الإنسان و المسؤولية الكاملة

إن ما يسميه أو يظنه المسيري "نزعا لقداسة المادة" و بالتالي نزع القداسة عن الإنسان، ليس أمرا تقرره المعاجم و تقرره رغباتنا نحن، إذ نجد أن كثيرا من الشعوب كانت تؤمن بالدين و تطبيقه "حرفيا" في كافة مجالات الحياة، لكن العلاقة تنتفق و تنفصل بين المادة و الله حينما يبدأ الإنسان في النظر الواقعي الحقيقي إلى الأمور، فالفرنسيون حينما نظروا إلى واقعهم المؤلم و الطبقية الرهيبة و الظلم و الحيف الذي كان يحيط بهم، طرحوا على أنفسهم أسئلة مثل: هل الواقع المؤلم الذي نعيشه هو بسبب إرادة إلهية؟ أم أنه نتاج للبشر و حكامهم و كهنتهم الذين يستغلون الدين لغايات دنيوية؟ هل الأمراض و التشوهات الخلقية و النقص الذي يعتري وجود الإنسان نتاج إلهي أم إنساني؟ و إذا كان أصحاب اللاهوت أنفسهم ينكرون أن الله يصنع الشّر و القبيح و الظلم؟ فلماذا الإصرار على نسبة كل هذه القباحات و المساويء و الجرائم إلى الله؟ أليس الأولى تحميل الإنسان المسئولية الكاملة؟ و ما الفارق بين نزوع الإنسان نحو التوسع الإمبريالي حسب المسيري و نزوع آخر نحو الإمبريالية تحت شعار "الجهاد المقدس" و "الدعوة" و "إخراج الناس من عبادة الأصنام" إلى عبادة معاوية بن أبي سفيان أو هــارون الرشيد أو محمد الفاتح ـ فاتح القسطنطيية ـ الذي قتل 19 أخا له من أجل السلطنة؟


نحن لا ننكر أن الحضارة الغربية كانت قد عاشت في طور من أطوارها فترة من الغرور و رغبة جامحة في التوسع، لكن هل حكومات عالمنا الإسلامي في الماضي و الحاضر كانوا أفضل من حكام و أنظمة الغرب؟ لقد قطع الغرب  أشواطا من من التطور و الرقي الحضاري و تقييم الإنسان من حيث الواقع، بينما المسيري يصر و يلح على أن ننظر إلى الإنسان من خلال الخيالات و الكلمات و النظريات الجميلة، دون أن يأتينا بأي نموذج واقعي ملموس، فالشرق يحترم الإنسان على المستوى "النظري" البحت و لكنه على أرض الواقع يحطمه عبر التجريد و شمولية الفكرة إذ لا بأس بتحطيم الأفراد و التضحية بهم في سبيل الفكرة "الإنسان" و لكن لا قيمة للفكرة إذا لم يكن لها أي انعكاس على أرض الواقع.

إن نزع القداسة عن المادة في الغرب لم يكن ليعني بالضرورة إن الدين انفصل عن واقع الإنسان، بقدر ما أدى إلى أن يصبح الإنسان هو مركز الوجود و تجسيد الله على الأرض، فالله لا يمكن له و هو ذلك الجمال المطلق اللا محدود أن يقوم بأفعال المادة الناقصة مباشرة، إلا كونه أوجد المادة و لكن لا يمكن حتى للذات الإلهية أن تجعل المادة مثالية مطلقة لأن المطلق و الجمال الكامل لله وحده، أما المادة فلها ارتباطها العضوي المباشر بالإنسان و لا بد للإنسان من أن يستفيد من هذه المادة و لكن لا بد له أن يكون حذرا في تعامله مع المادة لأنه يبقى كائنا محدود الإدراك، و إن كان إدراكه و وعيه في اتساع بفعل التطور التكنولوجي و المعرفي بفعل الأجهزة و المستحدثات التي مكنته من رؤية أصغر الأشياء إلى أضخم و أبعد الكواكب، و كما قلنا، فإن نزع القداسة عن المادة لم يكن وليد الحضارة الغربية بقدر ما كان منهجا قرآنيا، كالآيات: { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} الأعراف ـ 54 {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} إبراهيم ـ 33 {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الحج ـ 65 و غيرها كثير، تشير إلى أن الإنسان هو مركز الوجود و أن من حقه أن يستفيد من هذا التسخير ـ و هو نوع من الاستعباد ـ إلى أبعد الحدود.

يقول المسيري:

"و قد عبّر رورتي عن المعنى نفسه بطريقة فلسفية أعمق،  حين وصف التحديث (في العالم الغربي) بأنه مشروع نزع الإلوهية (أو القداسة) عن العالم (Dedivinization) و هو يعني أن يتقبل الإنسان زمنية كل شيء و أن لا يؤله الإنسان شيئا، و لا حتى ذاته، و ألا يجد في الكون أي شيء مقدس أو رباني أو حتى نصف رباني، و من ثم، لا توجد مقدسات أو محرمات من أي نوع فلا حاجة إلى تجاوز المعطى المادي (الزماني المكاني)، فالإنسان يوجد في عالمه المادي لا يتجاوزه، فالعالم مكتف بذاته، و هو مستقر كل القوانين التي يحتاج إلى معرفتها، ثمّ يبين لنا رورتي النتائج المنطقية لهذا الموقف بقوله: ((إن الحضارة العلمانية الحديثة لن تكتفي باستبعاد فكرة القداسة أو بإعادة تفسيرها بشكل جذري، و إنما ستهاجم الذات الإنسانية نفسها كمصدر الحقيقة))، فهي ستهاجم فكرة ((تكريس الذات للحق (الحقيقة))) أو ((تحقيق الحاجات العميقة للذات))، كما ستبين أن المصدر المعنى ليس كلاّ متجاوزا و إنما هو الإنسان، و الإنسان كائن حادث زمني متناه، أي أنه ليس مصدرا جيدا للحقيقة." العلمانية تحت الجهر ـ ص 85 ـ 86

إن محاولات المسيري نزع حب السؤال عن الإنسان هو أشبه بمحاولة خلق إنسان مطلق كامل، بمعنى أنه مستحيل، فسواء اقتنع الإنسان بالدين أو المادية أو أنكر الإله أو أقر به، فإنه ينتهي إلى أن يطرح الأسئلة و يسعى بإلحاح لأن يحصل على إجابة، و إذا كان المسيري وجد عند رورتي فلسفة تنتهي إلى العدمية، فإن رورتي لا يُقدم لنا نموذجا يجوز لنا تعميمه، و لو لم يكن للواقع أكثر من انعكاس لما وجدنا النّاس ذوي ميول و معتقدات و أديان متعددة، لذلك نجد أن مفهاهيم الدين "الخلق"، "الروح"، "الثواب و العقاب"، "حياة الآخر" و غيرها من المفاهيم، ليست واضحة المعالم و هي تختلف، و ستبقى كذلك، من دين إلى آخر، بل و حتى داخل الدين الواحد، و هذا التعدد الذي يبلغ حدّ التناقض هو الذي أدى بالإنسان الحديث إلى أن يصل إلى نوع من اللا أدرية الحيادية Agnostic، و إذا كنا أدركنا الفارق بين الرغبة و الواقع كإدراك فإن المسيري يتجاهل هذه النقطة، و كما أشرنا سابقا فإن طرح الأسئلة إلى ما لا نهاية أمر ممكن كنوع من الشغب الفلسفي الذي لا يكون له هدف إلا الدوران في دائرة مفرغة، و من هنا فلا مرجعية نهائية لأي فلسفية لأن العلم نفسه "حتى و هو في أعلى درجات اليقين" يبقى أساسه الراسخ مبنيا على الشك اللا نهائي، و هذا ما يجعل الإنسان مختلفا عن أمة النمل و النحل التي تمتلك نظاما غريزيا ثابتا، غير أن نظام الإنسان متغير على الدوام.



www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية