الجزء الثاني ـ قراءة أولية في الشريعة الحمورابية

  • كمال شاهين
  • الجمعة, 04 أيلول/سبتمبر 2009 17:56
  • نشر في ملفات سورية
  • قراءة 5410 مرات
كان هدفها ولا يزال قنونة الحياة البشرية " لحماية الناس من غرائزهم " كما يقول ويل ديورانت ، وفي هذه القنونة تطور العقل البشري من فكرة القصاص المتبادل بنفس الفعل إلى استبدال الفعل بما يتوقع أن يعادله مادياً أو عينياً خاصة مع الحاجة إلى الفرد البشري ككائن عامل ( مقاتل أو مزارع أو حرفي ...)
ويلحظ ويل ديورانت أن القانون السومري كان أكثر القوانين القديمة إيماناً بفكرة الأخذ بالتعويض بدل الثأرأو ما يسميه بالتعريفة القانونية للجريمة بأنواعها من قبيل القتل أو السرقة وقد عمل على تنفيذها وتطبيقها حماية للمجتمع السومري ، كما يستدل على نفس السياق أن استبدال قتل الابن بذبح كبش بديل عنهفي قصة النبي ابراهيم لم تأت من فراغ بل كانت هذه الفكرة القانونية قد نشأت وبدأت تأخذ مفاعيلها في العراق القديم فإبراهيم المولود في أور السومرية هو ابن تلك الحضارة التي ارتقت بقيمها الإنسانية من فكرة القصاص إلى التعريفة القانونية ، ولكن على العموم ظلت فكرة القصاص هي الأكثر تداولاً في النصوص القانونية تقريباً حتى الوقت الحاضر .

و شريعة حمورابي هي شريعة وضعية بشرية و إن كانت تتوسل لها مرجعية سماوية تتمثل في ربط الملك بمجمع الآلهة البابلية المتعددة (آنو ـ إنليل ـ مردوخ ـ توتو ـ عشتار ـ ايرا ـ حدد ـ ننازو ) وأخذ الإذن والسماح من الآلهة في تقديم الشريعة الحمورابية إلى الناس ويتضح من مقدمة الشريعة أن حمورابي هو من قرر الأمر وليس الآلهة و بالتالي تكون المرجعية الأولى في تفسير القانون لواضعه وللقضاة لاحقاً وليس لمجمع الآلهةو توضح الصورة الشهيرة لحمورابي وهو واقف أمامالإله شمش ( سيد السماوات والأرض ) يتسلم منه لوح الشريعة في مشهد أعاده موسى في سيناء مع يهوه العبري حين تسلم منه لوح الوصايا العشرة و هذه الوصايا الموسوية بكاملها موجودة في شريعة حمورابي بشكل شبه حرفي .

و تتضح وضعية شريعة حمورابي من مجمل سياق المواد فكلها ترتبط بالناس وحياتهم اليومية ولا يشغل تنظيم العلاقة مع الآلهة سوى حيز صغير منها وهي بالتالي أقرب إلى الحياة اليومية و تتغلغل في أدق تفاصيلها معطية لهذه الحياة اليومية الأهمية ومفاضلة إياها على الحياة الأخروية و التي على ما يبدو ترك شأنها للكهنة و الكاهنات والمعابد في لفتة ندعي أنها نباهة دولة ( مع كثير من التحفظ المعرفي) رغم أن واضع /يالشريعة يتوسل السماوي كزيادة في شرعية النهج.

>من نافل القول أن الدولة البابلية ككل دول الشرق والغرب في تلك الفترات كانت سمتها الأولى أنها دولة عسكرية ذاتحدود هذه الدولة كانت تتغير تبعاً للتوسع والتقلص اللذان تشهدهما الدولة بمقتضى الأعداء المحيطين بها و الأطماع الاقتصادية الكثيرة خاصة لدول كانت الرعوية جزءاً ليس هيناً من اقتصادها وكان الماء مثلاً ـ كما الآن ـ مصدراً من مصادر النزاع الدائم .

ومن ثم فإن دينية الدولة أو تدينها الافتراضي كان يتضح من خلال التداخل الكبير بين القضاة ورجال الدين ( الكهنة ) فأحدهما يقود إلى الآخر تلقائياً إلا أن هذا الأمر لم يعط لرجال الدين الحق بتديين الدولة وفق رؤيتهم للعالم ونظرتهم للشريعة التي لا شك أنه كان لها تفسيرات متعددة تتضح مثلاً في مسألة الرمي في النهر وهو طقس يبدو غريباً الآن إلا أن النهر يعامل " باعتباره الموضع الذي يحتكم إليه لإثبات التهم أو البراءة منها وحين يذكر في الشريعة يكون مسبوقاً بعلامة الألوهيةوالحاجة إليه تبرز في حالة وجود خلاف قضائي لا يحل بالطرق العقلية كتضارب شهادات الشهود " (شريعة حمورابي ـ الترجمة المسمارية ـ د.وائل حنون ـ دمشق 2005 ج 5 ) .

توسع حمورابي في مفهوم العقاب والقصاص والبديل النقدي للعقوبة إلى حد كبير ، فيوجدفي شريعته مستويات عقابية متعددة أقساها القتل و أهونها التعويض المادي المتنوع القيمة ، كماأن القتل جاء في المواد المرتبطة بالفرد الذي تعرض لأذى كبير كأن يقتل الفرد فرداً او بتعبير حمورابي ( سيد سيداًًًًً ) فيرد على الجريمة ذاتها بالقتل ورغم أن رد الفعل هذا غير حضاري وغير متساوق مع هدف الشريعة إلا أن عقوبة القتل تبدو عاملاً رادعاً أكثر مما هي فعل عقابي ، ونلحظ كذلك طبقية واضحة في عقوبة القتل ذاتها فإذا كان المقتول سيداً فالعقوبة بالمثل وإذا كان عبداً او مسكيناً فيعوض على صاحبه ( المادة 198 : إذا اختبط سيد عين مسكين أو كسر عظمة مسكين يوزن له مناً واحداً من الفضة ) [2]، ونلحظ أيضاً أن عقوبة القتل ذاتها غطت مختلف الحالات التي يمكن أن تحدث في المجتمع ويمكن ان يحدث بسببها بلبلة اجتماعية أو اقتصادية بين أفراد المجتمع أو الرعية في حين أن بعض الجرائم التي لا يمكن التحقق منها ومن أسبابها مثلاً يترك لمجمع القضاة حلها اوللنهر وفق ما ذكر نا سابقاً .

وتبدو عقوبة القتل أشد ما يمكن ضمن نفس الطبقة وخاصة السادة التي حاول حمورابي جعل علاقاتها مع بعضها متكافئة إلى حد كبير وعدم تمييز أي منها على آخر كأن يكون الفرد منها غنياً أو ذا جاه ومنصب أو ضابطاً او صف ضابط في الجيش ( المادة 34 : إذا ما ضابط أو ضابط صف استولى على متاع جندي نظامي ، أعطى جندياً نظامياً للإيجار ، أشرك جندياً نظامياً في قضية لمتنفذ ، استولى على هدية كان الملك قد أعطاها للجندي ، هذا الضابط او صف الضابط ينعدم ) و في هذه العقوبة الشديدة هنا سد لأي باب قد يمكن من خلاله استغلال النفوذ أو الوضع الاجتماعي في أي قضية ويمنع بالتالي تدخل العسكر في الحياة العامة في وقت السلم ( المواد من 28 حتى 39 ) .

 

يبقى أن نشير هنا قبل الانتقال إلى الحديث عن وضع المرأة والأولاد في الشريعة الحمورابية إلى أن الأساس الأخلاقي للتحكيم في شريعة حمورابي كان مرجعه كأي شريعة أخرى حماية المجتمع من الخلل ومنع ظهور حالات تؤدي إلى تشقق بنية المجتمع سواء بمفاعيل داخلية أو حمايته من المفاعيل الخارجية، كما أن هذا الأساس الأخلاقي وإن وضع له سند ديني في كتابة الشريعة إلا أن الدين بحد ذاته لم يكن مرجعية أو أساس في بناء الشريعة وإلا فما تفسيرغياب مرجعيات أو عقوبات إلهية في النص التشريعي الحمورابي خارج عقوبة محي الشريعة التي وردت في نهاية الشريعة وهي موجهة بشكل رئيسي إلى الحكام والملوك والغزاة وليس إلى أهل بابل ؟

 

المرأة والأطفال في شريعة حمورابي :

 

تحتل المواد من 127- 194 معظم الحالات التي وجد حمورابي أن قنونتها ضرورة في مجتمع بابل ولكي يقدم هذا المجتمع بشكل حضاري فقد دقق وقدم العديد من الحالات والتي لا يزال بعض منها موجوداً في الشرائع الحديثة والقوانين المدنية بلغة حديثة .

هناك جملة من الملاحظات التي لا بد من الأخذ بها حين قراءة هذه الموضوعة في الشريعة :

أولها أن هذه الشريعة كما قلنا سابقاً هي شريعة طبقية فيوجد بالتالي نمطا حكمقانونيين على حالاتها ويتداخل هذان النمطان في عدة مواقع وقياساً إلى زمن تلك الحقبة فهذه الرؤية مبررة أخلاقياً وحضارياً وقيمياً ، فالمجتمع البابلي كان مجتمعاً طبقياً و مفهوم المواطنة مطبق فيه ولكن وفق رؤية طبقية لا تقلل من حضور القانون في المجتمع بل تزيد من حدتهويتضح ذلك في وجود عقوبات تمس هذه العلاقة الطبقية عند حدوث خلل ما وفي نفس الوقت لا تشدد على الوضع الطبقي فتتمنع علىتغييره صعوداً وهبوطاً .

ثانياً : ان البيئة التي أنتجت هذه الشريعة جغرافياً هي بيئة العراق القديم وهي بيئة زراعية مشاعيةأولاً والمدينة فيها هي قرية كبيرة منظمة متنوعة المشارب كما أنها محاطة بسور يمنع دخول الغرباء إليها إلا من بابها الرئيسي ، نسوق هذه الفكرة لنوضح الطابع العام لعلاقة الرجل بالمرأة في هذا المجتمع من كونها علاقة تكاملية فالمرأة صنو الرجل في العمل والحياة ، تعمل إلى جانبه دون أي توتر أو تفكير بخلل ويؤكد الأمر المشاهد المحفورة على الأختام الأسطوانية ، وللمرأة حقوقها التي يكفلها القانون ضمن المنظور العام للمجتمع ولنتذكر أنه في هذا المجتمع الفريد والمتميز كان هناك كاهنات في المعابد المتنوعة وكانت الآلهة عشتار تحتل موقعاً كبيراً في مجمع الآلهة وتبنى لها المعابد وتقدم لها فروض الطاعة الدينية . أضف إلى ذلك أن بينة المجتمع الزراعية حيث يحتاج المجتمع لليدالعاملة قدمت سبباً إضافياً لاحترام المرأة و تقديرها تقديراً كبيراً عجزت عنه التوحيديات التالية لكونها ديانات ذكورية صحراوية المنشأ الفكري أولاً مشبعة بنكران دور المراة في مجتمعات نحت منذ المسيحية إلى إعلاء شان الإله الذكر الدموي على حساب الإلهة الأنثى الأقرب للطبيعة الام . والأسلام والمسيحية واليهودية تتفق جميعها على الحط من شأن المراة العاملة خارج بيتها لأسباب كثيرة لن ندخل فيها الآن .

ثالثاُ : إن احترام الشريعة الحمورابية لا يقل تجاه المرأة لأنها امرأة ، ولا يزيد تجاه الرجل لأنه رجل ، وهذه الحقيقة البسيطة يؤكدها استخدام مسميات واضحة مفردة لكل من الطرفين فالمرأة قد تكون زوجة للرجل ولكن هذا لا يعطي الرجل الحق في مصادرتها أو امتلاك ثروتها إلا وفق نصوص أكدت عليها الشريعة وعملت بها ونقلت جزءا ًمنها الشرائع التالية عنها.

 

-يتبع في الأسبوع القادم ـ

 



[1] قصة الحضارةـويل ديورانتـترجمة محمد بدرانـ إصدار جامعة الدول العربيةجزء 12 ص225، نسخةإلكترونية

[2] والمن حوالي 500 غ فضة . مرجع سابق

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 16 تشرين2/نوفمبر 2011 18:12
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية