيرة من الإيرانيّين غير راضية على سلوك النظام بالحدّ الأدنى وربّما عن النظام نفسه بالحدّ الأقصى وهي تنتظر أيّ سبب سياسيّ (1999-2009) أو اقتصاديّ (2018) أو حتى كرويّ (2001) للتعبير عن غضبها. إنّ تكرار المظاهرات في إيران سيف ذو حدّين بالنسبة إلى نظامه. فهو يعني أنّ جمهوريّة ما بعد الثورة غير مستقرّة بما فيه الكفاية. لكنّه يعني أيضاً أنّ النظام اكتسب \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"خبرة\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" في التعاطي مع الحركات الاحتجاجيّة بطريقة تمكّنه من الخروج سالماً في مواجهتها. بناء على ذلك، سيبقى نظر المراقبين شاخصاً نحو كيفيّة تعامل إيران مع هذه المظاهرات خصوصاً أنّ السلطات تعلم اختلاف الزمنين السياسيّ والإعلاميّ بين الاحتجاجات السابقة والحاليّة. إنّ مقدار العنف المستخدم في عمليّات الاحتجاج السابقة أكبر من ذلك المستخدم اليوم، على الأقلّ بالنسبة إلى العنف \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"الممنهج\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" وبالنسبة إلى الأيّام الأولى للتحرّكات. فيما يبدو أنّ الضوء الأخضر لم يعطَ ل \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"الباسيج\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" حتى الآن للتحرّك. لكن حتى في حال تحرّك الأخير، يُستبعد أن يلجأ إلى القمع المفرط الذي استخدمه سنتي 1999 و2009 إلّا إذا أصبح النظام في خطر. يعتمد النظام الإيرانيّ على \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"النفس الطويل\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\" في تحقيق أهدافه. الحرب مع العراق، الصبر على العقوبات الدوليّة حتى مجيء رئيس أميركيّ \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"ليّن\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\"، النزاع في سوريا وغيرها، أحداث تشير إلى أنّ النظام يتجنّب العجلة، أكان في التحرّك أو حتى في التعبير عن أهدافه. وهذا ينطبق على طريقة مواجهته للمظاهرات. سنة 2009، لم يكسب النظام معركته ضدّ المحتجّين إلّا بعد حوالي ستّة أشهر على اندلاع المواجهات. وقد يعمد اليوم أيضاً إلى ضرب الحركة الاحتجاجيّة بمزيج متنوّع من ضبط النفس والقمع غير المفرط والموزّع على فترات طويلة بشكل لا يثير الرأي العام العالميّ وخصوصاً الأوروبّيّ. لكن مع ذلك، لا ترتبط سيرورة الأحداث برغبة السلطات الإيرانيّة فقط. تكتيكات المتظاهرين قد يكون لها هي الأخرى أثر بارز في تحديد حجم ومدى وقدرة النظام على التمتّع باليد الطولى في الأسابيع والأشهر المقبلة.


نشر المقال غلى موقع ليبانيز كورا مطلع العام، الصورة من وكالة الصحافة الألمانية.

 

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2018 09:25
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية