دراسة طبية عن السرطان عند الأطفال

  • د.أمية الفواز
  • السبت, 27 شباط/فبراير 2010 00:58
  • نشر في ملفات البلد
  • قراءة 4162 مرات
السرطان هو مرض الكهول بامتياز ، يصاب به الأطفال بنسبٍ ضئيلة تتراوح من 5 ـ 10% ليشكّل رغم ذلك ثاني أهمّ سبب للوفيات عندهم بعد الحوادث في البلدان الصناعية، وفق الإحصاءات العالمية، فما هو هذا المرض؟
عرّف السرطان بأنّه تكاثر فوضوي لخلايا غير طبيعية (سرطانية) بشكل تتكدّس فيه هذه الخلايا في الجسم لتكوّن ما يعرف بالكتلة أو الورم، الذي يضغط على الأنسجة الأخرى ويغزوها، أو ينتشر إلى أماكن أخرى غير مكان الظهور الأصلي، ويشكل ما يسمّى "النقائل الورمية". وقد ينشأ السرطان ـ كما في سرطانات الدم ـ على حساب الأنسجة المولدة للدم في نقي العظم، وينتشر بالتالي عبر الأوعية الدموية إلى أنحاء الجسم. وعموماً ينتهج كلّ نوع من السرطان سلوكه الخاص المختلف عن غيره، وذلك بحسب نوع النسيج الذي نشأ منه ومكانه، ما يؤثّر في نوع العلاج المقدّم والاستجابة لهذا العلاج.
تتنوّع السرطانات عند الأطفال، ويشكل سرطان الدم ما يقارب ثلث الإصابات، بينما تتوزع النسبة الباقية بين أورام الدماغ، والغدد اللمفاوية، وبين باقي الأورام، مثل أورام النسج الرخوة، والعظام، والكلية، وغيرها. لكن المشترك بين جميع هذه الأورام اختلافُها عن أورام البالغين مع اختلاف سيرها وعلاجاتها واستجابتها للعلاج، فلا نجد عند الأطفال الأورام التي تشيع عند البالغين، مثل أورام الثدي والرئة، وبالمقابل قلّما نجد عند البالغين الأورام الجنينية المنشأ التي توجد لدى الأطفال.
الكشف المبكر عموماً غير ممكن لأغلب أورام الأطفال بسبب ندرتها وتعدّد أنواعها، وعدم معرفتنا الكافية بعوامل الخطورة، حيث تكون هذه العوامل أكثر وضوحاً عند الكبار لتلعب البيئية منها، مثل التدخين والكحول والتعرّض للنفايات المشعّة دوراً مهماً دون إمكانية تحديد هذا الدور عند الأطفال، بينما تبقى معظم أسباب سرطانات الأطفال مجهولة أو غير مؤكّدة حتى الآن، إذا استثنينا التأهب الوراثي وبعض العوامل البيئية، مثل الإنتانات الفيروسية، والتعرض للأشعة أو مناطق التوتر العالي، التي قد تفسر تزايد نسب الإصابة ببعض الأورام بحسب بعض الإحصاءات الأوروبية.
تختلف علامات وأعراض الأورام بحسب أنواعها وتوضعاتها. لكن ظهور كتلة أو استمرار فقدان النشاط، الحمّى المديدة، الشحوب أو النزف أو الكدمات سهلة الحدوث، الصداع أو الإقياءات المتكررة أو حدوث انخفاض حاد وسريع في الوزن، قد يشير إلى وجود ورمٍ مثير للقلق يستدعي إجراء الفحوص اللازمة والتحقق من الأمر. فإذا تمَّ كشف ورم ما، من المهم توجيه الطفل إلى الأطباء الاختصاصيين المعنيين بالقيام بما يجب من إجراءات واستقصاءات لتأكيد التشخيص، وتحديد مرحلة الورم وانتشاره، ثم تقرير خطة العلاج التي تتضمن طرائق مشابهة لتلك المستعملة عند البالغين، مثل الجراحة والعلاج الكيميائي والشعاعي، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية أورام الأطفال، وكونهم لا يزالون في مراحل النمو، وذلك بالنسبة إلى التأثيرات المحتملة للعلاجات المستخدمة على نوعية الحياة المنتظرة لهؤلاء الأطفال بعد الشفاء، دون إغفال اطّلاع الطفل وعائلته على تفاصيل المرض ومشاركتهم في القرار.
وهنا يجب التأكيد على أن كل إصابة بالسرطان هي حالة مختلفة عن غيرها حتى بوجود تشخيص مشترك، حيث تختلف استجابة كل مريض عن غيره للعلاج نفسه باختلاف مرحلة الإصابة وانتشارها، وتحمّل كلّ طفل للمرض وعلاجاته.
يُحدث السرطان ما يقارب  100-  150 حالة جديدة سنوياً من بين كلّ مليون طفل باختلاف الإحصاءات المنشورة عالمياً. ورغم أنّه مرض خطير قاتل، إن لم يعالج، فإن نسب الشفاء منه تزايدت في السنوات الأخيرة إلى ما يقارب 75- 80 % في الدول المتطورة، وذلك بسبب التقدم العلمي المستمر لاستنباط أدوية وطرائق جديدة، وأيضاً لأن علاج السرطان يتمّ في مراكز متخصصّة لهذه الغاية، يُقرّر فيها العلاج لكلّ طفل أو ُيعدّل وفق منهج علمي ومن قبل فريق طبيٍّ متخصّص في أورام الأطفال (طبيب أورام – طبيب معالجة شعاعية- طبيب تشريح مرضي- طبيب مخبري- جراح أورام.........)، دون أن تُغفل أهمية الدعم النفسي والاجتماعي للطفل وعائلته، حتى يكون العلاج ممكناً، ويأخذ الطفل فرصته في الشفاء. 
إنّ التغلب على هذا المرض في بلادنا ممكن، لكنه يحتاج أولاُ إلى الوعي بضرورة التحقق من الأعراض المثيرة للشك عند أيّ طفل، بما يضمن عرض المشكلة على الطبيب الاختصاصي باكراً ما أمكن، والتروّي في تقرير العلاج بعد دراسة وافية ثمّ تطبيقه، ومتابعة الطفل بعدها بشكل منتظم ومستمر لسنوات متعددة تالية لإيقاف العلاج. 
من حقّ الأطفال على المجتمع والدولة أن يحصلوا على الرعاية الصحية المناسبة، لكنّ التكلفة العالية للعلاج، وما يواكبه من استقصاءات قد تقف عائقاً أمام ذلك، وهنا تأتي أهمية تضافر الجهود الرسمية والأهلية لجعل معالجة السرطان ممكنة أمام جميع الأطفال في سورية.



الدكتورة أمية الفوّاز ـ اختصاصيّة في طب الأطفال ـ أمراض الدم والأورام عند الأطفال
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 27 شباط/فبراير 2013 00:58
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية