النحات السوري وليد محمود:  كتلتي أنانية ولا أسمح للطبيعة أن تتدخل في عملي مميز

  • حال البلد
  • السبت, 06 تموز/يوليو 2013 15:00
  • نشر في فيديو الاسبوع
  • قراءة 2443 مرات
اختاره الاتحاد العالمي للفنانين USIA (ومقره في لندن) قبل أيام كأحد أهم النحاتين ليعرض مع تسعة آخرين في معرض الاتحاد السنوي في لشبونة البرتغالية الخريف القادم، ولعله أول سوري يشارك في هذا الملتقى، وكان سبق له أن نال جائزة الإبداع العالمي في اليونان عام 2002، ينحت مستخدماً الحجر القاسي فقط ويرفض بقية المواد التي يصفها بالغبية والدخيلة على الطبيعة، يعتبر نفسه نحاتا ًفطرياً ويرفض الأساليب الأكاديمية في العمل، حول أعماله ومشاركته الأخيرة كان لتشرين هذا اللقاء الخاص مع النحات السوري \"وليد محمود\" في بيروت.

 

 

  • كيف تنحت؟ هل هناك صور مسبقة في رأسك قبل النحت؟
  • أول أمر في رحلة المنحوتة هو اختيار كتلة مكعبة الشكل كي لا تتحكم الكتلة بي وتأخذني إلى حيث تريد هي، أنا أتعامل معها بعقلية العاشق، أنظر إليها وأدور حولها، أشرب معها، أمارس طقس الترقب لها كاملاً كأنثى تنتظر يدي كي تبدأ رحلة الخلق معي، أعانقها حتى نصل إلى مرحلة المخاض الذي يليه المولود: أي المنحوتة، ليس لدي تصور مسبق إلى أين يمكن أن نصل ولكن لدي إحساس تجاه الكتلة نفسها، تجاه شيء ما، ربما تجاه فكرة مختبئة فيها، تجاه أزمة، ليس هناك نحات قادر على وضع تصور كامل لمنحوتته فهذه وليدة اللحظة دوما إلا إذا كان العمل كلاسيكياً منقولاً كبورتريه أو كائن ما موجود مسبقاً. إلى أين تأخذك الفكرة هذا أمر مختلف، وهنا يتميز النحات كم هو متصالح مع نفسه وكم لديه من الجرأة والحلم والجنون ليدخل مملكة الفكرة تلك، تلك الكتلة العصية على التغيير، القدرة على تفتيت الضباب المحيط بفكرته لنقلها من المتخيل إلى الواقع وإتمام عملية الإبداع، هناك موانع أكيدة عند البعض تنطلق من ظروف مختلفة كالدين أو العائلة أو المجتمع – ربما زوجته مثلاًـ إذا لم يتحرر الفنان من قيوده تلك بشكل كامل فإن عمله ـ مع تثمين عمل أي فنان ـ لن يكون مقنعاً وسيكون ناقصاً، الفكرة هي الدليل ولكن القارب هو أنا.
  • ألا تلعب نوعية المادة دوراً هنا في هذا الرحيل؟ هناك كتل تعذبك أكثر من غيرها؟
  • بالتأكيد تلعب الكتلة دوراً هاماً جداً، أنا أكره التدوير والبناء وبودرة الصخر والإسمنت والجبصين وكل المواد غير الطبيعية، لا أستطيع المزج فلا أجد نفسي فيه وأكره الحجر اللين لأنه مخادع، الحجر يشبه البني آدم، الحجر اللين صديق مخادع أما الصخر القاسي فهو عدو شهم، ومن خلال عملك على الصخر القاسي فأنت تحول العدو الشهم إلى صديق، عداوة شهمة أفضل من صداقة مخادعة، هذه الشهامة لا تخذلك كفنان، يعطيك أقصى ما لديه من حب إن نيمته على الأرض يقول للآخرين: نيمني على الريش!
  • هذا يعني أن الأدوات التي تستخدمها هي سلاح الحرب مع الفكرة، كيف تختار سلاحك (مجازاً كما هي الحال هذه الأيام في سوريا)؟
  • لدينا نوعين من العدة: الكهربائية واليدوية، عدتي اليدوية أنا من يصنعها وخاصة من نوابض السيارات حيث تتمتع بمقاومة عالية فأعطي الحداد أبعاد وتفاصيل الأزاميل التي أريدها، أما العدة الكهربائية فإن الإنتاج الصيني قد خرب عالم النحت، يجب أيضاً أن تكون العدة الكهربائية واليدوية من الشهامة بمكان حتى لا تتخرب الكتلة، تتجرح، تفقد خاصية من خصائها الجوهرية وهي مثلاً الحدود بين المشاهد البصرية، أنا أصر دائماً على العلاقة الصحيحة مع الكتلة، العلاقة الأصلية للنحات السوري منذ بدأ النحت قبل ألاف السنين وأرفض جداً الميوعة الفنية، كان جدي وهو معلمي في النحت يقول لي دائماً : عندما تحترم الحجر، يحترمك الحجر!
  • إذاً كيف علمك جدك النحت؟ هل كان نحاتاً أم بناءاً؟
  • جدي كان نحاتاً بالمعنى الحقيقي لكلمة النحات، في وقت لم تكن فيه هناك معارض ولا حتى تقدير مجتمعي للنحات أو للفنان عموماً وكانت الكلمة الأكثر تداولاً ولكنها جميلة ومعبرة هي كلمة \" مجنون\"، كان مرعباً في أفكاره تتلمذ على يد شخص لا أذكره من مواليد 1895، من مرافقتي له ونتيجة للوضع الاقتصادي والفقر كان يصنع لي ألعاباً من الخشب والحجر، وتطورت الحكاية إلى منحوتات أكبر وأدق وأكثر تفاصيلاً.
  • دعني انتقل إلى سؤال متمم: كم أثر هذا في روحك نحتياً؟
  • حقيقة ترك هذا الحرمان من الدعم الكثير في روحي، اليوم وأنا أنتقل إلى العالمية وتباع منحوتاتي جميعها أشعر بأنني حققت جزءاً يسيراً من إعادة الاعتبار إلى النحات السوري الفينيقي، ذلك النحات الفطري الجميل الذي قدم للعالم أجمل المنحوتات الخالدة حتى اللحظة.
  • في عملك \" جوهرة الصباح \" هناك أسئلة كثيرة تركها العمل، أبرزها التقاطع نحتياً مع ما يجري في العالم العربي حالياً، هل هناك برأيك قدرة للنحت على مجاراة اللحظة؟ النحت لعبة الخلود وليس نتاجاً سريع النمو؟
  • أي عمل يطرح تساؤل ما، في هذا العمل تشاركت عدة رموز في صياغة المشهد النهائي لتخليد اللحظة الراهنة، هناك شيء أثار روحي وحرك العكر فيها حتى جاء هذا العمل كما شاهدته، النحت من بداية الكون حتى الآن وجد لتمجيد القوة، قوة السلطة وقوة الحب والدين التي فرضت حضورها جميعاً، لذلك كل أعمال تلك الفترات تخص إما رجل دين أو رجل سلطة وقلة قليلة من مجدت قوة الحب وهؤلاء هم الفنانين الحقيقين، هناك علاقة نفعية بين الطرفين في الحالة الأولى، ولكن في الحالة الثانية هناك علاقة تصوف.
  • من هنا السؤال بين النحات الفطري والأكاديمي... كيف نفرق نحتياً بين الجانبين بعد عشرين عاماً من النحت لديك؟
  • النحات الفطري لا يعني أنه غير أكاديمي، ولكن النحات الفطري خارج السرب، لا علاقة له بالمدارس وسبق لبعض النقاد أن انتقد أحد أعمالي متسائلا عن الفراغ فرددت عليه أن الفراغ في هذا العمل تحديداً لا يهمني وليس ضرورياً في هذه المنحوتة، \"فيدياس\" لم يدرس في جامعة حلب، ولا \"مايكل أنجلو\" درس في جامعة دمشق، الأكاديمية مجموعة نظريات، لم أحضر معارض نحت طيلة سنوات وأول معرض حضرته كان للنحات \" نزار بدر\" قبل أشهر في اللاذقية، السبب هو أنني أعرف أن العين لص مؤدب، عند احتكاكك مع الآخرين يمكن أن يحدث تشابه وهذا يسمى تقليد وفاشل، عندما يخرج عملك إلى النور ويكون أحد ما سبقك بنفس الرؤية فأنت مقلد، هنا النحت يختلف عن الشعر والأبداع الآخر، النحات المقلد هو فنان فاشل.
  • نلت جائزة الإبداع الأوربية، وكنت أيضاً أصغر نحات عربي نال الجائزة. كيف حدث ذلك وشاركت في مسابقة كهذه؟
  • شاركت في هذه المسابقة كبدل ضائع، كان مقرراً مشاركة نحات سوري آخر هو النحات \"جاك جوخدار\" الذي لم يشارك واقترحني شخص لبناني كبديل على إدارة الملتقى في أثينا، وحقيقة لم يكن هدفي سوى أن ينزل اسمي في لائحة المشاركين فهذا في حد ذاته كان كافياً بالنسبة لي، ولكني خرجت بجائزة الملتقى في الكتلة الحجرية عن عملي \"الملك المتشرد\"، وهو جدارية نافرة موجودة اليوم في أثينا.
  • ماذا فعلت بك الجائزة؟
  • أنا مدين قبلاً لكل الذين شجعوني في رحلتي هذه، أصدقائي الجميلين، وبعد الجائزة فقد ثقل الحمل لدرجة الخوف من أن أقدم ما هو أقل حرفية مما سبق، صرت أتعامل مع المنحوتة على أنها كلمة، متى ما خرجت من فمك أصبحت سجيناً لها، يمكنها أن تتوجك على عرش المدينة كما يمكنها أن تقتلك. أي عمل أقل سوية مما سبقه سيرجعك ولن تتمكن من العودة ثانية.
  • أخيراً المتلقي في العمل النحتي كيف تنظر إليه؟
  • أول ما أفعله بعد أن أنتهي من أي عمل هو أن أضعه في الساحة أمام بيتي وأراقب الانطباعات التي يتركها على العابرين أيا كانوا ومهما كانوا، وهي طريقة غريبة وعندما يكون التلقي طيباً فعملي جاهز للعرض وأوقع عليه، طبعاً قبل ذلك يجب أن ينال جواز مرور مني شخصياً. لكل نحات هوية يمشي بها هوية الكتلة أو هوية الموضوع، أنا لا أستطيع أن أعمل مع الزيتون، أنا أناني مع كتلتي لا أسمح للطبيعة ولا للمادة أن تتدخل في فكرتي ولكن يبقى المتلقي جواز المرور والأهم الاقتناء لكي يستمر الفنان في عمله فهي شهادة تقدير واعتراف بموهبته ووجوده كفنان.

يذكر أخيراً أن أعمال الفنان مقتناة في عمان والكويت ودبي وبغداد ولندن وباريس وهو من مواليد قرية (سلمية) في ناحية الدالية ـ جبلة عام 1973.

 


 

 حاوره: كمال شاهين - بيروت
نشرت في جريدة تشرين /5/7/2013

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 19 تشرين1/أكتوير 2014 00:24
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية