ماذا عن أسئلة الحرية بعد سنوات الحرب؟

تقاتل الجبهات كافّة في سورية في مناطق متفرّقة، لكن ما الذي يحدث بالضبط ؟! هذا ما لا نعرفه، حتّى لوسألت المقاتل ذاته على جبهة ما فلن يعرف، يقاتل تبعاً لأوامر أو لعقيدة وِضعَت بشكل فطري في عقله وقلبه كالملح تماماً بطريقة ذكيّة ومدروسة (فكثرة الشيء كانعدامه) وهذا ما يحدث في عقيدة المقاتل عندما توضع موضع السؤال.

من لا يحب الملح أو يعاني من أمراض القلب يمكنه أن يستغني عنه لكنّه يجبر على مأكولات مغايرة ويعكّر مزاجه بامتناعه عن قهوته الصباحية وفيروزه السوريّة، وهذا ما يحدث للمقاتل قبل إقباله على القتال.

من لا عقيدة له فالوطن يقدّم له القانون -القانون لا يحمي المغفلين ـ (الخدمة الإلزاميّة) و (عبد فلان (الإله) بالإضافة (ربّة بيت لفّاية) كلّهم تحت البند الواحد: الخدمة الإلزاميّة، للقتال دفاعاً عن الوطن و تطهيره من الأعداء وعبد فلان لعبادة إله معيّن والانخراط بقوانينه مرغماً بعقيدته الفطريّة و \\\\\\\"ربّة البيت\\\\\\\" مرغمة على تربية أطفالها وتنظيف البيت وتطهيره من الآفات التي قد تلحق الأذى بسكّان بيتها.

إذاً نحن موضوعين بإرادتنا أو غيرها تحت عقيدة معيّنة (دينيّة، عسكريّة، أخلاقيّة ...) كيف لنا أن نطالب بالحريّة، أو بالأحرى تحت أي بند علينا أن نطالب بها وكيف لنا الحق بهذا الفعل والإقدام عليه دون مراجعة أوامر ضميرنا وما يمليه علينا!

نحن نعرف سابقاً بأوامر الإله والدولة والأخلاق لكن العقيدة التي لا نعرفها ونجهلها تماماً هي عقيدة الغرائز ما أريد أن أفعله فلأفعله

 إذاً أنت تملك هنا عقيدة ما وضعتها أنت بداخلك أو الصور الجنسيّة أو المخدّرات قد وضعتها، إذاً فالواضع للعقيدة داخلك في هذا الوضع هي الغرائز التي تشدّك على فعل الأمور التي يريدها قلبك وعقلك لإمتاع نفسيّتك وجسدك ونظرك وحتّى سمعك إذا أردنا أن نتطرّق لحريّة الموسيقى، فموسيقيّي الكلاسيك يرفضون تماماً موسيقيّي الميتال والروك الصاخبة وهذه الحال للطرف الآخر.

الحريّة لتعريفها بشكلها البسيط علينا أوّلاً التطرّق لموضوع احترام الآخر وما يريد فعله وسماعه ورؤيته وعبادته و ...إلخ وعلينا تسليم كافّة الأمور المؤمَن بها سابقاً بعقائد مختلفة لسلّة المهملات، فالملح هنا هو الاحترام اوّلا ً

والمطالبة بالحريّة في دولة تخضع شعبها لقوانين عديدة كالذهاب للموت مجبراً تحت مسمّى \\\\\\\"الدفاع عن الوطن والعرض والشرف\\\\\\\" هو أمر قبل أن يكون قانون دفاعاً عن العرش أو الوطن كما يسمّى هو أمر إلهي بحت كأن يأمر الدين برجم المرأة الزانية وكأن تأمر الأم ابنتها بالزواج من عريس غني كي تصرف على أسرتها وتعيش حياة كريمة، فالأمر هنا إرغام والأمر ضد عسكر مخالفته هي الموت قسراً إن نفذت الأمر أو لم تستجب له! والموت ليس بالضرورة نفاذ الروح من الجسد فالموت الأصعب نفاذ العقل من الرأس.

والدول التي تزعم بإعطاء الحريّة لشعبها نجد العديد منها لا يهتم بالأمور السياسيّة لا بل الكثير يعيش \\\\\\\"حياة كريمة\\\\\\\" لا ترغم الأم ابنتها على مشروع الغنى! و هناك نسبة بطالة نعم لكن بالمقابل رواتب البطالة تصرف بشكل دوري واللاجئين يملئوا أوروبا ليعيشوا الحريّة، فنراهم ينخرطون -غالبيّتهم -في عقائد الغرائز أو يجتمعوا في حيّ معيّن ويبنوا جامع !

ممّا تهربون؟ يجيبون بكلّ ثقة -من الأوامر. قبل أن تتلقّى الأمر فأنت تأمر عقلك بالنوم أو جسدك يرغمه، وأنت تأمر ابنك أن يدرس وتأمر شعرك بالجمال فتقصّه قسراً أو تحلقه.

نستنتج من هذا كلّه أنّنا خلقنا على الأوامر ومارسناها حتّى ورفضناها وأغضبتنا لكنّنا نقوم بها وتقوم بنا في حياتنا اليوميّة، فلست قادرة على المطالبة بالحريّة إن كنت أرفض مجتمعي فهذه أنانيّة مبالغة أكثر من أنانيّة الأم!

 

سافروا إن استلزم الأمر ... لا تقاتلوا وتقتلوا طلباً للنقود (انطلقت حركة الهيبيز من الفقر والتشرد)فالعقائد تحكمنا وتتغلغل في عقولنا وعواطفنا.

وفي حريّة الشعب لا نستطيع تحديد المفهوم الذي طولب به، في فترة الحراك الشعبي في سوريا، خرج العديد من الناس ومن مناطق مختلفة، وهنا لا نستطيع الجزم بأنّ الحريّة التي طالب بها أهل درعا هي ذاتها الحريّة التي طالب بها شعب إدلب، والحريّة التي صرخ لها أهل حمص، هنا في سوريا لا تستطيع جمع الطوائف في بئر واحد، فمياه حلب تختلف عن مياه دمشق، ومن غير المعقول أنّ الحريّة التي نادى بها المثقّف في أوائل الحراك في دمشق وبعض المدن تتساوى مع مطالب الدرعاويّ.

لنحلّل الأمر:

ينادي أغلبيّة مثقّفي سوريا بالتحرّر المدنيّ، وفصل الدين عن الدولة.

سكّان المناطق الداخليّة لن تستوعب حريّة المرأة وحقّها باختيار القرار الذي يناسبها في مجالات حياتها.

لا أستطيع فهم مخترع كلمة حريّة / freedom / liberte ، إذا كانت الحريّة \\\" أن أفعل ما أريد\\\" إذاً للنظام و حلفائه الحق بالقصف والقتل دفاعاً عن كيانهم، كما للمعارضة وحلفائها الحق بالمثل.

كيف ستصبح حرّاً يفعل ما يشاء بالموازاة مع احترام الآخر، اقرأ الجملة السابقة مجدّداً وفكّر... اقرأ، فكّر!

مالّذي نجده في المجتمعات الغربيّة يغرينا؟ هل تكون \\\\\\\" الحريّة\\\\\\\" ؟!

ذكاء الغرب هو ما فاقنا حريّة، خطّة الدول الحاكمة تزيدني دهشة، ما فعله الغرب ليصبحوا على هذه الصورة من الحريّة هو التالي:

عندما أعطي لشعبي ما يريدوه من ماديّات (كالكهرباء والانترنت السريع والاتصالات الجيّدة و مرتبات متوازنة مع المعيشة وبثقل الجهد المصروف) ومعنويّات ( من حريّة دينيّة و جسديّة و مجتمعيّة بشكلٍ عام)  بشكل سهل مقارنةً بما نعانيه هنا من صرف للطاقة وجهد التفكير، لن تشغل عقول السكان الغربيين \\\\\\\"الحريّة\\\\\\\"، وبالمقابل إن طالبوا بتعديل قانون جديد أو تنحي أحد المسئولين فهذا ينمّ عن عقول ذي خلفيّة مثقّفة، فالخطّة الأقوى التي اعتمدها الغرب هي الاهتمام الأكبر بالتعليم والقضاء، ودولة لتعليمها وقضائها الحد الأدنى من الاهتمام، لا تقوى على أن تكون دولة في المعنى العمليّ لها.

 إذاً هل للحريّة شكلُ آخر؟ للحريّة أشكال، المتديّن ينادي بحقّ المرأة في ارتداء الحجاب، المدنيّ ينادي بحق المرأة باتخاذ قرارها بنفسها، المرأة في بعض المجتمعات ترفض، وبعض النساء تستلذ بقوّة الرجل، وحقوق الرجال والشباب لا مكان لها في بلادنا، فعندما يذهب كل شاب للقتال لا يحقّ له الرفض، فجلّ ما يحقّ له السفر، والمسافرون إلى السودان يموتون ألف ميتة، أين حقوق الرجال ها؟!، للحريّة أشكال، للدولة حق التصرف بشعبها... نعم! وللعسكر حق رفع السلاح في على كورنيش البحر أو في المطاعم، للباس المموّه الحق في تصنيفه كموضة العصر، للبائع الحق في الغلاء كما حق المشتري بضرورة الشراء، للشعب الأوروبّي الحق في شراء حريّته على شكل ضرائب، وللبلم الحق في إغراق المهاجر، وكم من حقوق على شكل مطالب!

 الحريّة: التحرّر التام، تبدو لي فيزيائيّاً وأخلاقيّاً صعبة سوى على بعض الحيوانات، القط يصرعنا في شباطه، والجرذ يعيش في المجاري، الكلب يدلّل في المنازل، وأنا أطالب بالحريّة!

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 08 نيسان/أبريل 2018 00:54
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية