ورطة الدكتور علي عقلة عرسان في محاولته صهينة الشيوعية (1)

  • بولس سركو
  • الإثنين, 13 تشرين1/أكتوير 2014 20:31
  • نشر في ملفات سورية
  • قراءة 1176 مرات
بعد انهيار المنظومة الاشتراكية واستفراد واشنطن كقطب وحيد مهيمن على العالم صدر كتاب الدكتور علي عقلة عرسان ( المثقف العربي والمتغيرات ) عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1995 ويأتي ذكره اليوم في اطار الكشف عن جانب من جوانب مختلفة من الأخطاء الداخلية القاتلة التي سهلت الوصول الى كارثة آذار 2011 في سورية وبسبب تزايد حملات تشويه الشيوعية ومحاولات صهينتها .

لقد شكل صدور الكتاب أولى الاشارات في الانعطاف الحاد في روحية الثقافة السورية وبداية جنوحها من طريقها الانساني الحضاري التقدمي اليساري الى حضيضها اللاهوتي العصابي المنفعل بتأثير الطابع الاقحامي لثقافة العولمة الأمريكية اللبرالية المتوحشة ،علما بأن الكتاب حافل بشحنات نضالية عالية التوتر تتركز على ممانعة هذه العولمة ومواجهة تحديات العصر الثقافية والسياسية فكيف تحولت هذه الشحنات الى فعل سلبي انتحاري داخل طوق العولمة ؟ .... كيف سقطت مقولة رفض التبعية ذاتها في مطب التبعية ؟ هذا ما سيظهر بعد الاضاءة على تناقضات الكتاب الداخلية بين مظهر ممانع وجوهر معولم ومن ثم الرد على افتراء طال الشيوعية العالمية والمحلية وفضحه .

ممانعة مفخخة بالهوية :

يتكون الكتاب من عشرين مادة تتناول بالتحليل متغيرات العالم في تلك المرحلة ووضعية المثقفين والتيارات السياسية في سورية والمحيط العربي وأفكار ومواقف الكاتب كما يراها من زاوية ليست شخصية بالمطلق انما تمثل شريحة من تيار قومي عربي اشتراكي علماني بالأساس لكنه راح يتلمس ذاته في هويته الاسلامية في ظل المتغيرات العاصفة التي رنحته بين اتجاهين متعارضين الأول تقدمي نهضوي عصري والثاني رجعي تبعي نكوصي ،ويتكثف عدم التجانس هذا في ستة بنود تكاد تكون زبدة الكتاب وخلاصته دعا الكاتب المثقفين العرب لاعتمادها كميثاق شرف وهي باختصار : تحديد النظرة الى الصراع العربي الصهيوني كصراع وجود ، ضرورة الحرية والحقوق والديمقراطية والتعددية والمساواة على ارضية الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء ، الهوية باعتبارها الثقافة العربية الاسلامية بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها وتراثها وموروثها ، المثاقفة ورفض القوقعة والتبعية والالحاق والغزو والمحو الثقافي، الخلاص يكون قوميا او لا يكون ، الوقوف ضد الدكتاتوريات والاستبداد لعدم توافقه مع التعاليم الاسلامية .

في هذه البنود المتنافرة تتضح معالم العولمة الثقافية بشكل صريح اذ تذوب فيها الحدود بين مفاهيم تنفي بعضها بعضا فمنها ما ينتمي للحداثة ومنها ما ينتمي للأصولية القومية العربية الاسلامية وفيها محاولة طوباوية عقيمة لشد الحزمتين المتناقضتين الى بعضهما، فالكاتب يضع الصراع العربي الصهيوني ، الحرية والمساواة والحقوق والديمقراطية والتعددية ، المثاقفة ، رفض القوقعة والتبعية والالحاق والغزو والمحو الثقافي ، الوقوف ضد الدكتاتوريات والاستبداد  في قبضة الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء، الهوية العربية الاسلامية بكل قيمها وو.....الخ  ، والخلاص القومي حكما ، بحيث تبدو العبارات التزيينية الواصلة بين الحزمتين لا معنى ولا قيمة لها (الممارسة الديمقراطية السليمة في حدود وعي نوعي بخصوصية الواقع والبيئة ... ، خصوصية نمارس منها مثاقفة مع الآخر... ، لا يعني التركيز على الثقافة العربية الاسلامية عدم الاعتراف بقيمة وأهمية الجذر الثقافي العربي قبل الاسلام ، نعلن احترامنا للتعدد في اطار الوحدة الثقافية القومية للأمة )  فهي تبرر بطريقة هزلية عملية القبض والاحتواء والنفي وتؤكدها، كما تؤكد عجزها التام عن حل التناقض بين منطق التقدم ومنطق الرجعية ، رغم انها تسجل تقدم الدكتور علي عقلة عرسان خطوة واحدة على محمد بن عبد الوهاب بعد ان تقهقر الى ما وراء زكي الأرسوزي وميشيل عفلق وأكرم الحوراني بإضفائه مظهرا حداثيا للتمايز العرقي العربي ، واحتفائه بانتعاش الظاهرة الدينية سواء كانت اسلامية او قبل الاسلام ، الكاتب يحتفي بهوية عربية اسلامية كبديل لسلاح التحديث والعلمانية ويركز ويكرر احتفائه في ثلاثة وثلاثين صفحة على الأقل من الكتاب داعيا الى التماهي معها واعتبارها المرجعية الفكرية للممانعة ومبررا صعود التيار الاسلامي بما سماه (ملامح وعي الذات ) ص34من جهة وضغط القوميين والماركسيين عليه من جهة ثانية ص258مخفيا أو متجاهلا أكبر عامل من عوامل صعوده أي العامل الذي خططته ومولته وسخرت كل طاقاتها لتنفيذه وتحقيقه أجهزة العولمة الامبريالية ومؤسساتها منذ ما يزيد على نصف قرن بكافة الأساليب والوسائل لسببين اساسيين الأول ان هذا التيار وغيره من التيارات الدينية لا يملك أي مشروع يشكل خطرا على الإمبريالية وعولمتها لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا اجتماعيا بل العكس فهو يفتي لها وحشية استغلالها ، والثاني حاجة هذه العولمة الى تأكيد تعدديتها عن طريق عدو مفترض آمن لها هي صانعته وموكلة اليه هذا الدور ، علما بأن الكاتب تحدث عن سياسيين غربيين ومثقفين يمينيين متطرفين في الغرب الاستعماري متعصبين لثقافة تحت غطاء الدين أو لديانة تحت غطاء الثقافة ص97ولم ينتبه الى انه هو ذاته يستنسخ هذه الجدلية نفسها شرقيا، واكتشف حتى مخاطر توجهات واستراتيجيات إمبريالية صهيونية تخدمها سياسة وثقافة عربيتان بتوجيه وتمويل من مراكز بحث وأجهزة ومؤسسات أجنبيه ص221لكنه لم يكتشف مخاطر الدور الذي أسندته هذه المؤسسات للهوية الدينية التي دعا هو اليها بدلا من الدعوة لعقلنة وعلمنة الواقع والفكر ظانا ان الساحة الثقافية العربية مخترقة فقط بدعاة التطبيع ومن يعيشون حالة مستعصية من تبعية الثقافة للسياسة على حد تعبيره .

في تكثيف دقيق لمح آلفن توفلر للآلية التي تمرر بها هذه اللعبة فقد قال \" اذا بالغنا في حفز منظومة ما فان هذه المبالغة تعني اننا نخرق قواعدها التقليدية ونحملها على السلوك بشكل غريب........ وعندما يصبح المحيط كثير التخبط فان نشاط المنظومة يصبح مضطربا بين خطوط كثيرة \" تحول السلطة ص481. اما تيري أيغلتون فقد أكد انه \" قبل ان تبدأ المعركة يكون قد تم التلاعب \" وشرح ذلك في معرض حديثه عن ما بعد الحداثة وهو عنوان الثقافة الامبريالية المعاصرة أنها \" تحتاج لمواصلة عملها الى ما يقف بمثابة بعبع أو دريئة من قش شأنها شأن أي شكل وهمي آخر من أشكال الهوية \" اوهام ما بعد الحداثة ص 61. وبوضوح تام تحدث المفكر السوري رزق الله هيلان عن المبالغة في تبجيل الثقافات التقليدية والهدف من وراء ذلك قائلا \" نشطت وكالات ومنظمات غربية في هذا المجال لتوظيف الثقافات الدينية والقومية في محاربة الاشتراكية \" وقدم عرضا لحقيقة العولمة نختصر منه \" العولمة انطلقت كردة شرسة هدفها الدفاع عن النفس أي عن النظام الرأسمالي المهدد بالانهيار أو بفقدان هيمنته العالمية على الأقل وشن حملة شعواء على قوى التقدم والتحرر والاشتراكية \" ص59كما فضح خطاب العولمة بقوله \" يغطي هذه الظاهرة خطاب أيديولوجي حصري جميل وجذاب يسعى لفرضها ولبخس الماضي والغائه وعلى وجه التحديد بخس والغاء العقلانية والعلمانية وأفكار التقدم والعدالة الاجتماعية \" ص61 الثقافة والتنمية في زمن العولمة.

هذه ثلاثة شواهد تتضمن اختصارا لماهية العولمة الإمبريالية وآليات عملها وأدواتها وأهدافها وبالمقارنة مع أدوات وأهداف دعوة كتاب المثقف العربي والمتغيرات لممانعة هذه العولمة نجد انه قد حقق من حيث يدري او لا يدري لهذه العولمة ترويج هدفين متلازمين هما جوهر نشاطها وغايتها وهما  أولا: تحفيز منظومة القيم التراثية والأصالة والهوية الدينية. وثانيا : احلال تلك المنظومة وهي جزء من الاسهام في صراع الحضارات محل الصراع الطبقي لمحوه من الذاكرة الجمعية للشعوب وطمس وتشويه النشاط التقدمي ورموزه ، وبذلك شكل مصلحة للعولمة وبدأ عهد نكوص الثقافة السورية التي تبين تدريجيا مع الاستغراق في هذا النكوص وشموله كافة أصناف الثقافة وخاصة في مجال الدراما  التاريخية الممولة خليجيا انه تحول ممنهج زجت فيه الثقافة السورية وهي منزوعة السلاح في مواجهة ثقافة عصرية ، كونية، تكنولوجية ، معقدة ، متحكمة ، جامحة ومتوحشة .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية