الراحل عصام الخطيب مدرسة خاصة في الغناء السوري مميز

عندما تستمع إلى تسجيلات أغانيه لا بد لك من أن تسمع «تكة» زر التسجيل، وأن تسمع تلك «الخشة» الملازمة للتسجيل الحي على كاسيتات سانيو وسوني، «مباشر» كما يقال بلغة هذه الأيام، هذا الصوت الغريب والجميل تحول إلى لحظة انتباه دائمة في ذاوكر كثير من محبيه، و «السانيو» نفسها ببطارياتها المعلقة على هيكلها الخارجي ظلت ترافقه لسنوات طويلة، وظل يحن إليها وينفر من «السيديات» و«الديفيديات» وغيرها من التقنيات «البلا روح» كما كان يسميها. في الطريق إلى «جيبول» بلدته، كنا نستمع إلى «ليلى» تغرد في بقية السنديان المظل لبيته، وعلى يمين بيته بعد عدة شجيرات برتقال وجدناه هناك قرب ساقية شهدت ذات زمان أولى نغماته، هناك ينام اليوم «عصام الخطيب» في زي رخامي اختاره صديق إدلبي أبى إلا أن يهديه بيتاً يقيم به. هذا الرجل الكفيف البصر ولادةً أحب الحياة حباً جنونياً، كان عاشقاً دائم الاشتغال والترحال والنبض، رحل تاركاً وراءه إرثاً غنائياً تجاوز الـ«400» أغنية ولحن وقصيدة، وإلى هذه الشمولية الفنية تضاف أبعاد سياسية ونضالية فالرجل عمل مع المقاومة الفلسطينية في الثمانينيات. من هنا يصعب الفصل في سيرة الفنان عصام الخطيب (1950-2007) بين الشخصي والعام، كأننا إذاً أمام حالة أطلق عليها الرفاق اليساريون اسماً شهيراً هو «المثقف العضوي» ؟؟ يا جايي من مغرب في عام 1995 وعلى مدرج جامعة دمشق وبحضور أكثر من ألفي مستمع ألهب عصام الخطيب الحاضرين وهو يعزف على عوده ويدندن «يا سورية فيك الخير» في استعادة مشهدية مطابقة للفنان الراحل الشيخ إمام على المدرج نفسه قبل سنوات، يومها بدا أن الأغنية السياسية السورية، لها حضورها المؤثر في أجيال تلك المرحلة. تشعبت مسارات حياة الخطيب بين المدن، وبين الغناء والتلحين والعمل السياسي المقاوم، ابن عائلة الخطيب الكبيرة والمتشعبة بين «جيبول» حيث ولد، و«القطيلبية» قرية عائلته، و«دمشق» و«اللاذقية» والمهجر، وذات السمعة المعروفة على مستوى المنطقة كإحدى المرجعيات الدينية والفكرية، فوالده المرحوم «حسين» كان أول قاض في قضاء جبلة تخرج في جامعة دمشق عام 1945 ومارس المحاماة لسنوات طويلة، هذا الابن الكفيف لم يشكل لوالده مشكلة بالمعنى الفيزيولوجي فالطفل عاش طفولة متكاملة، لا بل ظل يلعب الورق مع أصدقائه حتى وفاته، كما حمل جهازاً خليوياً وكان يحفظ أكثر من« 3000» رقم هاتف لوحده بشهادة كل أصدقائه.! بين «جيبول» و« دمشق» بدأت تترسخ هواجسه الشعرية والفنية، تعلم مبكراً العزف على العود سماعاً من الراديو الذي بقي رفيقه ونافذته على العالم لسنوات طويلة، في أواخر الستينيات لحن أغنيته الأولى وهي كما يذكر عدد من أصدقائه أغنية «يا ورد»، كانت أولى سنوات السبعين، مرحلة تشكل الهوية الفنية عند عصام، لحن خلالها عدداً من الأغنيات أثبت فيها تفوقه اللحني واختياره لكلمات ذات وقع مؤثر، مع أن أكثرها جاء على السجية وفي «ساعته»،  كما يخبرنا ابن عمه الشاعر «مازن الخطيب» الذي عرفه عن كثب ورافقه طيلة نصف قرن فأكثر. في نهاية السبعينيات في لبنان، ومع الجبهة الشعبية، انفتحت له مفازات جديدة، يومها لحن أغنية لمحمود درويش كانت من أصعب قصائده هي أغنية «لأجمل ضفة أمشي»، في جلسة اتفق مع «درويش» على أن تكون نصف ساعة وكان وقتها عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإذا بها تستمر سبع ساعات، يومها أسرّ الشاعر الكبير لعصام الخطيب أنه مستغرب من قدرته على تلحين هذه القصيدة الصعبة! خلال منتصف الثمانينيات وصل إلى الإذاعة السورية فسجل فيها عدداً من روائعه بصوته وبأصوات آخرين فغنى له فؤاد غازي«جايي تشرين» والأغنية الأشهر«يا سورية» التي غناها أيضاً معن دندشي وصلاح عرنوق، وكان الفنان الراحل خلال تلك المرحلة قد سجل في الإذاعة نفسها عشر أغان لم تذع حتى اليوم. لايشبه غيره ورغم إعجاب الخطيب بالتجربة الرحبانية، فإن تجربته تبقى بنتاً شرعية له، لا تخلو من تأثيرات خارجية بالتأكيد(خاصة التأثيرات الشركسية والكردية ) ولكن لا ممكن في فنه التعويل على تأثير الخارج، ليس بسبب كفاف البصر، بل لأن الفنان الراحل كان شاعراً استثنائياً من طراز خاص، يكاد لو سمحت الظروف له بتشكيل مدرسة خاصة في الغناء السوري قوامها العود والكلمة بشكل رئيس. التقى مع زياد الرحباني في حزيران 1996 وقد وصفه الأخير بأنه قنبلة موقوتة، كما التقى الفنان الراحل نصري شمس الدين وكان مولعاً به واتفقا على أن يغني شمس الدين أغنية «بفي الياسمينة» من كلماته وألحانه وتم إجراء عدد من البروفات في مسرح البيكاديلي في بيروت إلا أن الموت عاجل نصري شمس الدين فلم يكتمل المشروع. عدم اكتمال العديد من مشاريع الفنان الراحل كمشروعه مع الفنانة الراحلة جورجيت صايغ و زياد الرحباني وغيرهما يعود في أغلبه إلى المزاجية العالية التي كان يتعامل بها مع الآخرين، هذه الحساسية العالية للفنان بقدر ما كانت ميزة بقدر ماكانت عاملاً أساء إلى انتشاره التلحيني. تجربته اللحنية مع المغني«سامر أحمد» كانت المنفذ الذي حفظ تجربة عصام الخطيب من الاندثار في غياهب الذاكرة السورية، فالمغني الشاب التقى بعصام الخطيب في أخريات سنواته، ولم يكن الخطيب قد توقف يوماً عن التلحين لنفسه ولأصدقائه الكثر في مختلف نواحي سورية. عصام الخطيب ... برازيلي هاجر الفنان الراحل اختيارياً إلى البرازيل عام 1987وبقي هناك سنوات ثمان لم تكن عجافاً، غنى خلال تلك الفترة للمغتربين السوريين والعرب هناك فأعادهم للوطن بكلماته الدافئة وحنينه الطاغي، وانتشرت أغنياته بينهم بكثافة، أبدع فيها عدداً من أجمل أغانيه التي عادت وعبرت المحيط إلى الوطن، وكان على رأس هذه الأغاني أغنية «يا جاي من مغرب». ومن أشهر أغانيه في تلك الفترة والتي بثتها إذاعات اليمن وفلسطين، أغنيتان «لأجمل ضفة أمشي»، و«قالت الأرضُ» لمحمود درويش وقد غناهما في البرازيل عام 1994. في تلك البلاد وهو لا يتقن أية لغة أجنبية حقق ما لم يحققه كثير من المبصرين، فكتب الموسيقا التصويرية لمسلسل «طريق الحرير» وهو مؤلف من 90 حلقة وبثه التلفزيون البرازيلي. في تلك البرازيل النائية تزوج عصام الخطيب صبية برازيلية أدمنت صوته وحضوره، وظلت وفية له، يوم علمت برحيله وكانا قد افترقا، جاءت من هناك لتزور قبره وتبكي عليه في مشهد وفاء نادر، يقول صديقه الشاعر «أوس أسعد»: (كانت لدى «عصام الخطيب» طاقة تحويل فنية هائلة تنسحب على مختلف شؤون الحياة بما في ذلك العلاقات الإنسانية الحميمية الدافئة، ورغم نزقه الدائم إلا أن روحه الناهضة بالحب والدفء وسخريته من العالم شكلت دائماً له نقطة جذب، قد تختلف معه في شؤون الحياة، ولكن ما إن تسمع نقرات روحه على عوده حتى تتأكد أنك أمام مبدع يقدّ من صخر روحه ألحانه وأغانيه وشؤون حياته). خلال سنوات الألفين وما بعدها اكتفى عصام الخطيب بما صنعه قبلاً فلم يسع إلى تجديد تجربته ولا حتى توثيقها ولكنه قدم بعض الأغاني الجديدة، وفي تفسير فعله هذا تعددت الآراء. تجربة الفنان «سامر أحمد» نقلت أغاني عصام الخطيب من الظل إلى الضوء، من التغييب القسري إلى الظهور إعلامياً بعد أن أعاد سامر توزيعها ووضع عليها بصمته الصوتية القريبة من صوت عصام ولكنها تفترق معه في القفلات والمدات والترجيعات والطبقة الصوتية، كان صوت عصام خاماً لم يتغير وكان صوت سامر خاماً هو الآخر ولكن تجربتهما معاً أنتجت روائع في الغناء السوري. لحن خلال هذه السنوات عدداً من أهم أغانيه مثل أغنية «متل القصب» و «يا وردة الفوق التلة» وغيرها، تنتمي أغنية «متل القصب» إلى ما يمكن تسميته «القطعة المفردة»، فالكمية المشهدية الهائلة التي يقدمها النص تترافق مع كمية لحنية مشابهة تفرض توازناً سمعياً يستحضر ذاكرة المكان المتخيل بمثالية ريفية تطغى عليها البراءة الطفولية العاشقة للأنثى المكونة من عناصر الطبيعة نفسها، فهي القصب نفسه وهي لحن القصب تتخلله الريح المبصرة لهذا التآلف البصري والذي يصوغه عصام الخطيب في قالب واحد لا فصل فيه بين العناصر والأنثى واللحن والصورة والمكان. أبدع عصام الخطيب في تصوير حالات الحب الإنساني الشفاف بكثير من البراعة، ولم تكن تقتصر حالاته على العلاقة الحبية المتبادلة بين الرجل والمرأة، وأغلب أغاني الحب لديه تتداخل فيها عناصر الطبيعة بكثافة فهي شواهد وهي فواعل في سياق هذه العلاقة، وحتى الغربة التي اختارها الشاعر شاركت في نسج مكونات النص والجملة الموسيقية لديه بشفافية تصل إلى المتلقي بعرفانية الحب ذاته، ويغلب على خطابه الغنائي هذا تبادل الأفكار والشجون والأحزان والحالات مع تلك العناصر لدرجة التماهي والانعجان الكامل، فمن سرق لون الوردة هي العاشقة الخجلة من حبيبها، تقول أغنية «حبيناك يا حلوة». كانت وفاة عصام الخطيب مفاجأة بحد ذاتها، فالرجل أصابته صدمة كهربائية داخلية بدأت من القلب وأودت بحياته قبل أن يصل إلى المشفى في الشهر العاشر من عام 2007 حيث دفن في قريته، ولاحقاً قام عدد من أصدقائه ومعجبيه ببناء قبره وتزيينه اعترافاً بتفرده، وهو متزوج للمرة الثانية من سيدة سورية تتابع حالياً تعليمها الجامعي ولديها منه ثلاثة أولاد. آخر أغنية لحنها قبل رحيله بعدة أيام وسجلها على الهاتف تركها أمانة لدى الفنان «سامر أحمد» حملت عنوان «لقيتك عم تشتي»، هذه الأغنية المملوءة تخمة بالحزن ترك فيها عصام الخطيب رسالته وتحديه للموت الذي كان يشعر برفرفة أجنحته حوله، الزنبق الذي يغطي الأغنية هو نفسه النابت اليوم على ضفاف ضريحه، والعاشق الباكي فيها يتشارك مع الزنبق في حنينه ورؤاه وغيمته الهاطلة كلما هب مساء على تلك التلة الجليلة به. نشر المقال في جريدة تشرين السورية مغفلاً من اسم الكاتب بتاريخ 6أيار2013، كما نشر مقال آخر عنه في مدونة وطن في تشرين الأول2013.
قيم الموضوع
(1 تصويت)
  • آخر تعديل على الأحد, 24 آب/أغسطس 2014 17:45
  • حجم الخط
كمال شاهين

كاتب وأعلامي سوري، رئيس تحرير الموقع

الموقع : www.halalbalad.com

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية