شباب الثورة في العالم العربي مميز

لشباب المصري الذي دعا الى «جمعة إنقاذ الثورة» في مصر أنقذ الثورة وجددها. لأن الشباب هم الثورة.  عادوا بالملايين الى التظاهر واحتلال الميادين والاعتصام في القاهرة والاسكندرية والسويس والإسماعيلية وسواها من المدن المصرية. واجهوا القمع ودفعوا ضريبة الدم مجددا بالعشرات.

 
في هذه الموجة الجديدة من حراكهم، كان شباب مصر كعادتهم على درجة مدهشة من الوضوح والحزم السياسيَين. طالبوا باستقالة حكومة عصام شرف العاجزة. فجرى التهويل عليهم بأن استقالة الحكومة تعني تأجيل الانتخابات واتهموا بالعمل على تأجيلها. فرضوا الاستقالة وأجبروا المجلس العسكري على قبولها والالتزام بعقد الانتخابات في موعدها والوعد بتنظيم انتخابات رئاسية قبل تموز/ يوليو من العام المقبل. رفضوا عروض المجلس العسكري مجرد الاعتذار عن القمع الدموي والتعويض عن الضحايا، مصرّين على محاكمة ضباط وجنود الجيش والأمن المسؤولين عن قتل المتظاهرين. لم تقنعهم التنازلات ولا الوعود حتى لا نتحدث عن تهديد المشير الطنطاوي. ها هم لليوم الخامس يواصلون «احتلال» ميدان التحرير مطالبين  بنقل السلطة فورا من المجلس العسكري الى مجلس تأسيسي مدني. 
بغض النظر عن قدرة هذا المطلب الاخير على تكتيل قوى المعارضة الحية حوله، وعن الجديد الذي يحمله بالنسبة لمصر وثورتها، تقول أحداث مصر الاخيرة ان الثورة لا تزال في شبابها. والشباب هم الثورة، في مصر وفي سائر الأقطار الثائرة من المحيط الى الخليج.
هؤلاء هم الشباب أنفسهم ممن شكل محرّك الثورة في اليمن وقاطرتها متميزين بالتصميم والوضوح السياسيين المدهشين. جرّوا أحزاب المعارضة الرسمية الى الشارع والساحات منذ الايام الاولى واحتلوا الساحات ونذروها للتغيير، وفرضوا شعار «إرحل» فيما المعارضة الرسمية تفاوض على حصة في السلطة. والشباب هم من كشف وأفشل عشرات الحيل والألاعيب التي لجأ اليها حاكم ألعبان، وهم من أدان ويدين تواطؤ الادارة الاميركية والحاكم السعودي على بقاء الطاغية بالضد من ارادة شعبه. وهم شباب اليمن أنفسهم من أخذ المبادرة في عدن للتضامن مع صنعاء وفي صعدة للتضامن مع تعز وفي تعز للتضامن مع عدن وحضرموت. وهم الآن - بالملايين منهم في محافظات اليمن قاطبة - يتشككون في ألعوبة جديدة يلعبها علي عبد الله صالح في الرياض.
هؤلاء هم أنفسهم شباب «التنسيقيات» على امتداد سوريا الذين كسروا حاجز الخوف يبتكرون كل يوم ألف حيلة ووسيلة لمقاومة ثلاثي الاستبداد العسكري - الأمني والشبيحة والإعلام الكذوب. وفي وضع يزداد تعقيدا وعسكرة وتهديدا بالتدهور نحو الاقتتال الاهلي، يصرّون على «السلمية» وعلى شعار الثورة الاصلي: «واحد. واحد. الشعب السوري واحد.» فيما تتلعثم أطراف المعارضة في النطق باسمهم وتعيا في ادعاء تمثيلهم.
هؤلاء هم الشباب أنفسهم يتظاهرون في تونس من اجل حماية ما في دستور بلادهم من مواد تكرّس الحرية والمساواة والعلمانية، يدافعون عن الحقوق المتساوية للرجال والنساء ويناهضون «الخلافة الخامسة» التي يعد بها الأمين العام لـ«حزب النهضة» المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة. ومحطات التلفزة العوراء تصوّر التظاهرات وتحجب اللافتات المنددة بحضور حاكم قطر افتتاح المجلس التأسيسي.
هؤلاء هم الشباب أنفسهم في المغرب يعلنون، عشية الانتخابات النيابية، ان التعديلات الدستورية الاخيرة ليست بكافية للانتقال الى نظام ديموقراطي، لأنها لا تزال تعطي الملك صلاحيات تنفيذية ودينية وأمنية شبه مطلقة، ويصرّون على انشاء ملكية برلمانية. ويضيف شباب المغرب جديدا خليقاً بأن يحتذى به في سائر الاقطار، إذ أخذوا مطلب توفير عمل للشباب على محمل الجد، فشكلّوا حركة للعاطلين عن العمل تطالب بحقوقهم.
وهؤلاء هم الشباب أنفسهم في ليبيا، يقولون ببسيط الكلام وفي ما يتعدى الظفراوية الاطلسية والجعجعة الاوروبية -القَطَرية، وبقايا نظام القذافي وجهاديي باريس ولندن وواشنطن، ان ليبيا لم تكن بلدا، كانت فردا يسمّى معمّر القذافي فيما سائر الليبيين مجرد ارقام. وها هم الآن شبابها يريدون بناء ليبيا الدولة والمجتمع وفرض انفسهم بما هم بشر ومواطنون.
وهُمُ الشباب أنفسهم في تظاهرات المدن والبلدات الاردنية يبلغون الذي نصح زميله الحاكم بالاستقالة انه حريٌ به ان يسبقه في الأمثولة. وهم أنفسهم في المنامة والمحرّق والقطيف وعُمان والكويت، وفي السجون وعلى الانترنت، في أصقاع عالم النفط، يجاهدون لكسر حاجز الصمت الذي تفرضه السلطات والاعلام النفطي الاعور، والعالم المتواطئ، وليكشفوا فضيحة مشيخات وممالك وإمارات متسلطة على شعوبها تريد تمرير أكذوبة تاريخية. هي أكذوبة تزعم ان انظمة سلطانية عشائرية هادرة للثروات الوطنية ومستتبعة للعواصم الاوروبية والاميركية، تتسع الهوة باطراد بينها وبين شعوبها، هي الحريصة على الدساتير القائمة على السيادة الشعبية والحريات ودولة القانون وفصل السلطات والتناوب على السلطة في سائر الأقطار العربية إلا في حماها.
هؤلاء الشباب العرب هم الجديد الذي تحمله الثورات العربية. يعرضون علينا بديلا آخر غير حتمية الاختيار بين سلطات الاستبداد والفساد والتمييز والتبلّد، وبين من يريد إرجاعنا الى عهد الخلفاء وكرعوبه عالقٌ بالعولمة النيوليبرالية وأيديولوجيا الهويات والثقافات القاتلة.
يذكّرنا الشباب العرب بين فينة وأخرى، بالخيال والجرأة والوضوح والدم، بأن الثورة لا تزال في شبابها، بغض النظر عن فصول السنة والجامعة العربية وجهابذة السياسة الدولية، وأن شبابها هو مستقبلها وأن المستقبل لها.
الجديد وقحٌ وهش. لكنه يحمل الأمل. تجب حمايته من البلادة والوأد في الداخل ومن الخارج من أي جهة أتى. 



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. " mce_' + path + '\'' + prefix + ':' + addy89710 + '\'>'); document.write(addy_text89710); document.write('<\/a>'); //-->\n عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية