حال العرب : حال الغريب وشركاه

 إنّ التطوير والتغيير وصناعة الفعل الحضاري بكل روافده يحتاج إلى خطوات واثقة منضبطة لا تتجاهل الماضي استعلاءً و لا تتعاطى مع الحاضر عبثاً  ، و لا تتناسى المستقبل استهتاراً . إنّ التغيير الحقيقي لا تصنعه قيم تظلّ قابعةً في الكهف الأفلاطوني مالم تتحرر من القيود والسلاسل التي تشلها عن الحراك على مستوى الفعل.

 وإنّ الفعل الحضاري لا تحركه خطوات لا تعرف أين وجهتها الصحيحة . بل تحركه خطوات ثابتة حتى لو كانت خطوتين إلى الأمام و خطوة إلى الخلف  في المنظور اللينيني .

إنّ ربط الحاضر بالماضي هو الخطوة الصحيحة التي أنتجت حضارات قوية وأبدعت مستقبلاً مشرقاً . فالحضارة لا تُخلق من العدم . وهذا منطق تاريخي واقعي بعيد عن المثالية . بل إنّ الذين ينادون بصياغة حضارة حقيقة عن طريق إقصاء الماضي وإزالته نهائياً ، هم أناس يريدون حضارة عدمية عبثية ، هم أناس يريدون حضارة سهلة جاهزة ومستوردة لا تتعب عقولهم ولا حتى أجسادهم .

كما أنّ التمسك بالماضي بشكل انفعالي عاطفي ساذج ورفض الحاضر والحضارات المجاورة والتي هي تجارب مفيدة إذا أريد الإفادة منها ، هو أمر بغاية الخطورة يؤسس خطوات وهمية تشدنا إلى الخلف في عالم الواقع والحقيقة ، وأما في عالم الوهم وبسبب الفعل العاطفي و الانفعالي سواء الممنهج والمسيس أم العفوي الساذج فهي تشدنا إلى الأمام .

إنّ الحس الحضاري وبالتالي الفعل الحضاري مفقود في دماغ أمتنا العربية ، لا تجده إلاّ عند قلّة تأثيرهم بسيط وبطيء ولكن ممتد .

إنّ الولايات المتحدة / الصهيونية / وهي القوة العظمى والوحيدة الآن وما دونها ضعيف وهذا الضعف على درجات متفاوتة بالنسبة إليها ، إنّ هذا القطب الواحد وهو في حالة القوة المطلقة يأخذ بعين الاعتبار الحس الحضاري بمعنى أن البشر كلهم ورغم ضعفهم هم خصم يمكن أن يشكل خطراً عليهم في يوم ما ، إذا أبعدوا عن فكرهم نظرية صراع وصدام الحضارات .

إنه البحث عن الموجود من أجل البقاء والوجود ، هذا بالمعنى الفلسفي ، هو نفسه البحث عن الموارد واختلاسها بطرق غير إنسانية من المعنى الاقتصادي ، ولكن السبب قد يكون منطقياً ، هو البحث عن القوة وبالتالي البقاء في داخل التاريخ هذا التاريخ التي تعتبر أنها خلقته.

في حين أن العرب والأمم المتخلفة أمثالهم وهم في حالة الضعف المقيت ترى أدمغتهم خاوية من الحس الحضاري حتى على مستوى الحرف والكلمة . وهذا واقع يجب أن لا نزاود عليه أبداً . وباعتقادي إنّ هذا نقطة البداية ، للإجابة على سؤال شكيب أرسلان : لماذا تقدّم الآخر وتأخرنا نحن !؟ .. إنّ حقن الأدمغة  الإسلامية والعربية وغيرها من الأمم الضعيفة بمفهوم الحس الحضاري الحقيقي . هو خطوة إلى ملئ الدماغ الخاوي من الوعي / العقل / . على مستوى الوجود والبقاء . إنّ البقاء وإثبات الوجود يحتاج إلى إرادة ..... هذه الإرادة التي اعتبرها             ( شوبنهور ) : / أساس الشر وسمّاها إرادة الحياة العمياء / ، في حين أنّ المفكر ( أحمد حيدر )  قد سمّاها / غريزة لأن الإرادة تسيرعلى هدْي العقل في حين أنّ الغريزة لا تبالي  بالمعقولية  / . ولكنْ  المحرك للحس الحضاري وبالتالي لفكرة صدام الحضارات / البقاء وإثبات الوجود / هما الإرادة / العقل/ والغريزة / الجوارح / مع جعل العقل هو / المعلم / .

إنّ التقسيم الفوكويامي للكون داخل التاريخ هو كالتالي :  القطب الواحد  ( الولايات المتحدة ) وخارج التاريخ كل الأمم الأخرى .

إنّ دائرة القطب الواحد في المفهوم الفوكويامي قد أغلقت ولا يستطيع أحد الولوج إليها إلاّ عن طريق فيزا التبعية وبروتوكول الطاعة المطلقة والاقتراب إلى الدائرة المغلقة بحسب القوة الحضارية فهي المعيار للاقتراب منها .

ولكن دائرة المفكر ( محمد عابد الجابري ) رحمه الله   فإنها لأوشك أن تُغلق وعلى الأمم الإسراع قدر المستطاع للوصول والدخول إليها .

وأمّا دائرة المفكر  ( الطيب التيزيني )  يجب أن نعرف كيف نصل إليها ولو كان ذلك ببطء كبير المهم كيف أن نصل لا أن نصل للدائرة التي لا تغلق فالتاريخ عند الطيب التيزيني لا يتوقف .

لماذا إذاً  لا نضع دائرة لأنفسنا !؟ وإن كان هذا التساؤل مثالياً ولكن ّ باعتقادي هو الأجدى والأنفع .

إنّ السرعة باتجاه الدائرة لكي ندخلها ( الجابري ) والتقليل من أهمية الدائرة بحيث نعتمد البطء في المسير تجاهها ( التيزيني ) هما أمران نقيضان ولكن المهم لهذين المفكرين الكبيرين هو همّ واحد . هو تحريك الأمّة من سكونها .

إنّ الحس الحضاري يجب أن لا يبقى في حيز الممكن بالقول بل يجب أن ينتقل إلى الممكن بالفعل ، أي تحويل الحس الحضاري من حالة التنظير إلى حالة التفعيل والتحريك الأفقي وحتى الشاقولي ، ليتعانقا متحابين .

إنّ الفعل بلا نظرية / تنظير / تُنتج حالة عبثية ،  و النظرية بلا فعل تُصبح جيفة تؤذي رائحتها / ميتة و مميتة / .

إنّ تنمية الحس الحضاري على مستوى الكلمة - أي نقطة البداية – هي مسألة تربوية يجب أن توضع بذرتها الأولى في دماغ الطفل لتنمو معه جنباً إلى جنب مع نماءه السكيولوجي والبيولوجي والمعرفي ، ليكون إلى جانب الكوجيتو الديكارتي أنا أفكر إذن أنا موجود .. أنا أتحضر إذن أن موجود . إذ أنّ الإنسان هو كائن حضاري ، ووجوده الإنساني مرتبط بمدى تحضره على المستوى الاجتماعي ، إذ يجب أن نميز بين الضرورة والحتم  وهنا يتساوى كل البشر بل والكائنات الأخرى أيضاً  وهو وجود يؤدي خدمة كونية . والوجود بالصيرورة / الحركة والتحضير / وهنا تؤدي خدمة إنسانية للإنسان بحيث تجعل منه كائناً حضارياً موجود بالحقيقة .

إنّ الولايات المتحدة ليست معياراً حقيقياً وصحيحاً على الجانب الحضاري بمعناه الحقيقي ، من حيث التشكيل والتكوين ومن حيث الفعل والنتيجة ، ومن هنا نقول أن ّ انهيار الولايات المتحدة سيكون من خلال اعتمادها إرادة الحياة العمياء كما أسماها ( شوبنهور ) لبقائها ، وهذه الرادة أعمتها عن الجانب القيمي والأخلاقي من جهة وبأنّ العزلة والوحدة تؤدي إلى الانفجار الذاتي من جهة أخرى .

ولذلك يجب أن لا نسرع إلى دائرة التاريخ الفوكويامية ، ولا أن نبطئ بالاتجاه نحوها ، فإننا لا ندري متى تنفجر .

بل يجب أن نضع دائرتنا لأنفسنا وبأنفسهم ، عن طريق الارادة التي تسير على هدْي العقل وحده .

  


 المرتضى علي حاتم ـ خاص حال البلد 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الإثنين, 19 كانون1/ديسمبر 2011 22:10
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية