قبلة الموت مع… القيصر

  • نبيه البرجي
  • الثلاثاء, 24 أيلول/سبتمبر 2013 12:10
  • نشر في ملفات سورية
  • قراءة 2485 مرات
العبارة التي لم يقلها سيرغي لافروف، علناً، لنظيره الاميركي جون كيري «يا صاحبي لسنا مثلكم اغبياء»! الاميركيون يتقدمون عادة على قرع الطبول، ويتراجعون عادة على قرع الطبول، اذ بعد ذلك الضجيج الهائل حول الضربة العسكرية التي لم تكن البتة ضربة تقنية او فولكلورية او موضعية، بل كانت ترمي الى ازالة النظام وربما ازالة الدولة في سوريا، تعالت الصيحات البدائية على صفحات الجرائد والدوريات المختلفة (لمن قرأ مقالة سكوت موديل وديفيد آشر في الفورين بوليسي).


لم يسع توني موريسون، الزنجية الحائزة جائزة نوبل في الاداب الا القول» هل حقاً اننا وحوش في غابة؟». موريسون دعت الى وقف ثقافة هيروشيما داخل المؤسسة السياسية، وحتى الاعلامية، لتسأل ما اذا كانت الكرة الارضية تتراقص هكذا، او تموت هكذا، بين مجانين الله و… مجانين اميركا. لافروف اكد ان الاتفاق بينه و بين كيري لم يلحظ، في حال من الاحوال، اللجؤ الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، ولكن ثمة من تولى تهريب صيغة مزيفة الى وسائل الاعلام لاتهام موسكو بأنها هي من تنكث بالتعهدات، حتى ولو كانت التعهدات الطازجة، والتي لم يجف حبرها بعد… ديبلوماسيون روس يوضحون ان محادثات الرجلين، كما محادثات باراك اوباما وفلاديمير بوتين لم تتطرق البتة الى الفصل السابع، فيما يعني الطرح الاميركي المستجد، او الناتج عن ضغوط مارسها حلفاء عرب واوروبيون، اضافة الى الحليف التركي، الالتفاف حول الفيتو الروسي بنص خادع يمكن استخدامه في اي وقت للانتقال الى الخيار العسكري الذي لم يبارح مخيلة اولئك الذين مازالوا يصرّون على المقاربة القبلية للحلف السوري، ودون ان يستشعروا التداعيات الكارثية لذلك حتى على دولهم او انظمتهم ذاتها… يستعيد الديبلوماسيون إياهم الكوميديا (او التراجيديا) العراقية، فاللجان التي جالت في بلاد الرافدين لمسح المراكز السياسية والعسكرية الحساسة وليس للبحث عن المستودعات الكيميائية او البيولوجية التي كانت واشنطن تعلم جيداً ألا وجود لها بين يدي صدام حسين، قد تكرر التجربة ذاتها التي حدثت في العراق وحيث اصرت على تفتيش القصر الجمهوري ومبنى وزارة الدفاع وقيادة القوات الجوية، وصولاً الى الابنية التي تتمركز فيها اجهزة الاستخبارات.. وهذه ليست مجرد مقارنة ميكانيكية، فالديبلوماسيون الروس يقولون ان وكالة الاستخبارات المركزية غالبا ما تختار هي رؤساء تلك اللجان، وهم عادة يكونون عملاء لها او يتعاملون معها بشكل او بآخر، او على الاقل يكنون العداء الشديد، بما فيه العداء الايديولوجي، للجهة التي تخضع لاعمال التفتيش.. واستطراداً، فالثابت ان اي لجنة ستتشكل للاشراف على عملية تفكيك الترساتة الكيميائية في سوريا ستدار من قبل الـ«سي.آي.اي» لا من قبل بان كي مون الذي يعمل فعلاً ويتكلم فعلاً بتوجيهات من كبير مستشاريه للشؤون السياسية جيفري فيلتمان او «العزيز جيف» كما كان يدعوه اصدقاؤه في لبنان حتى ولو تركهم على قارعة الاحداث… اللجنة ستطلب، حتماً، تفتيش الطبقات الدنيا من القصر الجمهوري، فضلاً عن المواقع الحساسة الاخرى، حتى اذا ما رفض السوريون ذلك، كان اللجؤ التلقائي الى الفصل السابع الذي يشق الطريق امام القاذفات والبوارج التي اذ تعمل ديبلوماسياً في الوقت الحاضر، فهي جاهزة للعمل عسكرياً في اي لحظة، حتى ولو حاول جون كيري، بتعثره اللافت، اقناع «الصديق سيرغي» بأن النص على ذلك الفصل في قرار مجلس الامن يرمي فقط الى الضغط على النظام في دمشق كي لا يحاول المواربة او المراوغة في تنفيذ الاتفاق بين واشنطن وموسكو.. واذا كان ديفيد آشر إياه يقول ان وجه سيرغي لافروف اكثر خشبية من وجه اندريه غروميكو، فالثابت ان الديبلوماسية الروسية اصبحت اكثر ديناميكية، وربما اكثر فاعلية من ديبلوماسية ايام زمان. هناك تشكيك دائم بالنوايا الاميركية، حتى ان هيلين كارير دانكوس، الباحثة العتيقة في الشؤون السوفياتية، قالت ان الولايات المتحدة ظلت تدفع الامبراطورية السوفياتية الى الوراء حتى نجحت في تفكيكها، وهي لن تتوانى في ان تفعل ذلك مع الاتحاد الروسي. السؤال الآن هل ان واشنطن بحاجة الى تغطية من نيويورك لكي تلجأ الى اي عملية عسكرية و في اي مكان من العالم؟ لا بالتأكيد، لكن الادارة، كما الجهات الضاغطة، وسواء كانت عربية ام اوروبية ام تركية ام اسرائيلية، لم تكن تتوقع مثل ردة الفعل هذه «العاصفة» على الضربة العسكرية التي تؤسس، حتماً، لافغنة المنطقة او لصوملتها، اذا ما لاحظنا ان «مجانين الله» الذين طالما كانوا «مجانين اميركا» هم من يمسكون بالزمام في سوريا لا تلك المعارضة بالياقات الفاخرة، والرؤوس المطأطئة في اسطنبول وباريس… ألم يقل زبغنيو بريجنسكي بالتوقف عن استراتيجية رعاة البقر لان من يمسك بسوريا، وبالنظر لحساسيتها الجيوبوليتيكية والتاريخية، فهو يمسك، حتماً، بالكثير من مفاصل الشرق الاوسط؟ الثابت ان فلاديمير بوتين لن يتراجع. قال ان سوريا اولوية روسية. هذا ينبغي ان يفهم جيداً، حتى ولو اعتبر وليم كريستول ان الانكفاء الاميركي يعني العودة الى مبدأ مونرو، وبالتالي تنصيب احد زعماء الهنود الحمر زعيماً على اميركا؟ محذراً من «قنبلة الموت مع… القيصر». اجل، انه القيصر، وثمة لغة اخرى، ومعادلة اخرى، في الشرق الاوسط!


قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية