لماذا توقف الكلام عن الإصلاح ؟

  • علي عبدالله العليان
  • الإثنين, 22 حزيران/يونيو 2009 22:02
  • نشر في ملفات سورية
  • قراءة 24810 مرات
من القضايا التي شغلت واقعنا العربي سنوات عدة قضية الإصلاح والتجديد وإعادة المراجع في سياسات ومناهج باعتبارها من المسائل الجوهرية التي حظيت بالاهتمام  والمناقشات والمداولات السياسية والفكرية في العديد من الملتقيات والندوات والمؤتمرات على اعتبار أن الموضوع يستحق مثل هذا الاهتمام،

والحديث عنه والحوار حوله اصبحا من القضايا التي تستوقف الكثير من المهتمين والمعنيين، وربما هاجسا للعديد من النخب الفكرية والأكاديمية في وطننا العربي .كان الطرح واقعياً وعقلانياً في الكثير من هذه المؤتمرات التي حضرتها أو التي قرأت عنها خاصة فيما يتعلق بمسألة الإصلاح ، وأهمية التغيير المنشود لما يحقق التقدم والنهوض والاستقرار في عالمنا العربي ، بحيث يكون هذا الإصلاح نابعاً ومنطلقاً من الداخل وليس فرضاً أو إجباراً من الخارج لأن أية منطلقات إصلاحية أو تغييرية لما هو أجدى وأنفع لأمتنا لا يمكنه أن يكون إيجابياً وفاعلاً إلا إذا كان هناك اقتناع شعبي حوله ودعم وتأييد من النخب والمؤسسات الفاعلة

 

في المجتمع ، بحيث يكون هناك توافق عليه وانسجام يتفاعل مع إصلاح للخلل القائم إن كان هناك ما يود هذه التوجهات الإصلاحية سواءً في جانبها السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.صحيح أن النظرة إلى الإصلاح تتفاوت بين باحث وأخر، ولكنها تناغمت مع أهمية التفاعل مع التحولات والتغييرات الجديدة التي تحدث في عالم اليوم وتلك مسألة صحيحة إلى حد كبير .فالذي يحدث اليوم في هذا الكوكب لم يعد يغّرد خارج السرب ، فالتجاذبات والتفاعلات أصبحت متقاربة بين القارات ، وعالم المعلومات يقترب من بعضه البعض بصورة هائلة وخطيرة، ولذلك من المنطقي أن يكون هذا التحدي لمراجعة واقعنا لا مفر منه لإحداث مراجعات جوهرية بما يتناسب مع قيم المجتمع وبيئته وتماسكه ، وهذا ربما يحقق أقل الخسائر عندما يكون العالم الجديد عند أبوابنا ، ولم نكن بالاستعداد الكافي لمواجهته سواء بالتفاعل أو الرفض ـ إن كان هناك استطاعة ـ والحقيقة أن عالمنا العربي يمر بظروف لا يحسد عليها من حيث المشكلات والتوترات والاضطرابات في بعض دوله على وجه الخصوص ، وهذا يستدعي أن نكون أكثر استيعاباً للظروف القائمة وربما المستقبلية التي قد تطرأ على عالمنا العربي. ولذلك من المهم أن يكون هناكحراك معقول ومتوازن داخلياً يتفاعل مع هذه التحديات ، ويحاول أن يضع الأجندات التي تنسجم مع مصالحه ويلبي مطالبنا في التقدم والنهوض المنشودين .صحيح أن كلمة الإصلاح لاقت رواجاً كبيراً في عالمنا العربي ، وتم استغلالها من الغرب بصورة لافتة بما يحقق مصالحه واستراتيجياته التي تتوافق مع أهدافه الخاصة ، لكن هذا التقاطع معه في هذه الأهداف لا يعني أن الإصلاح والتجديد والتغيير لما هو أفضل ، مصطلحات أو كلمات غير مقبولة أو دخيلة إذا ما جاءت أو على الأصح طرحها الآخر المختلف سواءً كان صادقاً في ما قاله ، أو كان يخفي ما يريد تحت ستار هذه الكلمات أو هذه الدعوات. فالتطورات السياسية في عالمنا العربي كما قال الأمين العام لمجلس التعاون في بعض تصريحاته تطرح “ قضايا كبيرة ومهمة تقتضي تطوراً في الأداء السياسي والاقتصادي لتتكيف مع المتغيرات العالمية ومتطلباتها . فعملية البناء الديمقراطي أصبحت من المتطلبات الضرورية المتمثلة في المشاركة الشعبية المسؤولة عبر التفاعل في المؤسسات المرتكزة على مبادئ سيادة القانون والدستور ، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين رجالاً ونساء ، ومساواتهم أمام القانون في الحقوق والواجبات بغية الإسهام في بناء أوطانهم وتطويرها دون إغفالٍ للخصوصيات الثقافية والذاتية لمجتمعاتهم”.وهذا يعتبر طرحاً منطقياً ومتوازناً لكافة أطاريح الإصلاح التي تطرح في أغلب الندوات والمؤتمرات واللقاءات في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج.القضية الهامة التي نعتقد بأهميتها في مقولات الإصلاح هي الاستجابة الشعبية لها التي لا يمكن أن يتم تجاوزها في أية دعوات أو أطروحات عن الإصلاح أو التغيير أو غيرها من المقولات الرائجة في عالمنا العربي. لأن القبول الشعبي أو المجتمعي هو الركيزة الأساسية لأية تحولات جديدة في الواقع المعيش بحيث تكون هذه التحولات والتغيرات منسجمة مع الواقع العربي وقيم الأمة وموروثها الحضاري والفكري. قد يقول البعض إن الفرصة سانحة الآن لطرح الإصلاح الحقيقي وتفعيل الإصلاحات المؤجلة ومنها مسألة الديمقراطية والتعددية والانفتاح على كل الآراء والاجتهادات لأنها ـ كما نعتقد ـ البلسم الشافي لكل الاحتقانات القائمة في بعض المجتمعات العربية وهذه أراء معقولة بالمقارنة بالعديد من الآراء التي تطالب بالتغيير والإصلاح الذي يتقاطع مع الكثير من المصالح الحيوية للأمة في كثير من القضايا الحيوية.صحيح أن الغرب نجح عندما اختار الديمقراطية والتعددية واستطاع أن يبعد كل المشكلات الداخلية بسبب النموذج الانفتاحي والشفافية وتعزيز المجتمع المدني .لكننا لا نقر ببعض الأنماط الحياتية للغرب خاصة في جانب الحرية المطلقة والانفتاح غير المقنن البعيد عن القيم الدينية والأخلاقية .فالإصلاح الذي ننشده لا يدخل ضمن هذه المنطلقات المتبعة في الغرب، فلكل شعب تقاليده وقيمه الأخلاقية يضعها في دساتيره وأنظمته وقوانينه ولذلك فان النظرة للإصلاح الداخلي تعتبر قضية القضايا الآن ،والتأجيل او التأخير في هذا الإصلاح ربما يكون ذريعة للتدخلات الخارجية التي تريد منفذا للعب على قضايا غياب الإصلاح والديموقراطية لتضخيم المشكلات بهدف فرض ما تراه مدخلا لتحقيق أهدافها في فرض ما يحقق اجندتها الاستراتيجية وهذه في اعتقادنا سوف تبعد الاحتقان والتوترات القائمة.الإشكالية أن الحديث عن الإصلاح والتجديد والمراجعة في واقعنا العربي توقف منذ فترة عن هذه القضية الهامة، وكأننا قد انهينا كل قضايانا المعلقة والمتلبسة في خطواتنا وتوجهاتنا، وقضية الإصلاح لايعني أننا أخطأنا في سياستنا وخططنا، لكن قضية الإصلاح والتجديد تعني المراجعة الواعية لما طرحناه في عقود أو سنوات لأن المراجعة تحقق النقد الذاتي، واعادة التفكير في برامج وخطط وتوجهات، وهذه سنة الحياة وتحولات الزمن التي تجعل الحياة متغيرة ومتحولة تبعا للظروف والتبدلات الجديدة، حتى الدول المتقدمة والناجحة في سياساتها الاقتصادية والسياسية والثقافية تتحدث عن الحاجة إلى الإصلاح وتجديد السياسات والتوجهات، لان التجديد مطلب ديني بالنسبة لنا نحن المسلمين، ولاغنى عنه لحياتنا.إذن قضية الحديث عن الإصلاح في واقعنا لايعني فشلنا أو أخفقنا ونجح الآخرون بقدر ما يعني أننا بهذ الاهتمام اكثر حيوية وتفاعلا مع المستجدات والتغيرات الجديدة التي طرأت على حال الإنسانية عموما. * كاتب من سلطنة عمان

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الخميس, 02 نيسان/أبريل 2015 14:42
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية