المحاضرة السابعة / البنود التقيدية في ميثاق حقوق الأنسان

ثالثاً : البنود التقييدية

من السمات الأخرى الرئيسة للإعلان احتواؤه على العديد من البنون التقييدية LIMITATION CLAUSES .

وهي إما بنود غايتها تقييد حق في مجال معين بالذات أو أنها تنطوي على تقييد عام . وفي الحالة الأخيرة ، يكون البند التقييدي عرضة لتفسير واسع أو ضيق بحسب رغبات وتوجهات كل دولة .


لقد دافع الاتحاد السوفيتي السابق وسعى بالفعل إلى تضمين الإعلان بنوداً تقييدية مثل " وفقاً لقانون الدولة " التي وردت في المادة ( 11 ) من الإعلان بشأن قرينة البراءة المفترضة .

ومن الأمثلة الأخرى على هذا النوع من البنود ما ورد في المادة ( 29 / 2 ) التي تنص على: " لا يخضع أي فرد ، في ممارسة حقوقه وحرياته ، إلا للقيود التي يقررها القانون مستهدفاً منها ، حصراً ، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها ، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي " .

من الواضح أن هذا النص ليس قاطعاً ، فهو بما يحتويه من آثار تقييدية واسعة وفضفاضة ، يترك هامشاً واسعاً للدول كي تتعسف في تفسير وتطبيق أحكام الإعلان والحقوق المقررة بمقتضاه . وقد أبدى ممثلو العديد من الدول الأعضاء في لجنة صياغة الإعلان ملاحظة مماثلة على هذا النص . فقد أوضح كل من ممثل أوراغوي وفرنسا أن صياغة هذا النص قد تسمح بأفعال تعسفية . أما ممثل هولندا في اللجنة ، فشدد على ضرورة أن يكون هذا النص ضيقاً إلى أقصى مدى ممكن ، وألا يكون واسعاً ليمنح الدول فرصة استغلاله لتعطيل الحقوق المعلنة . كما أبدى كل من ممثل المملكة المتحدة ولبنان واليونان خشية بأن تفتح هذه المادة الباب على مصراعيه لإساءة استعمال الحق الممنوح بموجبها للدول وللقيام بممارسات تعسفية تتنكر للحقوق المدرجة في الإعلان .

رابعاً : عالمية الحقوق المعترف بها :

يتصف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بطابع عالمي وشمولي ، فالحقوق المقررة بموجبه تثبت لكل إنسان بصرف النظر عن جنسيته أو عن انتمائه لدولة معينة . وهذا الطابع واضح تماماً ديباجة الإعلان وفي استخدام الإعلان لألفاظ من قبيل " الناس " و " الإنسان " و " الفرد " وابتعاده عن استخدام ألفاظ ذات مفهوم سياسي أو قانوني مثل " المواطن " و " الرعايا " . فهو لا يعلن " حقوق المواطن " التي تثبت للفرد لكونه عضواً في مجتمع سياسي معين ، بل حقوق بني البشر جميعهم مهما تنوعت جنسياتهم ومعتقداتهم وأمصارهم وأصولهم ، ودونما تمييز بين وطني وأجنبي إلا في بعض الحالات مثل المشاركة في إدارة الشؤون العامة ( المادة 21 ) والانتفاع من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ( المادة 22 ) . وهو ينطبق على كل عضو في الأسرة البشرية في أي مكان كان ، وبغض النظر عن قبول حكومته أو عدم قبولها بمبادئ الإعلان . ويعترف الإعلان بحقوق تتجاوز نطاق الدولة الواحدة ولا تتضمنها عادة القوانين الوطنية ، ومن قبيل ذلك حق كل فرد في أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلاده وحقه في العودة إليها ( المادة 13 ) ، وحقه في حالة الاضطهاد في أن يبحث عن ملجأ ( المادة 14 ) ، وحق كل فرد في التمتع بجنسية ما ( المادة 15 ) ، وأخيراً حقه في " استقاء الأنباء وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية " ( المادة 19 ) .

وتعزز تسمية الإعلان بالإعلان " العالمي " وليس " الدولي " عالمية حقوق الإنسان رغم الانقسامات العقائدية والتفاوتات الاقتصادية . وهذه العالمية تعني عدم جواز إهدار الحقوق والحريات تحت أية دعوى ، بما فيها دعوى الخصوصية الثقافية والاجتماعية . ولكنها لا تعني الهيمنة العقائدية أو الأيديولوجية لمجموعة من الدول على العالم . ويعبر الإعلان عن مفهوم عام مجرد لحقوق الإنسان ولد في القيم الليبرالية .

خامساً : عدم الإشارة لأي مبرر فلسفي أو عقائدي :

مما لا شك فيه أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان استلهم فلسفة الحقوق الطبيعية وجاء تعبيراً عن أفكار عصر الأنوار ومفاهيمه وفلسفاته ، ولكنه في الجانب المقابل جاء معبراً أيضاً عن الوضعية القانونية LEGAL POSITIVISM التي لا تحفل إلا بالقانون الوضعي النافذ والملزم فعلاً . ولذلك جاء الإعلان في صيغته النهائية كنص توفيقي ذي طابع براغماتي أكثر منه نظري أو تجريدي . وقد بدا هذا الطابع واضحاً في المادة ( 1 ) من الإعلان التي تنص على : " يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء " .

واضح من النص السابق عدم الإشارة لأية حجة فلسفية أو دينية تدعم مبدأ المساواة وعدم التمييز . وقد ظهر من الأعمال التحضيرية للإعلان أن هناك تياراً رافضاً لتضمين الإعلان إشارات إلى الله كخالق وكمصدر لحقوق الإنسان . كما أن هناك تياراً آخر داعماً لهذه الفكرة ومؤيداً لها بشدة . وهذا الموقف الأخير الداعم إلى الإشارة لله أو للخالق بصفته مصدراً لحقوق الإنسان برز بداية أثناء الدورة السابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي من قبل ممثلي هولند وكندا . وفي اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة ، أبدى ممثلو عدد من دول أمريكا اللاتينية ( البرازيل ، الأرجنتين ، كولومبيا وبوليفيا ) دفاعاً منقطع النظير عن تضمين الإعلان إشارة إلى الكائن الإنساني بوصفه مخلوقاً على صورة الله ومحبته .

لقد أثارت صياغة المادة المذكورة إشكالية حقيقية بسبب عبارة " ... وقد وهبوا بالطبيعة عقلاً وضميراً .. " التي وردت في مشروع الإعلان قبل إقراره ، فقد فسرت كلمة " بالطبيعة " بأنها بمثابة رفض لله أو للخالق كمصدر لحقوق الإنسان . وتجنباً للخلاف ، جرى الاتفاق على إزالة أية إشارة سواء أكانت متعلقة بالله أم بالطبيعة .

سادساً : تغليب المفهوم الليبرالي للحقوق والحريات :

من الملاحظ أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يركز على الحقوق والحريات الفردية التقليدية ، وهو لا يخصص سوى مكاناً متواضعاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ويبدو أن ميزان القوى في منظمة الأمم المتحدة وقت إقرار الإعلان كان يميل لصالح الولايات المتحدة والدول الغربية ، مما أدى بالنتيجة إلى تغليب المفاهيم والتصورات الليبرالية الغربية في الحقوق والحريات على المفهوم الاجتماعي الماركسي لها ، فلم يخصص الإعلان من بين مواده الثلاثين سوى ست مواد للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

( المواد 22 - 27 ).

ويظهر تغليب الطابع الفردي على الحقوق المعترف بها بمقتضى الإعلان من خلال الفسحة الضيقة جداً التي منحها الإعلان لواجبات الفرد تجاه مجتمعه ، فالمادة ( 29 / 1 ) منه تقضي بأن الفرد ملزم " بواجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نمواً حراً كاملاً " . ويلاحظ أن هذا النص يشدد على وظيفة المجتمع بدلاً من التركيز على واجبات الفرد فقط . كما أن واجبات الفرد في مواجهة المجتمع جاءت أقل تحديداً من حالة واجب الفرد باحترام حقوق الآخرين المنصوص عليه في المادة ( 29 / 2 ) .

قصارى القول هي أن الإعلان جاء مشبعاً بروح الليرالية ، فالمادة الأولى منه تأخذ بشكل واضح بالمذهب الفردي الليبرالي عندما تؤكد على أن الناس جميعهم يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق ولا تفضيل لأحدهم على الآخر . ومع ذلك فإن عالمية النص فرضت في بعض المواضع التوفيق بين المذهب الليبرالي والمذهب الماركسي ، مما دفع واضعي الإعلان إلى إدراج نصوص تدمج بين المفهومين . فمقدمة الإعلان تتحدث عن " انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد - أي فعلياً وليس نظرياً - بحرية القول والعقيدة ، ويتحرر من الخوف والفاقة " . ومثل هذه الصياغة تتفق بطبيعة الحال مع المذهب الاشتراكي ، الذي طالما انتقد الحقوق والحريات النظرية أو الشكلية في المذهب الفردي . وتعبر المادة ( 23 ) من الإعلان الخاصة بمكافأة العامل عن اتجاه ماركسي محض ، فهي تشترط أن تكون المكافأة عادلة ومرضية تكفل للفرد ولأسرته عيشاً لائقاً بالكرامة الإنسانية ، أي أنها تنحو نحو تغطية احتياجات العامل وأسرته وليس مقابل العمل الذي يقوم به فقط .

الفرع الثالث : مضمون الإعلان

جاء الإعلان - كغيره من الصكوك الدولية - مؤلفاً من ديباجة ومجموعة من المواد بلغت الثلاثين . وقد أكدت ديباجة الإعلان على وحدة الأسرة البشرية وكرامة وقيمة الإنسان . كما أشارت إلى الصلة بين حقوق الإنسان وشيوع العدل والسلام في العالم . وذكرت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالاحترام العالمي والفعال لحقوق الإنسان والحريات الأساسية . وأشارت أيضاً إلى النتائج المأساوية لتناسي وازدراء حقوق الإنسان وإلى ضرورة أن يتولى القانون حماية الإنسان حتى لا يضطر آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم . وبمعنى آخر يجعل الإعلان ، وإن بصورة ضمنية ، من مقاومة الطغيان والثورة على الظلم والاستبداد عملاً مشروعاً في حال انغلاق السبل وانسداد الآفاق جميعها في مواجهة المضطهدين لممارسة حقوقهم الإنسانية الأساسية .

كما توضح الديباجة الصلة بين احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والحرية في النظام الداخلي من جهة والسلام العالمي بين الأمم من جهة أخرى .

ويقوم الإعلان على مرتكزات أساسية تنبع منها كافة حقوق الإنسان هي الحرية والمساواة وعدم التمييز والإخاء . وجاءت المادة الأولى منه لتؤكد على هذه المرتكزات . أما المادة الثانية فتعلن أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في الإعلان دون أي تمييز من أي نوع ولا سيماً التمييز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر ، ودون أية تفرقة بين الرجال والنساء . وتضمنت المادة ذاتها حكماً مفاده انطباق الإعلان على البلدان والأقاليم جميعها بصرف النظر عن استقلالها أم لا . والواقع أن جنوب إفريقيا اقترحت أن ينحصر تطبيق مبدأ عدم التمييز على بعض الحقوق الأساسية فقط والتي ليس من بينها حق المشاركة في الحكم . ورأت بعض الدول أن هناك عدداً من الحقوق التي لا يمكن بالضرورة أن يتمتع بها المقيمون في المستعمرات أو الأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية .

وينادي الإعلان بصنفين من الحقوق المدنية والسياسية التقليدية القديمة والتي بدأت في الازدهار أثناء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديدة التي أصبحت محل إقرار الدساتير الحديثة .

أولاً : الحقوق المدنية والسياسية :

وردت هذه الحقوق التقليدية ذات الطابع الفردي في المواد من ( 3 ) - ( 21 ) . وهي تشمل حقوقاً لصيقة بالشخصية ( حقوق الشخصية ) مثل الحق في الحياة والحرية وفي الأمن ( المادة 3 ) ؛ وقد أثار هذا الحق مشكلة تتعلق باللحظة التي تبدأ الحياة عندها وأخرى تتعلق بشروط توقيع عقوبة الإعدام أو سلب الحرية . ومثل الحق في عدم الاسترقاق أو الاستبعاد ( المادة 4 ) الذي أثار مسألة الاسترقاق الاختياري ، والحق في عدم الخضوع للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة ( المادة 5 ) ، وحق الإنسان في كل مكان بأن يعترف له بالشخصية القانونية ( المادة 6 ) ؛ أي بصلاحية اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات ، والحق في المساواة أمام القانون وفي حق التمتع بحماية القانون دون تمييز ( المادة 7 ) .

كما تشمل هذه الطائفة من الحقوق مجموعة الحقوق الضامنة للأمن الشخصي وهي :

الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة للانتصاف الفعلي من أية أفعال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون ( المادة 8 ) ، والحق في عدم الخضوع للاعتقال أو الاحتجاز أو النفي تعسفاً ( المادة 9 ) ، وحق كل إنسان في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة ، نظراً منصفاً وعلنياً ، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه ( الحق في المحاكمة العادلة ) ( المادة 10 ) والحق في اعتبار كل شخص متهم بجريمة بريئاً ما لم تثبت إدانته بحكم قطعي وتحريم رجعية القوانين الجزائية ( المادة 1 ) ، وحق الشخص في أن يحمي من أي تدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته وشرفه وسمعته ( المادة 12 ) . وأخيراً يأتي الإقرار بالحق في التماس الملجأ خلاصاً من الاضطهاد ، ولكن مع النص على عدم جواز التذرع بهذا الحق إذا كانت هناك ملاحقة ناشئة بالفعل عن جريمة غير سياسية أو عن أعمال تناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها ( المادة 14 ) .

وتتضمن هذه الطائفة أيضاً الحقوق السياسية للفرد :حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ، بما في ذلك الحرية في اعتناق الآراء دون مضايقة ، وفي التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين ، بأية وسيلة ، ودونما اعتبار للحدود ( المادة 19 ) ، والحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية ( المادة 20 ) ، وحق الشخص في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده ، إما مباشرة أو بوساطة ممثلين يختارون بحرية ( المادة 21 / 1 ) ، والحق في اختيار الحكومة من خلال انتخابات نزيهة تجري دورياً ( المادة 21 / 3 ) ، وحق كل شخص بالتساوي مع الآخرين في تقلد الوظائف العامة في بلده ( م 21 / 2 ) .

ويضاف إلى هذه المجموعة من الحقوق المتصلة بالحياة السياسية حق الشخص في حرية الفكر والوجدان والدين ، بما في ذلك حريته في تغيير دينه أو معتقده ، وحريته في إظهار دينه أو معتقده ، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم ، بمفرده أو مع جماعة ، وأمام الملأ أو على حدة ( المادة 18 ) .

وتشمل أخيراً مجموعة الحقوق المتعلقة بحياة الأفراد الاجتماعية والقانونية ، وهي حق كل فرد في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة وحقه في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده ، وفي العودة إلى بلده ( ورد هذا الحق في المادة ( 13 ) من الإعلان وهو أحد المرتكزات الأساسية لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة ) وحق كل فرد بالتمتع بجنسية ما وبعدم حرمانه منها ولا من حقه في تغييرها تعسفاً ( المادة 15 ) والحق في الزواج وتأسيس الأسرة التي تعد " الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع ، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة " ( المادة 16 ) .

ثانياً : الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية :

تتضمن هذه الطائفة من الحقوق التي ورد النص عليها في ست مواد من مواد الإعلان ( المواد 21 - 27 ) حق الفرد في التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره ، مع عدم جواز تجريد أحد من ملكيته تعسفاً ( المادة 17 ) . وتمهد المادة ( 22 ) من الإعلان لهذه الطائفة من الحقوق المستحدثة أو الجديدة ، فتعتبر أن كل " شخص ، بوصفه عضواً في المجتمع ، يتمتع بالحق في الضمان الاجتماعي ، وفي أن توفر له ، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي ، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها ؛ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية " ( المادة 22 ) . وتضمن الإعلان النص على حق كل شخص في العمل . وفي حرية اختيار عمله ، وفي شروط عمل عادلة ومرضية . وفي الحماية من البطالة ، والحق في أجر متساوٍ على العمل المتساوي ، والحق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل للفرد ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة الإنسانية ؛ وتستكمل عند الاقتضاء بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية ، فضلاً عن حق كل شخص في إنشاء النقابات مع الآخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه ( المادة 23 ) . كما تضمن حق كل شخص في الراحة وأوقات الفراغ ؛ وخصوصاً في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات دورية مأجورة ( المادة 24 ) ، وحق كل شخص في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته وحقه فيما يأمن به من الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه ( المادة 25 / 1 ) ، وحق الأمومة والطفولة في الرعاية والمساعدة ( المادة 25 / 1 ) ، والحق في التعليم ؛ الذي يجب أن يوفر مجاناً ، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية ، ويجب أن يستهدف " التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين الأمم جميعها وجميع الفئات العنصرية أو الدينية " ( المادة 26 / 2 ) ، وحق الأولوية للآباء في اختيار نوع التعليم الذي يعطي لأولادهم ( المادة 26 / 3 ) ؛ ولكنه لا ينظر إلى رغبات الآباء أو غيرهم بالنسبة للتعليم الابتدائي ( الإلزامي ) .

ويختتم الإعلان قائمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمناداة بحق كل شخص في المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية ، وفي الاستمتاع بالفنون ، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه ، فضلاً عن حق كل شخص في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه .

وختاماً تختص المواد الثلاث الأخيرة من الإعلان بالعلاقة بين الفرد والمجتمع ( المواد 28 - 30 ) ، فالمادة ( 28 ) تؤكد أن " لكل فرد حق في التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق في ظله جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان تحققاً تاماً . " غير أن الإعلان يؤكد على حقوق الدولة حيث يشير إلى وجود واجبات على كل فرد نحو المجتمع وإلى عدم إطلاق الحقوق التي ينادي بها . فالمادة ( 29 ) توضح أن " على كل فرد واجبات إزاء الجماعة ، التي فيها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل " . وقد تساءل شارل مالك ( ممثل لبنان في لجنة الصياغة ) عما إذا كانت مثل هذه الواجبات تقع على الفرد بصرف النظر عن خصائص دولته .

وتضيف المادة في فقرتها الثانية عبارة : " ولا يخضع أي فرد ، في ممارسة حقوقه وحرياته ، إلا للقيود التي يقررها القانون " . ولكن المادة توضح أن هذه القيود يجب أن يكون الهدف منها فقط " ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها ، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي " . وهكذا فإن أية حكومة تضع قيوداً على الحقوق والحريات يكون القصد منها تحقيق أهداف أخرى خلاف تلك المذكورة في الإعلان تخرق هذا الأخير . وبوجه خاص فإن أي قيود يكون الهدف منها مصادرة الحق وليس تنظيمه تتنافي وواجب مراعاة الإعلان " .

يتضح مما سبق أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يتضمن أي نص يعالج حقوق الأقليات ، وقد نتج هذا الوضع بسبب الفكرة التي سيطرت حينذاك على ذهنية واضعي النص ، فهم لا يريدون تكرار التجربة التي خاضتها عصبة الأمم من خلال نظام الأقليات المذكورة آنفاً . كما أنهم انطلقوا من أن الإقرار لكل شخص بحقوقه وحرياته الأساسية دون تمييز يكفي لاحترام كرامته وشخصيته ولا داعي لإقرار حماية لجماعة الأقلية إن كان منتمياً لها أو أحد أفرادها . وقد جرى شطب النص الذي كان مخصصاً لحماية الأقليات في مشروع الإعلان نزولاً على اعتبارات سياسية أو مصلحية أكثر منها قانونية أو مبدئية .

وعلى أي حال ، فإن الجزء الثالث من توصية الجمعية العامة التي تبنت هذه الأخيرة الإعلان بمقتضاها جاءت معنونة بـ " مصير الأقليات " وأحالت المسألة برمتها إلى لجنة حقوق الإنسان وللجنة الفرعية التابعة لها . أما نتائج عمل هذه اللجنة في مجال حماية حقوق الأقليات فستكون محلاً للدراسة والتحليل لاحقا .




 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الخميس, 18 شباط/فبراير 2010 20:38
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية