في الحنين إلى الموت مميز

  • اسلام ابو شاكير
  • الأحد, 06 تشرين2/نوفمبر 2011 10:28
  • نشر في أمكنة
  • قراءة 2470 مرات
. في سوريا لم نعتد الموت هكذا. كان الموت يأتينا كما يأتي الآخرين. على الأسرّة غالباً. بحوادث السير أحياناً. الموت السوريّ الذي عرفناه مؤلم طبعاً، لكنّنا كنّا مضطرين إلى تقبّله كما هو بحكم أنّه جزء من قانون طبيعيّ يسري علينا كما يسري على سوانا من البشر. مشكلتنا مع الموت كانت وجوديّة فقط.

لم يتجاوز قطّ حدود الحارة أو الحيّ أو مشكلة نعلم سلفاً أنّها خارجة على الإرادة. لذلك كنّا نستسلم له في النهاية. الموت السوريّ كان يحدث ضمن حدود مكانيّة ضيّقة جدّاً. القرية في أقصى الحالات. لا يسمعه ولا يحسه أكثر من بضع مئات. لم تكن الفضائيّات تهتمّ به كثيراً، ولا جامعة الدول العربيّة، ولا مجلس الأمن. موت عاديّ إذاً. وبسيط. ومتواضع. الموت السوريّ الذي اعتدناه كان طيّب القلب أيضاً. يضرب ضربته، ثمّ يختفي. لا يترك ندوباً أو تشوّهات عميقة. هكذا يمرّ كالريح. يهزّ الشجرة قليلاً، ثم يهدأ. قد تتساقط دموع، وقد تتشقّق شفاه، وقد تبحّ حناجر، لكنّ كلّ شيء يعود إلى طبيعته في النهاية. وكان الموت الذي عرفناه فرديّاً وخاصّاً. كان موتاً حميماً تجتمع حوله العائلة في جلسات حزينة. يحضر الله المجلس في صورته الرحيمة المفعمة محبّة ومغفرة. تدار القهوة بطعمها المرّ اللاذع. تنعقد فوق الرؤوس غمامات يختلط فيها دخان السجائر بدخان مجامر البخور. قلوب حزينة لا أكثر. حزن صافٍ لا يشوبه غضب أو حقد أو خوف.. موتنا السوري كان حضاريّاً راقياً. يختطف الروح فقط. لا يعبث بالجسد. لا يقطع يداً، ولا قدماً، ولا عضواً تناسليّاً. لا ينتزع لساناً ولا عيناً ولا حنجرة. يدع الجسد سليماً كما هو. مهمّته تقتصر على الروح يسلّها بخفّة، ودون ألم. لا يستعمل رصاصاً، ولا قذائف، ولا سواطير.. وموتنا السوري كان يؤدّي عمله منفرداً. لم يكن يصطحب معه جنوداً، ولا شبّيحة. وكان خفيّاً لا يرى. لم تكن كاميرات الموبايلات مضطرّة إلى ملاحقته وترصّده لحظة لحظة.. خطوة خطوة.. وكان شاعريّاً.. وكان إنسانيّاً.. وكان ملهِماً.. وكان محترماً.. كان موتاً.. لكنّه أقرب إلى الحياة.. موتنا السوريّ القديم.. نفتقدك.. نحنّ إليك كثيراً. لم نعد نطيق هذا الشكلّ العصري الذي تطلّ به علينا.. لم نعد نطيقك بنسختك البعثية المنقّحة. موتنا.. أنت الآن عدوّنا.. أنت خصمنا في الحياة.. موتنا.. أنت لم تعد موتاً.. أنت الآن جريمة..

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 06 تشرين2/نوفمبر 2011 10:41
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية