قراءة في سوشي السورية: الضائع الذي يعرفه الجميع

ككثير من السوريين، لم أكن أعرف أين تقع \\\"سوتشي\\\" التي جرت ـ وستجري ـ فيها جولات حوار بين السوريين المتصارعين منذ سبع سنوات، حتى أن عمنا \\\"جوجل\\\" حين سألته البحث عنها، خلط بينها وبين أكلة سمك نيء وأرز يتصارع اليابانيون والصينيون على ملكيتها، في سوتشي الروسية تلك لم يخل الأمر من تصارعات سورية بدأت من المطار وانتهت بتدخل وزير الخارجية الروسي ومغادرة وفد المعارضة المسلحة للمدينة.

في سوتشي تلك، التي هي عاصمة الشركس القديمة، حمل المشاركون الكثر ـ 1511 مشاركاً منهم 107 فقط من معارضة الخارج ـ أنفسهم للحوار في الشأن السوري وفق أجندة معدة مسبقاً، ولثلاثة أيام كان نصيب الحوار يومياً ست ساعات ونصف فقط، والباقي في شؤون الدنيا، أما مسودة البيان الختامي فقد تسربت قبل المؤتمر بأكثر من أسبوع.

المؤتمر الأضخم...والمخرجات المتوقعة:

يعتبر مؤتمر سوتشي الأضخم لجهة عدد المشاركين فيه، فهو يتفوق عددياً على مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي جرى في دمشق العام 2012، ويعتبر من جهة ثانية الأضعف في نسبة مشاركة المعارضة السورية الفاعلة في المشهد ـ خارجياً ـ مع غياب رعاتها أو تأخرهم أو رفضهم الترتيبات الروسية، من الصحيح أن هناك مشاركة نسبية للمعارضة الداخلية (تيار التغيير السلمي وشخصيات مستقلة) وللمعارضة الخارجية السلمية (تيار قمح، وبعض الشخصيات المستقلة) إلا أنها كلها لا تشكل نسبة فاعلة في المؤتمر  من جهة وليست ذات وزن من جهة ثانية بحكم كونها من (بقايا) القوى المدنية التي يصعب تحديد مدى تأثيرها في الشارع السوري، وبالتالي فإن الحوار ومخرجاته ستبقى واقفة وخاضعة لظلال الأعمال العسكرية والمنتصر فيها.

تقنياً، وبوجود هذا العدد الكبير وطبيعة البرنامج المعتمد، سيكون صعباً جداً إضافة أفكار جديدة للحل السوري، وسيكون التوافق سيد الموقف وبإشراف خارجي بالطبع، الأمر الذي يستدعي حاجة في لاحق المؤتمرات لتحقيق أمرين: أجندة صناعة سورية محلية، وأن تكون دمشق ـ ولا أحد غيرها ـ صانعةً لحوارها وبوقت يكفي للخروج بمخرجات تمهد السبيل لعقد مجتمعي سوري جديد.

الغياب الكردي:

شكّل الغياب الكردي الواضح عن المؤتمر، سواء بسبب عدم مقاربة الهجوم التركي على مناطق الشمال السوري أو بسبب الرفض التركي لقائمة الأسماء التي قدمتها موسكو سابقاً لأنقرة للموافقة عليها، تغييب المؤتمر مسألةً من الأهمية بمكان، وهي لا شك ـ في ظل وجود نزعات انفصالية كردية ـ تمثل نقطة بغاية الأهمية في تقرير المستقبل السوري، من اللافت في المؤتمر أن لا شيء مما يحدث في عفرين قد أثار \\\"قلقاً\\\" أو \\\"انتباهاً\\\" أو \\\"إدانة\\\" لما يجري هناك، وعلى ما يبدو أن هناك توصيات روسية غير معلنة ـ قادت مجريات المؤتمر بدقة ومتابعة ـ طلبت عدم تناول الموضوع، خاصة أن هناك ميليشيات مسلحة (ومنها تشكيلات إسلامية متعددة) تشارك الأتراك عملياتهم في عفرين، مما يعني أن تركيا وروسيا قد ضمنتا حتى الوقت الراهن (تمشية) المشهد السوري الآن بغياب أميركي ظاهر، ووسط تقدم واضح للجيش في مناطق إدلب محققاً نجاحاً تلو الآخر، ليصبح من المتوقع في قادم الأيام بعد انتهاء العمليات التركية في عفرين ومحيطها أن تنضم مجموعات من قوى المعارضة المسلحة إلى ما طرحه مؤتمر سوشي بضغوط تركية بعد الاستجابة الروسية لطلبات تركيا منع الأكراد من الوصول إلى الحدود معها.

غياب واشنطن عن الحضور بصفة مراقب ـ رغم أن الدعوة وجهت لها رسمياً ـ يمثل من جانب ثان براءة لها أمام شركاءها السعوديين والهيئة العليا للمفاوضات والأكراد وبقية التنظيمات المسلحة والموقف الأميركي المرتبط بما يحدث في عفرين، خاصةً أن مناوشات كلامية تركية ـ أميركية سبقت المؤتمر بلغت حدتها تهديداً أميركياً صريحاً لتركيا بمنعها من دخول منبج.

مسودة البيان الختامي تسربت قبل أسبوع كما قلنا، إذاً، ما الجديد الذي قدمته سوتشي للأزمة السورية، وكيف يمكن استقراء الاهتمام الروسي الكبير بإنجاح المؤتمر وتقديمه للرأي العام الدولي على أنه فرصة ثمينة للحل في سوريا؟ السؤال الذي يلي هذا، هل سيفيد سوتشي في تفكيك التعقيدات السورية ـ السورية خاصةً بوجود غزو تركي على جزء من الأرض السورية؟

المخرجات ... لا جديد

المخرجات التي انتهى إليها المؤتمر لا تمثل أي جديد في الحالة السورية، باستثناء التأكيد المعاد مرات ومرات على دور الأمم المتحدة ولجانها وأهمية مؤتمر جنيف وكونه فاصلاً في الحدث السوري، وهذا التأكيد يمثل، بشكل ما، إعادة تأكيد روسي على دور أميركي لاحق ـ ثم ـ أممي في الأزمة السورية، وأن ما تفعله روسيا يقع ضمن دائرة الشرعية الدولية، وهو الأمر الذي اتضح بجلاء غداة انتهاء المؤتمر حيث أشار لافرينتييف ـ المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ـ إلى أن روسيا \\\"تعطي دي ميستورا زمام السلطة لإدارة عملية التسوية السورية\\\"، معتبراً أن \\\"نجاح مؤتمر سوتشي سيكون حافزا لنجاح عملية التسوية السورية في جنيف\\\"، مضيفاً أنه من غير المستبعد عقد جولة ثانية من مؤتمر الحوار الوطني السوري لكن بشكل وإطار آخرين.

ولأن القرارات الدولية ذات الصلة تضع تصوراً من مراحل ثلاثة للحل السوري، فيمكن القول أن سوتشي استطاعت نقل المرحلة الأولى إلى الحيز التنفيذي في الداخل السوري تقريباً، في الجولات التالية سيكون هناك اشتغال على تحقيق إطار زمني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية الجديدة في البلاد.

يصح القول في سوتشي أنه كان مؤتمراً توافقياً على البنود الـ 12 التي سبق للمبعوث الأممي ستيفان دي مستورا إلى الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف في تشرين الثاني الماضي ـ أن عرضها وطالب بالالتزام بها. فقد نصت المسودة ـ والبيان الختامي أيضاً ـ على اتفاق لتشكيل لجنة دستورية بمشاركة وفد الحكومة ووفد يمثل طيفاً واسعاً من المعارضة للتحضير لتعديل الدستور برعاية الأمم المتحدة، وفقا لقرار مجلس الأمن 2254، وقد تم تشكيل قائمة المرشحين لهذه اللجنة من 150 شخصاً، إضافة إلى المصادقة على وثيقتين هما رسالة المشاركين إلى العالم، والبيان الختامي.

 

بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتن الذي سيخوض معركة انتخابية في آذار المقبل، يبدو المؤتمر فرصة مضافة لتعزيز صورته الانتخابية أمام الشعب الروسي وأمام العالم، ولذلك فقد كان من أولياته توجيه رسالة للمشاركين في المؤتمر رغم عدم حضوره الشخصي، بالتأكيد سيكون للنجاح الروسي في صناعة مسار مضاف لحل الأزمة في سوريا تأثير على الانتخابات الروسية في ظل التركيز الدولي على محاربة الإرهاب من جهة، وعلى متابعة الحل بصفتها قوة إقليمية وعالمية ذات وزن مؤثر في أحد أكثر بلدان الشرق الأوسط أهميةً.

 

ـ ــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت أيضاً في موقع جريدة الأيام الدمشقية على الرابط التالي

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الإثنين, 05 شباط/فبراير 2018 16:08
  • حجم الخط
كمال شاهين

كاتب وأعلامي سوري، رئيس تحرير الموقع

الموقع : www.halalbalad.com

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية