ثورتا مصر وتونس في مقياس علم الثورات (1)

"كارل ماركس، ذات يوم، وقبل كمونة باريس بستة أشهر(أيلول 1870)حذر العمال الباريسيين بان انتفاضتهم ستكون ضربا ً من الجنون، لكنه هلل لها حينما رآها تقوم ووجد العمال الباريسيين جريئين مستعدين لمهاجمة السماء، وبعد ذلك عزا فشلها إلى عدم الوعي وعدم التنظيم"


لن يكون من قبيل المجازفة القول إن الأدبيات الماركسية-اللينينية تشغل مركز الثقل المعرفي في فلسفة الثورة وعلمها الذي أنتج مقولاته ومفاهيمه في سياق تاريخ الصراع الاجتماعي منذ الثورة الفرنسية (1789) وحتى الثورة الروسية(1917)، حيث تشتغل الثورة حسب الكتالوج الماركسي-اللينيني بتحقق الشرطين التاليين:
1.  تحضير واستعداد تاريخي للثورة بقيادة حزب سياسي قائد(يمثل طبقة..)ويملك برنامجا ًسياسيا ً ثوريا ًيسعي لإنجازه لصالح المجتمع برمته.
2.  وضع اجتماعي ثوريّ محكوم بأزمة اقتصادية/سياسية تعصف بالمجتمع وبنظامه السياسي السائد(أزمة عامة).


ويبدو أنّ ثورتي تونس ومصر(2011) قد خلطتا أوراق النظرية الماركسية-اللينينية لمفهوم الثورة (صفر انطلاقتها وسياقها وأدواتها) من خلال إنجازيها التاليين :
أولا ً-الإنجاز المعرفي : وضعت ثورتا تونس ومصر النظرية التقليدية الماركسية- اللينينية للثورة أمام ضرورة مراجعة معرفية جدّية، وذلك حينما قدّمت هاتان الثورتان بيانا ًعمليا ً باندلاعهما المباشر مع الشرارة الأولى (جسد بوعزيزي المحترق وحركة جماهير مدينة سيدي بوزيد في تونس التي شكلت ثورتها شرارة ثورة مصر) وخلعتا رأسي النظامين في كل من تونس ومصر خلال واحد وثلاثين يوما ًبمحض الجسد الجماهيري المحتشد بثبات ومعنويات عالية، وبالشعار الأيقونة الرزين الواثق (الشعب يريد إسقاط النظام)، وكل ذلك بدون تحضير واستعداد زمني طويل وحزب سياسي قائد مسبق التشكيل لا بدّ من وجوده، تحت طائلة فشل الثورة، حيث اكتشفت الماركسية أن هذا الكائن السياسي (الحزب) ظهر نقصا ًوجوديا ًأفشل الثورات التي شهدتها أوربا بشكل عام، وفرنسا بشكل خاص في القرن التاسع عشر(ثورات 1848 وكمونة باريس 1871) وثورات (1905-1907) في روسيا، التي ظفرت ثورتها الاشتراكية في 1917 بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، لكننا مع ثورتي تونس ومصر بتنا أمام الشروط الحديثة التالية لتشغيل الثورة والظفر بها :


1.  وجود أزمة اجتماعية(اقتصادية، معاشية) في مجتمع محكوم بنظام استبداد سياسي طاغية(لم يفصح ابتداءً عن أية أزمة سياسية داخله) يشيع الخراب الاقتصادي والفقر المدقع والبطالة والفساد والظلم والقهر والذل…الخ


2.  حشود جماهيرية ترفع شعارا ًمركزيا ًتكرره بلا كلل ولا ملل حتى تخلع الطاغية، وتشرع باستكمال إنجاز التحوّلات الجذرية في السياسة لاقتلاع النظام السياسي(وتطهير البلاد من رموز النظام).


3.  وجود ائتلاف شباب اجتمع بتنسيق خاص( بعيدا ًعن مبادئ التنظيم السياسي من جهة وعن الارتجال من جهة ثانية) لتمثيل الثورة في حواراتها والنطق باسمها وتنظيمها والتنسيق بين مفاصل حركتها، مستفيدا ًمن كل التراث النضالي المركوز في بنية المجتمعين التوتسي والمصري، ومن خبرة شباب وشيوخ كار العمل السياسي المعارض الذين (هرموا من أجل هذه اللحظة التاريخية/الثورة التي حققها الشباب وفشلت أحزاب الشيوخ في تحقيقها، كما قال أحد الرجال التونسيين في مشهد درامي مؤثر تعرضه باستمرار قناة الجزيرة القطرية في فواصلها الإعلانية).


4.  وجود تقنيات ووسائل الاتصال والإعلام المتطورة(الإنترنيت والمواقع الإلكترونية للتواصل الاجتماعي كالفيسبوك الذي لعب ويلعب الدور الحيوي والإستراتيجي في التنظيم والاستعداد للثورة وإدارة عملياتها، وكذلك الأقنية الفضائية (التي تلعب دور غرفة عمليات الثورة).عبر المتابعة وعلى مدار الساعة وبناء الرأي العام الثائر عبر استقبال السياسيين والأكاديميين والمفكرين والباحثين وشتى رجالات الفكر السياسي وأصحاب التجارب وعبر توظيف اللغة البصرية بأعلى طاقة درامية في التعبئة والتحريض ورص صفوف الحشود وتزخيم تجييشها ومد جغرافية الثورة واتساع رقعتها كما نشهده حاليا ًفي ليبيا (التي تنجز ثورتها الخاصة في شباط 2011) والبحرين واليمن….الخ


ثانيا ً-الإنجاز السياسي : أسقطت ثورتا تونس ومصر ابتزاز ثنائية (إما الطغيان أوالفوضى وخراب الأوطان) الذي طالما فرضه النظام العربي الرسمي المستبدّ داخل الوعي الاجتماعي وفي وجه القوى السياسية المعارضة لسدّ الطريق إلى التغيير، لكن الثورة لم تأبه لتحذير الأنظمة وتهديدها بحلول الفوضى والخراب، وذلك حينما واجهت الثورتان الطغيان واستحقاقات التغيير عبر التزام مبادئ وإجراءات التنظيم والسلوك الحضاري والشروع بنشر وتكريس قيم الثورة ومعانيها النبيلة، وبناء الأمثولة، رغم كل أساليب وأدوات القمع الدموية (إطلاق الرصاص) والدهس بالسيارات والبلطجة الحيوانية(استخدام الجمال والخيول)*1 في مسعى ً يائس للإنقاذ قبل أن يلفظ رأس النظام أنفاسه السياسية الأخيرة ببلوغه (التنحي/الخلع).

كما اكتشفت الثورتان الأمور التالية :
1.  القوة الذاتية الكامنة للشعوب العربية التي تجاوزت خوفها(بعد خضوع مزمن للاستبداد) والتي أظهر هيبتها الاحتشاد المدني الأعزل، وأفصح عنها الشعار الجريء الثابت المبثوث بالحناجر الهادرة وقبضات الأيدي التي تشدّ السواعد والجباه الشامخة والعيون الشاخصة التي تتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة.


2.  لقد تخطت الثورة جميع الأيديولوجيات (الخائبة تاريخيا ً)التي غابت عن خلفياتها وصدارتها وتحت أية مسمّيات(شيوعية *2وقومية وإسلامية وقومية….الخ) لتشدّ هذه الثورة إلى ميدانها وتمتص في حركتها وشعارها المركزي جميع الشعارات والرموز السياسية والدينية وجميع الولاءات والانتماءات والأطياف السياسية /الأيديولوجية، فبات جميع الذين تشغلهم قضايا الشأن والرأي العام ومصالح العباد، يقدمون الولاء لهذه الثورة


3.  الامتثال الرتيب الطوعي والتداعي الذي أظهره النظامان لإرادة الثورة بعد سقوط رأسيهما(بن علي ومبارك) في تونس ومصر عبر تقديم التنازلات الصريحة من جهة بسقوط مؤسسات النظام وأدواته السياسية والقانونية، ومن جهة ثانية عبر التنازلات المواربة والتلكؤ والمماطلة والتسويف والخداع ومحاولات احتواء تداعيات الثورة والالتفاف عليها عبر انقلاب أو ثورة مضادة تتنبه لها مؤسسة الثورة بحذر بالغ.


4.  شروع بقية الأنظمة العربية بإجراء إصلاحات وقائية هنا وهناك لملاقاة واحتواء تداعيات وعدوى الثورة على ساحاتها، جنبا إلى جنب مع استنفار أجهزة القمع، لعل هذه الأنظمة تتجنب مصائر الأشقاء.

 

هوامش
*1 لقد تطور القمع في ثورة ليبيا (شباط 2011) إلى القصف بالطيران والمدافع وارتكاب المجازر
*2 فيما يفترض أنها مربط فرسهم وملعبهم ، غاب الشيوعيون العرب عن منابر الثورة وجماهيرها، فيما تبوأ الشيخ القرضاوي موقعه بعناية إماما ًللحشود، فجمع في شخصه نجومية الرمزين الديني والدنيوي، ووجد نفسه خطيبا ً لدين الثورة في ميدان التحرير، الذي وفر له حشودا ًاستثنائية لم يتحها له ركن الحج في يوم من الأيام .



تنشر هذه المقالات بالتعاون مع موقع الأوان 


قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية