مستقبل المرأة بين الديانات والتشريعات :  دفاعاً عن هيفاء وهبي !!

لا أعرف أمّةً تهتم بالشكل والمشهد الخارجي قدر هذه الأمة، فيصير ارتداء امرأة لحجاب أو خلعه (انتفاضةً) يجب التمحيص والتدقيق في أسبابها وصولاً لمعرفة الحقيقة،ولا أعرف أمة أضاعت وقتها بالبحث عن الصغائر قدر هذه الأمة،فهناك من يسأل ما إذا كان صوت المرأة منكراً أم لا، وهناك من يسأل فيما إذا كان من الجائز  شرعاً للرجل أن يجلس على مقعد جلست عليه امرأة قبله ،

 

 

  إلى فرح ابنتي ، مرة ثانية وبعد سنوات من الآن  ..كي تكون أحلامك ممكنة  التحقق أكثر من أحلامنا  نحن .

    من ثقب في التاريخ                      

 لا أعرف أمّةً تهتم بالشكل والمشهد الخارجي قدر هذه الأمة، فيصير ارتداء امرأة لحجاب أو خلعه (انتفاضةً) يجب التمحيص والتدقيق في أسبابها وصولاً لمعرفة الحقيقة،ولا أعرف أمة أضاعت وقتها بالبحث عن الصغائر قدر هذه الأمة،فهناك من يسأل ما إذا كان صوت المرأة منكراً أم لا، وهناك من يسأل فيما إذا كان من الجائز شرعاً للرجل أن يجلس على مقعد جلست عليه امرأة قبله ، وهناك من يسأل هل تجوز ملامسة المرأة أثناء الحيض أم لا، وهناك من يسأل ما إذا كانت العمليات الاستشهادية للنساء جائزةً أم لا،وهناك من يسأل ماذا يفعل إذا أكل الجنّي من طعامه أيأكله أم لا، وكل هذا باسم الفقه  والأصول  و عصرنة الإسلام !

لا أعرف أمة اختلفت على كل شيء قدر هذه الأمة،اختلفت على الأنبياء (عليهم من أوجاعنا السلام)، واختلفت ما إذا كان نهر العاصي كافراً لأنه يتجه عكس كل الأنهار، واختلفت ما إذا كان النفط حراماً أم حلالاً، واختلفت ما إذا كانت تجوز الثورة على الحاكم الظالم أم لا، وما إذا كانت سرقة الدولة حلالاً أم لا، وحتى في البلاد التي هاجر إليها البعض من أهل الأمة حديثاً فراراً من ظلم الحاكم وأتباعه أو طلباً للرزق ، نقلوا معهم اختلافهم وحاربوا أهل تلك البلاد بحجة أنهم كافرون (هل تذكرون حديثاً اغتيال المخرج البلجيكي فان كوخ الذي  أخرج فلماً قصيراً عن المرأة في الإسلام فأخرجه أحد المسلمين من الحياة؟؟ ) .

لا أعرف أمة اشتد فيها البحث في أسباب اختلافها حتى صار اختلافها أهون الشرور فيما يحصل لها من شرور، من العراق إلى فلسطين (هل أحدٌ يتذكرها الآن؟) إلى الجزائر و.. البقية تتبع!

هل رأيتم أبو قتيبة يخطب في أحد جوامع لندن ويهاجم الحضارة الغربية ؟ وهل رأيتم أبو سياف الفلبيني الذي أكد مع زعيم الجماعة الإسلامية في الشيشان أصلان مسخادوف أن الله فرض على المسلمين ثلاث صلوات يومياً ؟ وهل رأيتم أو سمعتم راشد الغنوشي في تونس  وسيد قطب في مصر يقول أولهما موضحا برنامج ”نهضته“ لتطبيق الحكم الإسلامي في تونس : ” تطهير العالم من الكفر“ و” توجهات الإسلام هي في الحرص على مخالفة الكفار حتى اعتبر شيخ الإسلام (ابن تيمية) ذلك مقصدا من مقاصد الشريعة“ (الحريات العامة في الدولة الإسلامية. ص 21 و25 بيروت 1993) ويؤكد أيمن الظواهري في كتاب ” الفرسان تحت راية النبي “ 2000 : تحرير فلسطين هدف ثانوي للقاعدة، ولكننا مضطرون لتبنيه لأن الجماهير لا تفهم، ولابد لها من وقت طويل لكي تفهم هدفنا الأساسي وهو ” الولاء والبراء[1] “ أي ”الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين و معبوداتهم“ ومؤسساتهم وعلومهم وخاصة الإنسانية وقيمهم العقلانية )[2] . ؟ وهل رأيتم جميع الذين أفرزهم الإسلام المعاصر على شاشة الفظائعيات العربية ؟ واحدٌ من هؤلاء في مصر حلّل الاغتصاب للمرأة السافرة! واحدٌ آخرٌ دعا لأكل الكفار،  واحدٌ آخر في الجزائر سلقَ امرأة (نعم سلقها!) وأكل منها أعضائها إلا  .. ما حرّمت الشريعة أكله! صدق أو لا تصدق !

هل من مزيد؟

هل سمعتم عما قاله الأمين العام للتجمع الإسلامي السلفي في الكويت في حواره مع صحيفة الخليج قبل عام أو أقل  فيما يخص موضوع نيابة المرأة للمجالس المحلية والبرلمان: لا تجوز لأن المرأة ناقصة عقل ودين ؟

هل تتابعون ما " تدلقه " قناة (  إقرأ )  ومن لف لفها من الفظائعيات العربية ، من فكر جاهل  تعجز عن اختراقه أعتى المعادلات الرياضية والفلسفية ، ليس لأنه يمتلك أدوات الفكر الحقيقي المتماسك بل لأنه أوهى من أبسط مقولات الفكر الحقيقي ، ولكن ما تفعل إذا كان من يدلقه أمامك يتسلح بسيوف الإلغاء والقتل والنفي الفكري والنفسي للآخر مستخدماً السلاح الأبسط في عقول الناس : النص المقدس ، سواء كان نصاً إسلامياً أم يهودياً أم مسيحياً ً ؟؟ فماذا إذا كان الموضوع يتعلق بالمرأة ؟

المرأة التي بفضل الديانات السماوية جميعها ومنذ انتصار الذكور على الخلق الطبيعي للأشياء تحولت لكائن أو شيء من الدرجة الثانية  أو العاشرة ، فالعبرانيون الذين صدَّروا أسطورة الخلق وقصة هبوط جنس آدم من السماء ـ ربما بالباراشوت ـ في شكل درامي مؤثر إلى الديانات التالية منقولة بشكل مشوه من الأساطير السورية والرافدية الأولى فكتبوا في توراتهم المقدسة ما يجعل المرأة كائناً يستحق الشنق كل ليلة ، فتجد فيها ( فوجدت أمـرَّ من الموت المرأة التي هي شباك وقلبها إشراك ويداها قيود ـ  الصالح قدام الله ينجو منها ـ أما الخاطئ فيؤخذ بها " ـ سفر الجامعة 7: 26 ) و تجد كذلك ( من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت جميعاًـ يوشع 25/1  )  ونقلت المسيحية العقدة إليها في كلام الحواريين رغم أن المسيح بشكل عام كان أكثر حضارية في تعامله مع المرأة ، ورد في رسالة بولس الأولى إلى تيماثاوس :  (  بل لست آذن للمرأة أن تعـَّلم و لا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت لأن آدم جعل أولاً لم يغو ولكن المرأة أغويت . 2: 9 ) وتابع الإسلام المسيرة ذاتها فنظر إليها النظرة الدونية ذاتها وتكاملت لديه ـ كما يقول الراحل هادي العلوي ـ ذكوريته مع جنسانية شريعته القائمة على الافتراض الذكوري بأولوية الغريزة الجنسية ومجاراتها دون اعتبار لإرادة الإنسان أو الوازع الديني أو التربوي أو الأخلاقي ، ورد في القرآن مثلاً   ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا . 34 / النساء ) كذلك     (   نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى  شئتم (البقرة: 223)  وإذا كان النص القرآني يبدو ظاهرياً أقل النصوص سوءاً في التعامل مع المرأة فإن ممارسات وفتاوى الفقهاء التاليين لمحمد قد جعلت الإسلام أسوأ من غيره من الأديان الأخرى .

في الجهة الأخرى من العالم ـ الغرب ـ لم تكن التشريعات أقل سوءاً حتى السنوات التالية للحرب العالمية الثانية وعبر تاريخها مارست أوروبا سياسة همجية تجاه المرأة حتى تدخلت الثورة الصناعية فغيرت القوالب والأنظمة وحررت المرأة باتجاه تغريب الجميع عن الفعل والدخول مطمئنين تحت خيمة الاغتراب النفسي والمجتمعي ، فتجد في الفكر الغربي تاريخياً من الفتاوى التي طالت المرأة ما تخجل منه الطبيعة ذاتها  وحتى كبار المفكرين الذين يعتبرون آباء النهضة الأوروأميركية من أمثال روسو و مونتييسكو وغيرهما كانا من ألد أعداء تعليم المرأة وحتى القوانين الوضعية وجميعها تربى في حضن الفكر الكنسي ، مثلاً صدر في إنكلترا أمر ملكي في عهد هنري الثامن يحظر على المرأة قراءة الكتاب المقدس ولم يفك هذا الحظر إلى  ما بعد عام 1882 ، كما لم تمنع الكنيسة البريطانية إعارة الزوج لزوجته لغيره حتى عام 1486 حين أصدر الملك فردناند الكاثوليكي مرسوماً منع فيه ذلك .

تغير الحال في الغرب كثيراً واستطاعت المرأة أن تتجاوز الكثير من الإشكالات القانونية  والإنسانية والتربوية لتصل إلى مرحلة متطورة في التعامل مع العالم ولو أن هذا التطور خلق مشكلات جديدة إلا أنه وبالإجمال فإن المرأة في الغرب لا تقارن بمثيلاتها في العالم الإسلامي في حين لا زلنا نتمسك ’ بالخرقة وحد السيف ‘ ليومنا هذا وعلى ما يبدو أننا لن تنخلى عن تخلفنا مهما كانت المغريات أو  الضرائب التي سندفعها نحن أو الأجيال التالية .

 

 

2- رهانات الحاضر : قراءة سورية خاصة

لمن لم يسمع بهذا الاسم نعرفه عليه : منيرة القبيسي واحدة من رائدات العمل الإسلامي السوري الأصولي (السلفي الممزوج برؤية صوفية ارتكاسية )  بامتياز، ونشاطها يمتد عبر أنحاء سورية ويتركز بين دمشق وحمص بالدرجة الأولى كما يمتد عبر العالم العربي والإسلامي حيث انتشرت هذه الجماعة في بعض دول الخليج ( مثل الكويت و قطر ) ومصر ولبــنان والأردن وأميركا كما قيل ونشر.

شكلت هذه المرأة إشكالية كبيرة للفقهاء الدينيين في الجزيرة العربية فمنهم من رأى تكفيرها ومنهم من أثنى على عملها ، ومنهم من اهتم بالبحث عن تفاصيل كثيرة في حياتها وهذه التفاصيل لمن يهتم بأمرها موجودة على الروابط التالية ([3])    .

تطرح هذه المسألة الجانب الآخر من الرؤية لإشكالية المرأة والحياة ،كما هي جزء من إشكالية الإنسان الحياة ،  وهي التي تصدر عن المرأة ذاتها وكيف ترى نفسها في مرآة العالم ، وكيف تمارس هي ذاتها ـ بفعل عوامل كثيرة ـ تسلطها وظلمها لنفسها ولمن حولها ولبنات جنسها .

  تملك منيرة القبيسي مشروعاً فكرياً مستنداً على رؤية وهابية سلفية ( بالمصطلح ) تقوم على ضرورة جذب المرأة إلى الإسلام وتربيتها من خلال الندوات النسائية أو الصالونات التي تتداول الفكر الإسلامي التقليدي وتعيث فيه تنقيباً وبحثاً عن الأخلاقيات التي يجب على المرأة القيام به حتى تكون مسلمة صالحة وتضمن مقعداً في الجنة ، والأخلاقيات هي الهاجس الأساسي لهذه الندوات وهي كذلك تتفرع إلى جملة منظومات تتشعب إلى كل جوانب الحياة من الطبخ وانتهاء بالأزياء واحتياطات الدورة الشهرية للمرأة المسلمة .

المنهج الفكري الذي تتبعه هذه الندوات التي تتم في الجانب غير المضاء  من المجتمع وبانتشار النار في الهشيم ولسنوات طويلة تراها السلطة العلمانية (!)  وتتفرج عليها طالما لم تدخل في الجانب السياسي وهو الأمر الذي سيكون في التالي من الأحداث تحصيل حاصل والسبب هو في كون الأخلاقيات المذكورة فرع من جزء كلي هو الإسلام الممنهج  على طريقة الوهابية .

هذا النهج الفكري في التربية يستمد قوته أولاً من كونه ’مسلماً ‘ أولاً وتعني هذه العبارة أن مجرد ارتباط النهج بالإسلام كافٍ لعدم الدخول في لعبة الشك المعرفي خاصة لأجيال النساء اللواتي تربين في ظل البعث ـ أو في ظل البيوت وانعدام المشاركة في أي شيء ـ  وكلا الظلين قائمين على التسليم بقضاء المرأة وقدرها خاصة في سنوات البعث الأخيرة من نهاية الثمانينات للآن وتوقف المشروع التطويري للبعث فيما يتعلق بالمرأة والاكتفاء بترديد الشعارات وانتقاء عدة نساء للدخول في البرلمان السوري على قائمة الجبهة الوطنية التقدمية التي تشبه انتخاباتها انتخابات أي هيئة سورية أخرى .

في ظل البيوت يكتسب مشروع القبيسي راهنية أكبر على عدة جوانب :

الأول أن المرأة في المنزل هي مجرد كائن متلقي غير فاعل يمارس التكرار اليومي ضمن السجون المنزلية وضمن قناعة في اللاوعي الجمعي أن الله يريد ذلك وأن المرأة الصالحة خلقت للمنزل فقط ، و إن كانت هذه الرؤى من مخلفات القرن الماضي والذي قبله فإنها تعود اليوم لتكتسب مشروعية حقيقية ضمن الإطار العام الإسلامي الذي يمارس التكفير على الأشجار والأنهار والشوارع والبنايات والهواء وعلى البني آدميين ، وينقل الرجل هذه المشروعية في لا وعيه ووعيه الجمعي والفردي إلى مكانه الأكثر إظهاراً لسيطرته : منزله ، فيربي أولاده على هذا النهج ’الصالح‘ ويكسب هو الآخر مقعداً دائماً في الجنة . كل هذا يتضاعف ثوابه إذا خرجت المرأة من منزلها ابتغاء العلم الديني والتفقه في علوم الدين( وهذه أجازها الفقهاء ) كي تعود هي الأخرى وتمارس على أولادها نمطها الفكري في الصلاح المجتمعي ، ومن نافلة القول أن هذا الخروج الذي يرضي الذكر الإسلامي يجب أن لا يتعارض مع  الواجبات المنزلية وحقيقة هذه نقطة تحسب هذه الندوات حسابها فتتم اجتماعاتها في الصباح الباكر بين التاسعة والواحدة أو مساء بين الرابعة  والسابعة أي قبل موعدي الغداء والعشاء تبعاً للظروف .

ماهي السمات العامة لهذا الفكر بعد الحديث عن المحيط الذي ينتجه وعن أسبابه ؟؟

السمات العامة هي العامل الثاني في قوة هذا النهج الفكري ، فالسطحية هي العنوان الرئيسي لأي موضوع يتم تناوله :

1-  التاريخ الإسلامي : كما كتبه سدنة الفكر الوهابي والمليء لحد التخمة (وهو ما يهمنا الآن فيه ) بتقديس شخصيات نسائية التزمت مع النبي محمد وصحبه بالنهج الإسلامي في  محاربة الكافرين وقتالهم ثم العودة إلى المنزل ، وضعن الحجاب حين اضطررن للخروج من المنزل ولبسن البرقع من أعلى رؤوسهن حتى آخر مليمتر من أقدامهن وكن نظيفات حين آتاهن أزواجهن بعد العودة من المعركة .. الخ الخ ، ليس هناك مراجعة نقدية لهذا التاريخ ، وما كتبه البخاري أو البوطي سواء في الصحة لايحتمل سوى التصديق ورفض الشك مهما صغر، والجماعة لها عدة كتب (من تأليفهن) تعتمد للتدريس منها:

" عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة"  تأليف سعاد ميبر، " فقه العبادات على المذهب الحنبلي"  تأليف الحاجّة سعاد زرزور، كذلك كتب محمد بن عبد الوهاب المتوفرة جداً وبما أنهن حداثويات يقرأن كتب البوطي شيخ الأصولية السورية بلا منازع من طراز "عائشة أم المؤمنين" أو "هذه مشكلاتهم"  أو فتاويه التي تمتلئ بها حتى جرائد حيطان المدارس الشرعية السورية المسماة بمدارس الأسد لتحفيظ القرآن الكريم .

والنتيجة الأولية هي إنتاج متكررـ من جهة ـ لنمط إسلاموي عقيم في الحوار وفي الإنتاج وفي الحياة ، فالشخصيات التي تنتج عنه هي شخصيات مستلبة متغربة عن المجتمع لجهة تكفير المجتمع أولاً  وثانياً لجهة افتراق الطابع العام للمجتمع عن هذه الأيديولوجيات بسبب التنافر الزمني والفكري والذي يعمقه اتساعاً الاقتصاد المتدهور يوماً بعد آخر ولعل هذا الأمر  يقسم المجتمع إلى قسمين يتجهان فيما يتعلق الأمر بالمرأة باتجاهين متعاكسين تماماً وكلاهما نتيجة واحدة للاقتصاد : انتشار العهر الجسدي الذي نلمحه حقيقة في أغلب المدن السورية علناً (في المراكز:دمشق وحلب ) أو بالخفاء الجزئي  (بقية المدن ) ومشوار واحد في ليل دمشق يكفي كي تجد التعري في الشارع إلى جوار الغطاء الكلي وهناك ما يشبه المؤسسات التي تقوم بتأمين النساء لمن يرغب وبأسعار شعبية  (الليلة الواحدة بين المئتين والخمسمائة وتختلف الأسعار هبوطاً وصعوداً حسب" البضاعة " وجودتها وهل هي جديدة  أم مستعملة ) .


 

2- الفقه الإسلامي : ليس هذا الفقه بأحسن حالاً من تاريخه  فما كتبه ابن تيمية ومن بعده حديثاً ابن باز و البوطي هو العمود الفقري لهذه الحركات -  الندوات ، وغني عن القول أن هذه المساحة الفقهية مليئة لحد القرف بما يجعل مجرد الاقتراب منها ولإنسان مثل المرأة كافياً لتحويلها إلى كتلة حقد على الآخر والمرأة في الطليعة فهولاء الفقهاء نتاج مرحلة الانكسار العربية في القرون الوسطى يعودون اليوم إلى نفس المكان والساحة ، وكنموذج يومي فقهي : السلام اليومي على أي كان الذي يحتم عليه أن يمر بالمطهر النفسي الفكري حتى يتم : أن تكون التي ستسلم المرأة عليها محجبة أولاً ، وثانياً عارفة بمعنى السلام ، وثالثاً من الطائفة الميمونة ، ورابعاً لا سلام على الرجال مهما كان السبب ( وأذكر أن امرأة خريجة جامعة الملك حسين في عمان وفي حفل التخرج أواخر الثمانينات  مد الملك الراحل حسين يده للسلام عليها فاعتذرت ولم تسلم عليه ليس لأنها متوضئة كما يستشف من توقيت الحدث بل لأن السلام لا يجوز على المرأة درئاً للشبهات ! و لك أن تحزر الحرج الذي أصاب الملك لجهة مخالفته الشريعة أولاً ولجهة معرفة امرأة بالشريعة و.. أصابت امرأة وأخطأ الملك !) عداك طبعاً عن آلاف الأحكام الفقهية التي تنظم حياة المسلمة من لحظة استيقاظها حتى لحظة نومها وعبوراً في أحلامها .

علاقة المرأة المتفقهة مع المرأة الأخرى تتضح مع الخارج ( الكافر) يمكنك أن تراها في التعاملات اليومية كعيادات الأطباء والصيادلة والمؤسسات كالنفوس ومعاملات حصر الإرث وغيرها والنماذج التالية توضح هذه النظرات والتي ليس لها مصدر سوى المشاهدات الشخصية والتواتر الإخباري بين الناس ( في عيادة طبيب لاذقي ـ نسبة للاذقية ـ قالت امرأة ترتدي جلباب يغطيها كلها بما في ذلك يديها لامرأة محجبة أمامها ترتدي (الإيشارب ) : أنت عاهرة (طبعاً يمكن ًأن تحزر التقييم الأخلاقي لمن ليست محجبة ) ، ومصدر الحديث هذا نقلاً عن امرأة كانت حاضرة للقاء ) ، واقعة أخرى حدثت في دمشق فقد تسبب  هواء شديد في نزع حجابها عن رأسها فما كان منها إلا أن رفعت جلبابها لتغطي رأسها ! والواقعة تداولتها الأوساط السورية منذ فترة ، ويمكن متابعة الموضوع من خلال روابط عديدة على الأنترنيت ورؤية مدى استفحال نظرية التكفير على قفا من يشيل .

ما تستقرأه من الوقائع اليومية هو طريقة تفكير ( عامة ) تقريباً تضع النص المنتج من قبل بشر  فوق كل اعتبار منطقي عقلاني ، ومهما كان مصدر النص سواء قرآني وهو القليل مقابل النص المشيخي الفقهي اللازم أكثر من القرآني ذاته ، فكلام الشيخ أقدس بما لا يقارن .

المرأة شريكة إذاً في تحويلها لمجرد كائن أقصى ما فيه من التفكير أن تردد ما يقوله النص أو تقوله جارتها المتفقهة من طراز القبيسي ولأنه ليس من حق المرأة الإفتاء فقد طرحت إحدى الأخوات المصريات كلاماً لاذعاً بحق كل من العفيف الأخضر وسيد القمني في طرحهما حول ضرورة تجاوز بعض النصوص الإسلامية التي تحقر من شأن المرأة ولولا قليل لكفـَّرن الرجلين .

3- عن الأخلاقيات والألغام : العنصر الثالث في هذه الندوات وهو الأهم والذي يتسرب من كل حديث هو الأخلاقيات المفزعة التي على المرأة المسلمة إتباعها كي تكون على لائحة الحاجزين إلى الفردوس بطائرة العفة والطهارة ، وكي لا تقع ضحية المؤامرة العالمية المعولمة علينا والتي نقف منها ـ موقف الأهبل العاجز المتخبط  .

يشكل الجنس الأرضية التي تنطلق منها كل المناقشات حول العلاقة الأخلاقية للمرأة بالمجتمع والتي بسببها أيضاً يسقط يومياً وعلى مدار العالم الإسلامي مئات القتلى والمسجونين ( ذكرت الصحف الأردنية أن جرائم الشرف فاقت حوادث السير في العاصمة الأردنية التي تعتبر وبالمقياس السكاني مدينة وعاصمة لها نظام أخلاقي مديني وبنسبة مشابهة في سوريا ) .

سنقرأ في التالي موقفين لنساء عربيات لهما علاقة بموضوع الجنس ( والحدثين نقلاً عن مقال لعلي ديوب في صحيفة الثورة السورية 22/1/2005 )الأول أن الفنانة العربية الكبيرة جداً أصالة نصري أسست جمعية لمناهضة التعري ، لاحظوا الكلمة  (مناهضة  التعري  ) التي تذكر بمناهضة العنصرية أو الإيدز أو التمييز في الحقوق ، أو حتى تذكر بالمكافحة التابعة للجمارك السورية  والتي تختص بالمهربين الصغار ، والخبر يقدم صورة عن طريقة تعامل المرأة            ( النخبوية ربما ) مع موضوع يقترب من الجنس وخاصة أن هذا الموضوع قد صار بفضل رعاية جامعة روتانا للعهر من لوازم الغناء العربي ، التعامل الفوقي من جهة ، والنظرة الأخلاقية له من جهة ثانية تجعل من الجمعية استمراراً لعمل القبيسي وستقع أصالة في التعارض معها لأن الغناء محرم لدى القبيسي  والاكتفاء بالأغاني الدينية لهالة الصباغ يحقق الحاجة من الغناء ( راجع فتوى مجمع الإفتاء السعودي في موقع صيد الفوائد عن الغناء) .

لن نسأل من أين جاءت فنانتنا بهذه العبقرية التاريخية والمرحلة التي نمر فيها ـ كالعادة تاريخية ـ 

ولكن نسأل فنانتنا السؤال الذي لم يتجرأ أن يطرحه أو ربما لا يعرفه الصحفي الرائع علي ديوب : ترى لو لم تكن أصالة قد أجرت عمليات تجميل على ساقيها وغير ساقيها هل كانت تؤسس  مثل هكذا جمعية أم كانت تلحق بالتيار خاصة وأنها أحد رواد روتانا الأوائل  ؟؟ السؤال ينفذ إلى الجانب الآخر من النهر : مع كل ما يحدث على أرض العرب هل الأولوية لمناهضة التعري أم لمناهضة الصورة النمطية التي تقدم للمرأة إعلامياً على سطح الفظائعيات العربية من جهة وأمام العالم من جهة ثانية  (تضمن المعرض السعودي عن المرأة والسعودية في باريس وفي محاولة لتقديم صورة أفضل للمرأة السعودية صورة يتيمة لامرأة مغطاة بالكامل عدا جزء من عينيها  ) ؟؟

الخبر الثاني أن مجموعة من النساء القطريات ( ناهضن ) زيارة المخرجة إيناس الدغيدي إلى بلدهن عقاباً لها على موقفها من المرأة وطرحها الجريء لمشاكل المرأة .

هل من داع لمزيد من الكلام حول الخبر : المرأة ضد حريتها وضد كل من يحاول النيل من               ( طهارتها الأخلاقية الدينية) ولو كان هذا الآخر المرأة ذاتها (المنشقة والمارقة والكافرة والعاهرة) ، ربما قد تختلف مع المخرجة ولكن هل تصل الأمور بك إلى إلغائها ؟؟؟

السؤال السابق خطأ ، فليس هناك آخر بمعنى الآخر في النص الإسلامي أولاً وفي الفكر الوهابي ثانياً وفي طريقة تعامل دعاة وأصحاب الفكر الإسلامي هذا مع الآخر ثالثاً : هناك فقط ثنائية المؤمن – الكافر وفق  مسطرة شروط وضعتها طريقتهم في التفكير وما عداها مجرد تجديف على الإسلام .

نقرأ في ما كتبته زينب الغزالي وهي إحدى الناشطات الأخوانيات السورية والتي اعتقلت لسنوات في سجن تدمروقطنا و صيدنايا وهاجرت من ثم لخارج البلد وتمارس دعوتها من خلال الانترنت :

" عدم التطبيق العملي للأحكام الشرعية في التعامل مع الآخرين : حيث أن المنتسبة إلى هذه الواجهات الإسلامية لا يعنيها سوى حضورها المهرجانات التي تعقد هنا وهناك ، وتعتبر حضورها هذه التجمعات قمة العمل للإسلام فهي تعنى بالمظاهر والقشور دون حرصها على أن تكون متميزة بشخصيتها الإسلامية التي تطبق الإسلام بكلياته ,جوهراً ومظهراً , في نفسها وبيتها وأولادها ".

تطرح هذه المرأة وبجرأة مشكلات الدعوة الجديدة فإضافة إلى تبرير فكرة الدعوة تنتقل إلى عناصرها لتبحث في الأفضل لهذه الدعوة وتقارنها  مع غير الإسلامي كي تحرك في المرأة المسلمة مشاعر الغيرة والاقتداء والتحول بالتالي للنمط الإسلامي السليم كما تراه .

تبرز هنا مقارنة بين زينب الممثلة لجيل الدعوة الجديدة ومن سبقها خاصة ( طرح الجيل الجديد لمواضيع أكثر جرأة  كالمواضيع الجنسية ) واستخدام  التقنيات الحديثة في توصيل الفكرة كاستخدام السيديات والحاسب وغيرها ،  كذلك تبرز مقارنة بين تزامن جيلين يختلفان في الاستماع إلى  عمرو خالد ( والذي كفَّـر أفلاطون ) أو متولي شعراوي وهو النمط المختلف لرجلين الأول يرتدي ثياب أوربية وحليق الذقن والثاني بلحية ولباس إسلامي فيبدو الأول أكثر قرباً للجيل الجديد الشبابي بأعمار العشرينات وما قبل من الثاني الأقرب بنمطه التقليدي المعروف للجيل الأكبر .

تخلص هذه القراءة الأولية إلى نتيجة مفادها أن تحول الإسلام بفعل عوامل اقتصادية وسياسية ومجتمعية ليكون كلمة السر ـ الشافية لمجتمعات المدن العربية قد قاد المرأة لوضع لا تحسد عليه ، فهي قد تخلت طواعية عن كل النتائج الجيدة التي أحرزها نضالها السابق وعادت إلى مرحلة ما قبل قاسم أمين ( الذي تكفره زينب الغزالي مع هدى شعراوي ) وهي أشد اقتناعاً أن الإسلام هو الحل ، وأنه الملجأ الذي يقدم لها السكينة الروحية والمكان الذي تحلم به ، وبالنسبة للمرأة الريفية فالنتائج التي نالتها بفضل ومنة السلطة وطبيعة الريف ذاته لا زالت أقل تراجعاً من المدينية .

وكنموذج للمقارنة أصدر مجمع الإفتاء السعودي فتوى بتحريم ( تخصير العباءة النسائية ) وذلك لأن ذلك مدعاة للتسبب بلفت النظر والخروج عن الاحتشام فالتخصير قد يوضح لمن ينظر محدقاً في المرأة المتخصرة شكل الجسم النسائي ويشعل فيه غريزته ، والموضوع كما نرى كالعادة يتعلق بالجنس ، الأدهى من ذلك فتوى تكفر النساء اللاتي يرتدين الجلابيب القصيرة (أي يمكن أن ترى حذاء المرأة ) لنفس السبب ، وكأن على المسلمات الصالحات أن يبقين في لباسهن الأسود الشهير إلى يوم القيامة والذي ليس من القرآن وليس مفروضاً ولو أن هذا الأمر يشكل كذلك إشكالية أخرى في إشكاليات الإسلام ذاته ( كنت أتساءل أنه  إذا كان الله سيبعث الناس يوم القيامة عراة ، فلماذا هذا الإصرار على إلباس نساءنا هذا الشادر؟ وسؤال آخر: طالما يفترض رجال الدين أن الله يحب اللون الأسود لهذه الدرجة ،فلماذا لم يخلق العالم كله بنفس اللون ، وأين هي معجزاته إن لم تكن في التنوع والاختلاف ؟؟؟ )

وحالياً ترتدي النساء المحجبات نقاباً يتألف من طبقتين الظاهرة للعيان سوداء ( وقد ظهرت فتوى تحدد أبعاد هذه الطبقة وتمنع زيادة الفراغ فيها فما يسمح به الله والفقهاء للرؤية هو من طرف العين لطرفها فقط أي على خطين  مستقيمين والذين يمكن أن يلتقيا بإذن الله كما تقول فتوى سعودية ) والطبقة التحتانية بيضاء تلف الرأس تقوم كذلك بمهمة العزل ، ولمن يريد التخيل أن يفعل الآن   .

آخر ما نذكره هنا فتوى كانت إجابة على سؤال من امرأة سعودية : هل يجوز للمرأة التعري أمام الكلب ؟؟ كانت الإجابة من المفتي : تجوز ولكن بشرط أن يكون جنس الكلب أنثى . انتهت الفتوى

3- رهانات المستقبل : قراءة عربية

لا يمكن فصل قضية المرأة أو مشكلتها عن بقية مشاكل قطاعات المجتمع العربي والتي جميعها تعاني من مشاكل كثيرة ، والظلم الواقع على المرأة العربية  له ما يشبهه على الرجل العربي والقياس الصحيح يقتضي البحث عن حلول ناجعة لهذه المشكلات معاً فلا يمكن إصلاح جزء من محرك السفينة وترك الباقي لا يعمل .

يجد الرجال العرب متنفساً لهم من الظلم والضياع والاغتراب في ممارسة نفس الظلم أو أقسى منه على الكائن الذي يشاركهم أوجاعهم ولكن ( ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس/ من وقع الحسام المهند ) ، من هنا نشدد على ضرورة عدم الفصل المعرفي في استقراء أحوال المجتمع العربي من جهة ومن جهة ثانية نؤكد على المنظمات النسائية العربية ضرورة الربط الدائم بين حال جناحي المجتمع لعل هذا يفيد في تحريك المجتمع أو تحريره من جزء من مشاكله ولو أن الآتي يبدو قاتماً خاصة مع تراجع كلا طرفي النزاع ـ إن جاز التعبير ـ إلى متاريس بداية القرن، ومن جهة ثالثة التأكيد على تمايز مشكلات المجتمع العربي عن غيره من المجتمعات وهذا يتطلب البحث في البقاع التي تتركز فيها هذه المشاكل فقبل  الحديث عن حقوق المرأة يجب توعية المرأة بهذه الحقوق ، وللأسف نعود في بداية القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية إلى بداية القرن الماضي في تعاملنا جميعاً مع الأحداث والتطورات والأفكار .

يتزايد العرب بمعدل أعلى من  أي نسبة عالمية فقد بلغ المعدل العربي للزيادة السكانية بين 2000- 2006 بالمتوسط 2.6 % مقابل 1.7 في العالم ( المرجع الرئيسي هو التقرير الاقتصادي العربي الموحد ) وعلى الرغم من جهود الأمم المتحدة والحكومات العربية والمنظمات النسائية وغيرها فإن الزيادة مستمرة ويرجع السبب الرئيسي لانخفاض معدلات الوفيات وتحسن الوضع الصحي وارتفاع معدلات الخصوبة خاصة مع الزواج المبكر جداً في العديد من الأقطار العربية ، والعامل الأهم المخفي في الذاكرة الجمعية العربية هو الإيمان بأن موضوع الأولاد أمر يخص الله فهو الذي يخلق وهو الذي يرزق حيث يرفض الإسلام والمسيحية معاً الالتزام بعدد أولاد محدد ، تقول زينب الغزالي :

في كثير من الدول العربية تطل علينا وسائل الإعلام وبصور مختلفة من دعاية وإعلان تحرض كلها على تقليل عدد الأبناء وتعرض بأساليب جذابة صوراً لأسرة مكونة من الأب والأم وابن وبنت وعلى الأكثر صوراً لأم وأب وابنين وبنتين ، وتبين أن هذا العدد القليل من الأولاد هو من أسباب الرفاهية لهذه الأسرة ، بعكس ما لو كان عدد أفراد الأسرة كثيراً . ناهيك عن عرض الصور الجذابة للمرأة التي تحدد النسل ، وكل هذه الدعايات لن تقلب الأمور رأساً على عقب لأن حب الأمومة والطفولة أمر غريزي في الإنسان .

وهذه التوجهات ما هي إلا تقليد للغرب ولذلك كانت أول قضية نوقشت في مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة سنة 1994 هي مسألة تحديد النسل فحسب زعمهم إن البشرية إذا بقيت تتوالد بنسب عالية فإنه سيأتي يوم لا تفي هذه الأرض باحتياجات البشر . ونسي هؤلاء أن الله تعالى خلق الكون وقدر في الأرض أقواتها إلى يوم القيامة ، وأن الأرزاق بيد الله تعالى وحده وليس لأحد من البشر التدخل في القوانين الإلهية التي تضمن لكل مخلوق رزقه على هذه الأرض فقد قال تعالى :( وَفِي الله السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ انهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا إنكم تَنْطِقُونَ ). 4.12 ) وقال أيضاً  :( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ).

هذا الاستقراء مشكلته انه ناجز بمعنى أنه لا يمكن الجدل فيه طالما دخل النص المقدس في صياغته ، ويصعب أكثر الدخول في محاورته لارتكازه على فكر طفولي المنشأ لا يستطيع أن يرى أبعد من ترداد المقولات القديمة للجدات متناسياً التطور التسارعي للعالم،  وأن التطور العلمي والعملي لما يعد يقتضي من المرأة لعب الدور الرسالي المزعوم وأن قيمة الإنسان لا يجب أن تجيـَّر لصالح الآخر أياً كان هذا الآخر، هذا من جهة ومن ثانية فإن هذا الطرح الوجودي الفاقع يجعل من النساء أشبه بأدوات تفريخ  وذلك لعدة أسباب بسيطة أولها ما هو العلم الذي ستقدمه هذه المرأة لأولادها إذا كانت معزولة عن العالم وعن تطوراته ؟ وثانيها ما هي التربية التي ستنفذها هذه الجهبوذة على العدد الكبير من الأولاد ، و لا بد من التذكير أن موضوع عمل المرأة الذي يتهم بأنه سبب كبير في جزء من بطالة الرجال هو مجرد وهم حقيقي لأنه ليس من المنطقي بحال من الأحوال أن تضع مكان مهندسة شنتيراً  لم يتابع تعليمه لأنه لا يحب العلم ، و لا يعقل كذلك مع توسع الأعمال أن تسلم حاسباً لرجل لا يعرف قيادة حمار في حين تتفوق آلاف النساء عليه ، وكل ذلك تحت مسعى أن المرأة خلقت للبيت ولو كان هذا الكلام صحيحاً لما خرجت عائشة زوجة محمد الأثيرة تدافع عن عثمان ابن عفان في وجه غريمها الأبدي علي بن أبي طالب .

وتصر زينب الغزالي ـ أمد الله بعمرها ـ دائماً على ترداد كلمة ( مملكة المرأة التي كانت تتربع على عرشها وتجعل منها ملكة في بيتها ) وأن خروج المرأة المسلمة للعمل هو أكبر كارثة لحقت بأخلاق وقيم المرأة وعفتها وطهارتها ، وتتناسى زينب أن تلك المملكة كانت  وسترجع إلى خرابها إن عادت لما سلف بسبب أو بآخر ، فإن كان من الرجال فإن هؤلاء الرجال لن يكونوا قادرين على الإبداع في أي مجال حياتي ليس فقط بسبب غياب المرأة عن مجالهم الحيوي ، بل لأن تربيتهم في الأصل لن تكون ناجحة ( يمكن مراجعة أبحاث مركز تنمية المرأة العربية " كوثر " حيث بينت دراسة لمنى فياض أن الأسر التي يكون فيها الوالدان متعلمين تعليماً عالياً أكثر قدرة على تنمية جوانب الإبداع عند أولادهما وهذه حقيقة تسندها الأرقام ففي سورية مثلاً يتميز الساحل السوري بارتفاع نسبة المهندسين والأطباء من جيل السبعينات والثمانينات لأن معظم آباء هذا الجيل نتاج الجامعات السورية وتقل هذه النسبة جداً في المجتمعات المغلقة كمجتمعات الجزيرة السورية و إدلب وحماة  ) ، وعدا عن موضوع التربية فإن الغناء الدائم أن المرأة خلقت لبيتها وهي حكاية اختلقها الإسلام وصدقها لم تكن في يوم من الأيام مستندة على أرض صلبة فالمرأة الريفية وهي الغالبة على المجتمع العربي ظلت طوال حياتها مع الرجل في الأرض تمارس الزراعة والحصاد والجني وغيره  ولم تكن حبيسة المملكة الفاضلة ،وهنا نذكر مع الدكتور خضر زكريا([4] ) أن هذا القطاع الاقتصادي هو أكثر القطاعات العربية الذي تعمل فيه المرأة وهو الأكثر هضماً لحقوقها إلى جوار قطاعات الهامشية الأخرى حيث تبدو المرأة مهمشة وغير موجودة على خارطة مطالبات الجمعيات النسائية العربية ،  ويبقى التأكيد على أن الحياة أسمى بما لا يقارن من النصوص المقدسة التي نشأت في زمان ومكان مختلفين .

إن موضوعة الداعيات الإسلاميات دائماً تعود لترتبط بالجنس ، تلف وتدور وتنصب على ( العفة والطهارة والتبتل والمكانة الرفيعة ) للمرأة التي فقدتها بالخروج من الباستيل التاريخي لوجودها ، وتتناسى أو لا تعرف هذه الداعيات أن الحجر الصحي هذا للمرأة هو ألعن بمليون مرة من الخروج إلى العالم ، لنقرأ هذه الواقعة التي حدثت في مدينة سورية وسطى تشتهر بكونها ممن يطبقون ما تقوله زينب الغزالي وهي واقعة رواها الشارع السوري ذي الثقافة الشفهية المرتفعة : فقد طلبت زوجة احدهم من زوجها السماح لها بإحضار مدرِّسة لتدريسها القرآن والسنة ، فوافق الرجل ، فكان كلما خرج من الدار تأتي امرأة محجبة بالكامل لمنزله ولا تخرج إلا مع مجيئه بعد أن تهرول أمامه صوب الباب ، حتى جاء اليوم الموعود وعاد الرجل من عمله باكراً ليسمع من غرفة نومه أصوات تأوهات واختلاجات ، يتحرك الدم في جسده ويدفع الباب المغلق ليجد المدرسة والتلميذة في وضع ( المطالعة الكاملة ) كما جاء الله بآدم إلى الحياة وبرفقته الآنسة حواء ( السيدة فيما بعد ) ، لم تكن المدرسة المزعومة سوى رجل ، نتيجة الاكتشاف كانت مقتل المدرس والزوجة الخائنة وقضاء الزوج بضعة أشهر في السجن .

تمتلئ الحياة بأمثلة تنشرها الصحف  والمجلات العربية عن نساء ـ داخل وخارج ـ المنزل يتعرضن للاغتصاب والمشاكل ، كذلك الرجال وهي حالات تفرضها طبيعة المجتمع أولاً وقد كانت موجودة فيما مضى ولكن لم يكن هناك إعلام ولو أن بعض الكتب قد أرخت لها ، ويفرضها ثانياً تنوع المجتمع  وتواجد شرائح كثيرة مختلفة المشارب والميول والطرائق في التعامل مع الأحداث ، الأمر الذي يؤكد أمرين :

الأول ضرورة العمل على إقرار مناهج تربية تعليمية تعرف كيف تقدم لكل من الرجل والمرأة الآخر وفق معايير العلم والحياة والفلسفة والدين المتحرر من ربقة اللاهوتيين المتحجرين والمتخلفين رجالاً  ونساءً ،من طراز الغزالي والبوطي وغيرهم مع الاعتراف الكامل بحق الاختلاف ولكن دون حق الإلغاء لأي كان .

الثاني الاعتراف أن المؤسسة الدينية الحالية تحتاج لمراجعة نقدية هائلة يمكن بعدها الانطلاق في رؤية جديدة للعالم ، وبالتأكيد لن تتخلى المؤسسة الدينية عن ميزاتها كرمى لعين المرأة أو أي امرأة ( اللهم إلا إذا كانت من طراز إينول ـ التي  يسمّونها ذاتالنهدين في اندونيسيا، والبعض يطلق عليها لقب شاكيرا الاندونيسية وهي  من أعمال قرية صغيرة شرق جزيرة جاوا . ونعلم أن رقصها يستفز غلاةالأصوليين إلى حد أن مجلس العلماء الاندونيسيين أصدر فتوى في شباط الفائت اعتبرترقصها من المحرّمات. لكن ذلك لم يمنع احد مشايخ الصوفية من رفع صورة كبيرة لهاتظهر جماعة من علماء الدين المتكئين حولها في "حلقة ذكر) ، وذلك لأن هذه المؤسسة كانت ولازالت مفرخة للأصوليين المعادين لكل ما هو إنساني من الأزهر الشريف (!) حتى المدارس الوهابية السعودية والعربية ولكن بأسماء مختلفة.

4- خاتمة إجبارية :

يصعب تماماً التنبوء بحال المجتمع العربي مستقبلاً والمرأة جزء من هذا المستقبل والذي يبشر بسوء الأحوال والآمال ، فالعقل العربي الذي يوصـَّف بالذهان الفكري وانفصام الشخصية غير قادر على الخروج من مسلماته التي يعيث فيها الفساد نخراً ، ينشغل العقل العربي بما يحدث في العالم قبل أن ينشغل بما يحدث في داخله وفيما حوله ،لأن ثقافته الجمعية مبنية على التسطح أولاً وعلى كونه جزء من الثقافة القبلية الكلية القطيعية ، وياليت أن هذه القبيلة تقيم له وزناً أو اعتباراً ، عدا عن أنها لا تحترم كرامته ولا وجوده وتعتبره  مجرد عابر في يومها وليلها ، وليست المرأة خارج هذا الكلام فهي جزء من تركيبة الرجل المنفصم الشخصية : يمارس العهر خارج منزله ويعود ليطبق الأخلاقيات الأصولية على زوجته في توازي يعجز عن تفسيره الطب النفسي لتجد أمامك في البيت سوبرمان العالم الآمر الناهي وفي الشارع يتحول بقدرة قادر إلى دودة يدعس عليها كل العابرين الذين هم أيضاً من المدعوس عليهم .

نختم بما كتبه الراحل ممدوح عدوان :

أنا أعرف أنني كنت أستطيع أن أوفر هذا العذاب كله على نفسي. / لو أنني قبلت أن نترافق / لو أنني قبلت أن يكون لك وجودك بمعزل عني / لو لم أطالب نفسي بجعلك عبدة وأماً وحبيبة وجارة / لو اعترفت أنك إنسانة معي / وإنسانة بمعزل عني / لو قبلت نديتك / لو استعنت بك على الحياة بدل أن استعين بالآلهة والشياطين عليك / لو استطعت / لكنت وفرت على نفسي هذا البحر الذي شربته ...... دون أن يرتوي عطشي ...   ( شارب البحر / خريف 1995 )

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شكر خاص للخال بشار وطفة على ما قدمه من خدمات وآراء وحوارات لإنجاز هذا البحث.



[1]  يمكن الاطلاع على هذه الإيديولوجيا  في موقع جريدة الشرق الأوسط السعودية-  سعود السرحان–28/1/2004

 [2]  من الحوار الذي أجراه المختار عماري مع العفيف الأخضر في تونس ونشره موقع الحوار المتمدن تاريخ 28/8/2003

[3]  منتدى أحباب محمد ـ منتدى أصحاب السنة ـ صيد الفوائد ـ منتدى السنة المحمدية ـ موقع أفكار وغيرها  كثير

[4]  في كتابه القيم ( خصائص التركيب الاجتماعي للبلدان النامية )  ـ جامعة دمشق 1989 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الثلاثاء, 15 تشرين2/نوفمبر 2011 13:12
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية