خالد الأسعد .. مسار الرحلة النموذجية لتدمري عظيم

  • سمير عبد الحق
  • السبت, 31 تشرين1/أكتوير 2015 14:31
  • نشر في ملفات سورية
  • قراءة 688 مرات

خالد الأسعد
أو مسار الرحلة النموذجية لتدمري عظيم

سمير عبد الحق

ترجمة موسى ديب الخوري


في عام 1963 عُيِّن خالد الأسعد مديراً لآثار تدمر. ولم يكن له من العمر سوى 29 سنة وكان ذلك أيضاً أول مسؤولية يتلقاها ويحملها. وكان المدير العام للآثار والمتاحف في سورية في ذلك الوقت يحرص على أن يعين في محافظات البلد أشخاصاً نشأوا في هذه المناطق، مراهناً على أن هؤلاء الأشخاص سوف يستطيعون أكثر من غيرهم أن يستثمروا في مناطقهم وأن يدرجوا أعمالهم في صيرورة الزمن. كان ذلك تحدياً تم الفوز به على سبيل المثال مع فيصل المقداد في بصرى.

لم يمضِ خالد الأسعد مدة عمله كاملة في تدمر، بل وتابع بعد ذلك نشاطاته فيها طيلة خمس عشرة سنة بعد تقاعده. وقد طوّر مهاراته كعالم آثار عبر احتكاكه بالبعثات العلمية الأجنبية التي تعاقبت عبر السنوات على تدمر. وكانت هذه البعثات أمريكية ونمساوية ـ ألمانية وفرنسية وإيطالية ويابانية ونرويجية وبولونية وسويسرية، إضافة إلى البعثات السورية بالطبع. إضافة إلى ذلك فقد تعلَّم التدمرية وأصبح خبيراً فيها. لم يحدث شيء هام في تدمر خلال 50 سنة إلا وكان مشاركاً ومساهماً فيه بطريقة أو بأخرى. وكان أيضاً حاضراً دائماً لاستقبال الشخصيات الدبلوماسية الأجنبية القادمة لزيارة تدمر. وقد شارك أيضاً في حياة المدينة الحديثة لتدمر مثله مثل العديد من أفراد عائلته.
التقيت خالد الأسعد شخصياً في يوم شتوي عام 1993. كان يرافقني مستشار آخر من اليونسكو والمرحوم نسيب صليبي. وكانت المسألة المطروحة هي حماية أعمدة الموقع التي كانت على تتداعى بسبب شدة الرياح. وكان الجواب أن تداعي الأعمدة كان يحصل على ارتفاع منتظم، وهو الارتفاع الذي كانت تبرز عنده الأعمدة التي كانت فيما مضى مطمورة جزئياً. فالمسؤول عن التداعي ليس الريح الرملية بل رطوبة الأرض. كنا قد زرناه عبر مرورنا في القاعات الباردة للمتحف الأثري. وقد مررنا فعلاً عبر رواق مظلم قبل الوصول إلى مكتبه الذي كانت تزدحم فيه الكتب والأوراق. بعد ذلك تناولنا الغذاء في مطعم صغير قريب من المتحف ثم تكلمنا بشكل خاص عن افتتاح المتحف في عام 1961. كنا متفقين تماماً على التاريخ واختلفنا حول اليوم الذي حصل فيه الافتتاح بالتحديد. أهداني خالد الأسعد بعد ذلك أحد كتبه ولا أعتقد أننا التقينا بعد ذلك.
كان خالد الأسعد يشعر أنه ينتمي بالكامل إلى تدمر. وربما لهذا إنما رفض الإصغاء إلى النداءات الملحة بأن يترك تدمر في أيار 2015 أمام تقدم مجموعات داعش. سوف نتساءل لوقت طويل عما كانت الحسابات العوجاء لجلادي داعش عندما قتلوه بهذه الوحشية. فهل كان إعدام \"مدير للأصنام\"، و\"مشارك في مؤتمرات إلى جانب الكفار\" سيطمئن السكان تجاه هؤلاء المسيطرين على تدمر؟ وهل كان يجب أن يعاقب لأنه لم يفش عن موضع غير محتمل وغير موجود لمخبأ للذهب؟ يمكننا على العكس أن نتساءل إذا لم يكن قطع رأسه تماماً قبل تفخيخ معبد بعلشمين ثم معبد بل بالديناميت، وقبل تدمير الأبراج الجنائزية، يهدف بالأحرى إلى إغراق شعب تدمر في الرعب ومنعه من مقاومتهم.
إن قتل خالد الأسعد قد حرّض تعاطفاً كبيراً على المستوى الدولي، أكان في الأوساط العلمية أو بين الجماهير. لا يمكن أن نحصي عدد المقالات التي كتبت عنه عبر بقاع العالم. وقد نكست الأعلام من أجله في إيطاليا. وفي الدوائر الاختصاصية، كما في الـ ICOMOS، تكثر الاقتراحات حول أفضل طريقة لتكريم ذكراه.
هل يعود ذلك إلى احترام عمره أم اعترافاً بمعرفته؟ لم يحظَ ضحايا آخرون لداعش بهذه الشهرة الحزينة، مثل عبدالله الحميد، وهو حارس موقع أثري على ضفاف الفرات، وقد ذُبح لأنه بقي في موقع عمله ولم يتركه، أو مثل المحامية سميرة النعيمي التي عذّبت ثم أُعدمت في الموصل لأنها انتقدت أعمال تدمير الصروح في مدينتها. إن شجاعة مثل هذه النسوة وهؤلاء الرجال المؤمنين بالواجب يلقي الضوء على التزام أولئك الذين لا يزالون في سورية والمنطقة يعملون حتى اللحظة الأخيرة على حماية وإنقاذ التراث الثقافي من أجل الأجيال الحالية والقادمة. إن التفاني وروح التضحية لدى العاملين في المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية لم يعد أمراً يحتاج إلى برهان.
هل كان هدف داعش البائس هو قطع التدمريين عن آلاف السنين من التاريخ والمجد؟ هل كانوا يريدون منع تدامرة اليوم والغد من الاستفادة من تجارتهم التراثية والسياحية؟
لقد جعلت بربرية داعش في كل الأحوال من خالد الأسعد التدمري الأكثر شهرة بعد زنوبيا وأذينة. إنها مواساة طفيفة بالتأكيد، لكن أفراد عائلة الأسعد سيستطيعون أن يحملوا اسمه في كل مكان مرفوعي الرأس.

سمير عبد الحق
دكتور في تخطيط المدن، معماري DPLG
رئيس مجموعة العمل في الإيكوموس لحماية التراث الثقافي في سورية والعراق
نائب رئيس اللجنة العلمية الدولية للمدن والقرى التاريخية في الإيكوموس

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية