عندما زرع العراقيون المعكرونة، والسوريون البيتزا!

 في مسألة الغذاء، لا أحد يثق بأحد، قد يرحب بك صديقك يقدم لك طعام العشاء لك مرة واحدة، لكن في الثانية، تأكد أنه سيفعلها على مضض، وفي الثالثة سيطلب منك دفع ثمن ما أو يغلق بوجهك الباب. تصح هذه البديهة على كل أنواع السياسات الدولية، فلا شيء مجاني في عالم النيوليبرالية، بما في ذلك ثالوث البقاء: الهواء والماء والغذاء، وعلى حد سواء، تفهم الدكتاتوريات والديموقراطيات تماماً هذه البديهة في فلسفة التوحش هذه، لذلك تحرص الدكتاتوريات على إبقاء شعوبها ضمن الحد الذي تبقى فيه تابعة لها (جوع كلبك يتبعك)، وتمتنع الديموقراطيات عن ذلك لأن شعوبها إذا جاعت تلتهمها، ولكن لا بأس إن جاعت شعوب أخرى لا بل يفضل أن تنقرض كي تخفف عبء المائدة البشرية.  

في فلسفة النيوليرالية الجديدة التي تجتاح العالم وكان نصيب العالم العربي منها أن يكون حقل التجارب الرئيسي بفضل حكامها الأشاوس وما سمي زوراً (الربيع العربي)، من الوقائع المحزنة ما يجعل الكفر بالديمقراطيات العريقة والأنظمة التابعة لها كفراً صُراحاً، مسألة القمح العراقي والسوري توضح جلياً أن كل المفردات التي تستخدم في السياسة كما الإعلام، تلك التي تنبع من الإنسانية والتعاطف مع أي كان مجرد (علاك مصدي)، تستخدم وقت الحاجة فقط، يجب عليك أن تجوع أنت أو تموت وهو الأفضل، حتى يعيش آخرون برفاهية، هل تذكرون حديث «برنارد لويس» صاحب «الفراغ المقدس» أننا ـ العرب ـ نعيش مظاهر الانقراض؟

العراق كما سوريا ومصر، من البلدان التي شهدت أوائل الزراعة المبكرة في التاريخ، ونجح مزارعوها عبر آلاف السنوات وعبر التهجين والانتخاب الطبيعي بتأمين نوعيات بذور مناسبة للظروف المناخية لأراضيهم، خاصة مسألة الجفاف ونقص المياه والأمطار، ولذلك كانت نوعيات الحبوب المنتجة هنا من النوع القاسي الممكن استخدامه في مناطق أخرى مشابهة في العالم، وحفظ المزارعون هذه الحبوب وتبادلوها بين الأجيال، وحتى العام 2003 كان لدى العراق وسوريا نظام تأمين بذور مركزي يؤمن حاجة المزارعين من البذور المختلفة مجاناً تقريباً ويحتوي أكثر من مئة نوع من الأقماح وحدها، هذا النظام تم تدميره تقريباً كله في العراق واليوم يدعم فقط ما نسبته 5% من مجمل حاجته (المعلومات من حديث للناشطة العراقية «داليا وصفي»)، أما في سوريا فإن الوضع أقل كارثية ولكنه لا يبشر كثيراً بالخير.

لم يستورد العراق القمح ولا الطحين رغم كل الحروب التي أشعلها «القائد الضرورة»، وبقي مكتفياً غذائياً حتى بدأت العقوبات الأميركية بتواطؤ دولي على الشعب العراقي قبل نظامه مفضيةً إلى أكثر من مليون ضحية.

الحاكم السامي للعراق «الرفيق بول بريمر» الذي يعتبره قطعة من قلبه، كما قال ذات مرة، أصدر مئة قرار سامٍ (شكلوها كيفما تشاؤون) تصب كلها في خدمة العراقيين «المساكين»، الخارجين من جحيم الدكتاتور إلى نعماء الديمقراطية، أكثرها وقاحة القرار رقم 81 الذي يحمل عنوان (براءة الاختراعات والتصميم الصناعي وسرية المعلومات والدوائر المتكاملة و«تنوع المحاصيل») وهو يعدل قانون براءات الاختراع الأصلي في العراق الصادر عام 1970، الفقرة الأكثر وقاحة هي تلك التي تقول بعدم إمكانية تعديل هذا القانون من قبل أي حكومة منتخبة لاحقة!

أدرج «بريمر» في قانون الاختراع العراقي القديم فصلاً جديداً يسمح بحماية «الأصناف النباتية الجديدة» كحق من حقوق الملكية الفكرية أو نوع من براءة الاختراع للأصناف النباتية، ويعطي حق الاحتكار بزراعة نباتات لمن يدعّي اكتشاف (؟) مجموعة نباتات جديدة، ومن الواضح أن هذه الحماية لا تهدف لحماية الأصناف النباتية بل لحماية المصالح التجارية لكبرى الشركات، فالمزارعين العراقيين بالتأكيد ليس لديهم القدرة على استنبات أصناف نباتية جديدة، ويحظر القرار ـ الأمر كما ورد في النسخة الإنكليزية Orderـ على المزارعين استخدام البذور التي أنتجوها لإعادة زراعة أراضيهم، وليس فقط تلك التي توزع عليهم، بل تلك التي سبق لهم الاحتفاظ بها.

فتح قانون «بريمر» الباب بشكل قانوني للشركات العابرة للقارات (الأميركية طبعاً) للاستثمار وحدها في قطاع لا يمكن للمزارعين العراقيين ضمن جهودهم الذاتية محاربته، فالقانون يمتد حتى المواد المحصودة بما يعني التحكم بشراء المنتج من المزارعين بما في ذلك للدولة العراقية التي هي أبرز الغائبين عن هذه المعركة، والخلاصة أن القرار ينص على أن محظور على المزارع العراقي حفظ البذور ومشاركتها مع غيره وإعادة زراعتها.

لا يقتصر الأمر فقط على البذور وإعادة زراعتها وبيعها، بل يمتد إلى قضية ثانية لا تقل عنها أهمية، هي قضية المواد الكيميائية اللازمة لمكافحة آفات البذور، وخاصة الأقماح، وهذا باب ثان لاقتحام الشركات العالمية البيت العراقي، فكل النوعيات المحلية السابق زراعتها ذات أمراض محددة ويعرفها المزارعون جيداً. النوعيات الجديدة التي وزعت على المزارعين قادمة من بيئة مختلفة كلياً وتحتاج مواداً جديدة مرتبطة هي الأخرى بتلك الشركات.

وزعت حكومة الائتلاف ومن ورائها عملاق الحبوب المعدلة وراثياً في العالم شركة (مونسانتو) ستة أنواع من حبوب القمح (المعدلة وراثياً) على المزارعين العراقيين، ثلاثة منها تستخدم لإنتاج المعكرونة! في بلد تتناهبه الحرب والجوع تذهب جهود أهم قطاع زارعي للتصدير وسط معاناة العراقيين من نقص في الأغذية والحبوب.

ولم يكن غريباً بالتالي أن يكون المستشار الزراعي لبريمر المدير الرئيسي السابق لشركة «كارجل» كبرى الشركات الأميركية التي تصنع المواد الكيميائية المكافحة للآفات الزراعية «دانييل آرمستوتز» وهو موظف سابق في إدارة الأغذية الأمريكية أيضاً، ما خفي كان أعظم.

في سوريا، نجحت الدولة بتأمين حاجة الناس من القمح والخبز والغذاء محلياً حتى العام 2012 بقدرات محلية، ونجحت كذلك بتأمين حاجة البلاد من البذار عبر جهات متعددة، منها بالتعاون مع «مركز أبحاث المناطق الجافة» (إيكاردا) قرب حلب، في تطوير بنك بذور فريد من نوعه ضم أكثر من 161 ألف عينة نموذجية أودعت نسخة احتياطية منها فيما سمي سفينة نوح البذور (سفالبارد) على مسافة 1300 كيلومتر من القطب الشمالي.

شملت البذور المطورة عبر الانتخاب الطبيعي لعقود، طيفاً واسعاً من مختلف أنواع الحبوب المقاومة للجفاف والأمراض في المنطقة المنخفضة الأمطار (أقل من 200 ملم سنوياً) وتصلح للزراعة في أكثر من منطقة حول العالم، ومنها شام1 و2 وحوران 1 وغيرها، ولذلك بقي المركز لسنوات يوزع لأكثر من 169 بلداً حول العالم بذوراً طبيعية ذات إنتاجية عالية.

مع اشتعال النار السورية، خرجت أكثر من نصف مناطق إنتاج القمح شمال وجنوب البلاد عن الإنتاج، وانخفضت تقديرات المساحة المزروعة إلى أقل نسبة لها منذ الستينيات، فيما بدأ استيراد الطحين الأميركي عبر «الأردن»، كما هو الحال في مناطق «حوران» التي كانت في يوم ما تسمى «إهراءات روما»، أما احتياطي البلاد الاستراتيجي الذي كان يكفي لسنوات قادمة ووضع أغلبه في صوامع الشمال (الحسكة وحلب والرقة) فقد باعه «ثوار الكرامة والحرية» بسعر التراب إلى «تركيا» و«قطر»، قبل أن تأتي «داعش» وتحصد البقية الباقية منه، ولتستورد سوريا للمرة الأولى منذ خمسين عاماً طحيناً من روسيا وأوكرانيا.

وضع البذور السورية إلى اليوم ليس حرجاً، إلا أن معلومات قادمة من مناطق الشمال والجزيرة تشير إلى توزيع بذور معدلة وراثياً (والقمح أولها) دون مقابل عبر المساعدات الزراعية التي تقدمها جهات عديدة من بينها الأمم المتحدة ومنظمات تعمل تحت غطاء إنساني تتعامل مع شركات محددة ومنها شركة «مونسانتو» كبرى شركات البذور المعدلة وراثياً التي افتتحت في «الأردن» مكتباً إقليمياً رغم أن الأخير لا ينتج القمح.

وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن البذور المقدمة للمزارعين في هذه المناطق تشبه إلى حد بعيد تلك التي قدمت لمزارعي العراق، وتفادياً (لتفتيح العين) عليها، فهي تقدم كل مرة باسم تجاري جديد منتجة من قبل شركات صغيرة استحوذت عليها شركة «مونسانتو» في مناطق متعددة من الشرق الأوسط، البحث عن المصدر التعريفي الخاص بهذه البذور (index) عملية غير ممكنة.

كذلك فقد أفاد ناشطون من الجنوب السوري بأن حبة القمح «حوران1» الأكثر بروتيناً في السلالة السورية قد انقرضت أو تكاد، وفيمايحاول هؤلاء تفادي الوصول إلى الكارثة المعدلة وراثياً، يعلمون على إنشاء بنوك بذور عضوية (بلدية) ومشاركتها بين المزارعين، على أن كل هذا العمل المقدرة قيمته كثيراً، لن يعدو أن يكون جزءاً بسيطاً مما يجب على الحكومات ومنها السورية أن تفعله، ولكن هل يمكن ذلك وسط التوحش العولمي المتزايد يوماً إثر آخر؟

تقول الأنباء أن شركة مونسانتو هي من أدخلت (بلاك ووتر) إلى العراق، وأنها لم تذكر بحرف في وثائق (ويكليكس) رغم علاقاتها الواسعة مع عديد ممن طرحت أسمائهم الوثائق، ومنهم أنظمة عربية معروفة، رغم ذلك فقد نجح ناشطون عالميون بإيقاف استخدام أوروبا لمبيد الحشائش الذي تصنعه الشركة، هل نبدأ حملاتنا في العالم العربي؟

 

بقي مركز «إيكاردا» طيلة أكثر من ثلاث سنوات هدفاً للجماعات المسلحة ومشغليها حتى تم إغلاقه تقريباً وإخراج أكثر من 161 ألف عينة من البذور إلى خارج البلد، وعبر «تركيا» التي استقبل وزير زراعتها البذور السورية كما لو كان يستقبل وفداً عالي المستوى، هل ندرك الآن التنفيذ الفعلي لكلمة \\\"الانقراض؟


نشر هذا المقال في جريدة السفير في آب 2016 وتمت مشاركته عبر مواقع التواصل الاجتماعي اكثر من 8 آلاف مرة، نعيد نشره هنا لكون موقع السفير قد توقف.

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 07 كانون2/يناير 2018 23:58
  • حجم الخط
كمال شاهين

كاتب وأعلامي سوري، رئيس تحرير الموقع

الموقع : www.halalbalad.com

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية