المحاضرة الخامسة والسادسة / تقييم حقوق الإنسان في الميثاق

المطلب الخامس: تقييم حقوق الإنسان والحريات الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة جاء ذكر حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في الميثاق عاماً وغير محدد ، فهو لم يحدد هذه الحقوق والحريات ، هذا مع أن وفود كل من كوبا وتشيلي وبنما كانت قد اقترحت في مؤتمر سان فرانسيسكو اقتراحاً يرمي إلى تضمين الميثاق قائمة بحقوق الإنسان الأساسية التي تتعهد الدول الأعضاء في المنظمة بمراعاتها . كما جاء الميثاق خالياً من آلية لمراقبة مدى امتثال الدول للتعهدات التي أخذت بها على عاتقها في مجال حقوق الإنسان . والواقع أن غياب مثل هذه الآلية في الميثاق يمكن فهمه إذا ما تذكرنا أن الاهتمام الأساسي كان يتمحور وقت صدور الميثاق على السلم والأمن الدوليين ، بينما كانت النظرة إلى حقوق الإنسان ثانوية ، وهو ما جعل حالة حقوق الإنسان في الدول المنتصرة وقت إعداد الميثاق حالة أبعد ما تكون عن المثالية .
فقد كان الاتحاد السوفيتي السابق - على سبيل المثال - يعيش نظاماً بوليسياً وحديدياً ، وكان التمييز العنصري معترفاً به قانوناً في الولايات المتحدة . أما بريطانيا وفرنسا ، فكان الهم الأول لهما المحافظة على مستعمراتها في آسيا وإفريقيا .

ومما يثبت عدم رغبة الدول التي أعدت الميثاق في قيام المنظمة العالمية بصلاحيات واسعة في مجال حقوق الإنسان ، عدم اشتراط مراعاة حقوق الإنسان في الدول الراغبة في الدخول في عضوية المنظمة ، وتأكيد المادة ( 2 / 1 ) من الميثاق على مبدأ المساواة في السيادة بين الأعضاء جميعهم . وقد وقف مبدأ السيادة ، وهو أحد المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي ، عائقاً أمام إعداد نظام أكثر فاعلية للحماية الدولية لحقوق الإنسان . فالنواقص في الميثاق بصدد هذه المسألة كثيرة ، ومن أهمها أن كل ما تملكه الهيئة هو تشجيع وتطوير حقوق الإنسان ، ويطلب إلى أجهزتها الرئيسة - باستثناء مجلس الأمن - عمل دراسات وتوصيات ، ولكنه لا يضع أية آلية لاحترام حقوق الإنسان ولا يحدد - كما ذكر سابقاً - مضمون هذه الحقوق . ومع ذلك ، يبقى ميثاق الأمم المتحدة منعطفاً مهماً ونقطة تحول جذري على صعيد تدويل حقوق الإنسان وإدماجها في النظام القانوني الدولي .

ويحظر الميثاق في المادة ( 2 / 7 ) منه على الأمم المتحدة التدخل في المسائل التي تعد من صميم السلطان الداخلي أو الاختصاص الوطني للدول . وقد كان بعض الدول - ولا تزال - تصر على أن معاملة الدولة للأفراد الخاضعين لولايتها تعد خير مثال على المسائل المذكورة . ووصل الأمر إلى حد أن بعض الدول كانت خلال السنوات الأولى التي تلت إنشاء منظمة الأمم المتحدة ترى أن مجرد ذكر مسائل حقوق الإنسان في جدول أعمال المنظمة يشكل خرقاً للمادة السابقة .

ومن جهة ثالثة ، لم يتضمن الميثاق آلية تكفل حماية ( protection ) دولية محددة لحقوق الإنسان ، ويقتصر دور الأمم المتحدة أساساً على " تشجيع " أو " تعزيز " ( promotion ) حقوق الإنسان ، أي العمل على احترام هذه الحقوق والحث عليه دون أن يصل الأمر إلى تحقيق التمتع الفعلي بها في الدول الأعضاء في المنظمة . ولا تتدخل الأمم المتحدة حسبما يفهم من نص المادتين ( 55 ) و ( 2 / 7 ) من الميثاق ، لضمان احترام حقوق الإنسان ، إلا في حالة واحدة هي حينما يكون من شأن انتهاك هذه الحقوق تعريض السلم والأمن الدولي للخطر .

بالرغم من المآخذ السابقة ، لا يسع المرء إلا أن يرى في الميثاق حجر الأساس القانوني للتطور الذي شهدته الحماية الدولية لحقوق الإنسان بعد ذلك . فالرأي السائد الآن هو أن مسألة حقوق الإنسان لم تعد من الاختصاص الداخلي أو من " المجال المحفوظ " للدولة ، وإن كان هذا لا يعني أن أي خرق لحقوق الإنسان من قبل دولة ما يصبح تلقائياً مشكلة دولية . وكل ما يعنيه هو أن الدول لم يعد بمقدورها التمسك بمبدأ الاختصاص الوطني لاستبعاد تدخل الأمم المتحدة في حالة الخروقات المنهجية والصارخة لحقوق الإنسان . ومفهوم الخروقات المنهجية والصارخة مفهوم متطور يعتمد على حالة المجتمع الدولي . ولا شك أن المجتمع الدولي لم يعد يبدي الدرجة ذاتها من التسامح واللين التي كان يبديها من قبل إزاء هذه الخروقات . وما إنشاء المحاكم الجنائية الدولية لمحاكمة ومعاقبة مرتكبي مثل هذه الخروقات إلا دليل على صحة هذه المقولة .

ويشهد الواقع على أن المنظمة قد خطت خطوات واسعة في مجال الانتقال من مرحلة تعزيز حقوق الإنسان إلى حمايتها . فهي لم تعد تكتفي بالأنشطة التي ترمي إلى إجراء تحسينات على أداء الدول في مجال حقوق الإنسان في المستقبل ( وظيفة التعزيز ) ، بل أصبحت تحرص على معالجة خروقات الدول لحقوق الإنسان ( وظيفة الحماية ) . وقد سمحت الوظيفة الأولى للمنظمة بتقنين حقوق الإنسان عن طريق إعدادها لعدد هائل من الصكوك الدولية ( اتفاقيات وإعلانات ) المتعلقة بحقوق الإنسان التي يأتي في طليعتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان . وأمكن مع هذا التقنين تحديد الالتزامات التي ترتبها المادتان ( 55 ) و ( 56 ) من ميثاق الأمم المتحدة على الدول الأعضاء في المنظمة ، ولا يمكن والأمر كذلك التمسك بالمادة ( 2 / 7 ) من الميثاق التي تحظر التدخل في الشؤون التي تعد من صميم الاختصاص الداخلي لمنع اتخاذ تدابير ضد الدولة المسؤولة عن انتهاكات لحقوق الإنسان . ومن المتفق عليه اليوم أن الدول التي تقوم بأعمال تشكل خروقات صارخة ومنهجية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية ، إنما تتنكر لواجبها في تعزيز الاحترام العالمي والفعلي المنصوص عليه في المادتين المذكورتين .

ويندرج في إطار الوظيفة الأولى أيضاً التعاون والمعونات التي تقدمها الأمم المتحدة للدول بغية تطبيق التزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان . وتتمثل هذه المعونات الفنية بتقديم الخدمات الاستشارية وإجراء البرامج التدريبية لمختلف الفئات المعنية بحقوق الإنسان .

أما الوظيفة الثانية ، فقد سمحت للأمم المتحدة بإنشاء عدد كبير من أجهزة أو هيئات الرقابة المختصة برصد ومتابعة الامتثال الفعلي بحقوق الإنسان في مختلف الدول . ومع إنشاء هذه الأجهزة أو الهيئات باتت الدول مدركة اليوم أكثر من أي وقت مضى أنها لا تستطيع الإمعان في التنكر لحقوق الإنسان دونما أي جزاء يذكر .

إن إنشاء هذه الأجهزة أو الهيئات يعد من النجاحات المهمة التي حققتها الأمم المتحدة . فقد غدت الصكوك الدولية التي أصدرتها أو أعدتها الأمم المتحدة والأجهزة أو الهيئات الاتفاقية التي أنشأتها تمثل أساساً لحماية الفرد وحقوقه في القانون الدولي .

وأخيراً لا يستبعد الميثاق إمكانية اتخاذ الأمم المتحدة لتدابير ملزمة قانونياً فيما يتعلق بحقوق الإنسان . فمثل هذه التدابير يمكن لمجلس المن في حالات تهديد السلم أو الإخلال به أو في حالة أعمال العدوان ( المادة 39 من الميثاق ) اتخاذها . ولا شك أن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان يمكن أن تكون سبباً في تهديد السلم ، وهذا ما ذهب إليه مجلس الأمن في عدة حالات . ومع ذلك فلا شك في عجز الأمم المتحدة عن علاج بعض أخطر الانتهاكات الأساسية لحقوق الإنسان التي ما زالت ترتكب على نطاق مفزع في مختلف أرجاء العالم مثل التعذيب والاختفاء القسري والوفاة أثناء الاحتجاز والإعدام دون محاكمة أو تعسفاً والتطهير العرقي وغيرها .

المبحث الثاني

الشرعة الدولية لحقوق الإنسان

يقصد باصطلاح الشرعة الدولية لحقوق الإنسان LA CHARTE INTERNATIONALE DES DROITS DE I,HOMME / INTERNATIONAL BILL OF RIGHTS والذي أطلقته لجنة حقوق الإنسان في دورتها الثانية المعقودة في جنيف في الفترة من 3 - 17 / 12 / 1947 على مجموعة الصكوك الجاري إعدادها وقتذاك وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليان لحقوق الإنسان . وكان اقتراح وضع إعلان ملحق بالميثاق حول حقوق الإنسان الأساسية قد طرح من قبل بعض الوفود أثناء انعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو الذي أعد ميثاق الأمم المتحدة . ولكن هذا الاقتراح لم ينل قبول المؤتمرين . وأعيد الاقتراح من قبل بنما في الدورة الأولى للجمعية العامة التي عقدت في لندن عام 1946 ، ومن ثم كلفت لجنة حقوق الإنسان المنشأة حديثاً بإعداد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان .

وقد ارتأت اللجنة أن تكرس جهودها في المرحلة الأولى من عملها لإعداد إعلان دولي له صفة برنامج عام غير ملزم ، على أن يعقبه اتفاقية أو أكثر تتضمن التزامات قانونية واضحة وتدابير محددة لحماية حقوق الإنسان . وبالفعل أسفرت جهودها عن إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 / 12 / 1948 . وفي عام 1954 ، تمكنت اللجنة من إعداد عهدين دوليين أحدهما خاص بالحقوق المدنية والسياسة والأخر خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فضلاً عن البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية . وقد أقرت الجمعية العامة هذين العهدين والبروتوكول بعد اثنتي عشرة سنة من تمام إعدادها ( 1966 ) . ودخل العهدان والبروتوكول حيز النفاذ بعد عشر سنوات ( 1976 ) .

وفي عام 1990 ، اعتمدت الجمعية العامة بروتوكولاً اختيارياً ثانياً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ويتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام .

توصف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بأنها الأساس الأخلاقي والقانوني لكافة أنشطة الأمم المتحدة ذات الصلة بحقوق الإنسان وبأنها حجر الزاوية للنظام الدولي المتعلق بحماية وبتشجيع حقوق الإنسان . وهي أيضاً تعد بمثابة " ما جناكارتا" تدلل على ما وصل إليه العقل البشري في مجال حماية الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان ، ولذلك فإن دراسة مكونات هذه الشرعة والوقوف على مضمونها وآثارها مسألة أساسية لأي دارس في مجال حقوق الإنسان .

المطلق الأول

\لإعلان العالمي لحقوق الإنسان

مما لا شك فيه أن قوى الحداثة والتسامح واستيعاب الآخر التي يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سينظر إليها مستقبلاً بأنها إحدى أهم الخطوات التي اتخذتها البشرية في سبيل يناء حضارة عالمية . فهذا الإعلان الذي يمثل محطة بارزة في تاريخ البشرية ، جرى اعتماده من الجمعية العامة دون أي صوت معارض ، وإن كانت بعض الدول قد امتنعت عن التصويت أثناء إقراره . ولذلك سرعان ما اكتسب الإعلان أهمية سياسية ومعنوية ، لا بل وقانونية ، لم يتمتع بها أي صك دولي آخر باستثناء ميثاق الأمم المتحدة . وقد غدا الإعلان يتبوأ مكانة بارزة في النضال من أجل حرية الإنسان وكرامته .

الفرع الأول : الأصول التاريخية والنشأة

يرجع تاريخ إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنتين إلى الوراء من تاريخ إقراره في 10 / 12 / 1948 ، فقد بدأت الفكرة في 10 / 12 / 1946 حيث طلبت الجمعية العامة في دورتها الأولى من لجنة حقوق الإنسان إعداد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان . وفي دورتها الأولى المنعقدة في 27 / 1 / - 10 / 2 / 1947 ، شرعت اللجنة في القيام بالمهمة الموكولة إليه ، وعينت مباشرة لجنة لصياغة الشرعة المقترحة من ثماني دول هي :

استراليا والصين وفرنسا ولبنان والاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة والمملكة المتحدة . وأنشأت لجنة الصياغة في حزيران / 1947 مجموعة عمل من السيدة روزفلت والسيد شانغ والسيد شارل مالك لدراسة الآراء والمقترحات التي جرى التعبير عنها ، ولإعداد مشروع أولي للشرعة الدولية لحقوق الإنسان . إلا أن مجموعة العمل طلبت من السيد رينيه كاسان إعداد مشروع الشرعة المقترحة ، ودرست لجنة حقوق الإنسان في دورتها الثانية المعقودة في جنيف في كانون الأول / 1947 تقرير لجنة الصياغة ، الذي تضمن مشروعاً لإعلان عالمي لحقوق الإنسان وآخر لاتفاقية دولية لحقوق الإنسان .

وفي دورتها الثالثة ( حزيران / 1948 ) اعتمدت اللجنة مشروع الإعلان بموافقة إثني عشر عضواً من أعضائها ، مع امتناع أربعة أعضاء ( ممثل كل من روسيا البيضاء وأوكرانيا والاتحاد السوفييتي السابق ويوغوسلافيا السابقة ) . وقامت اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة ( اللجنة الاجتماعية والإنسانية والثقافية ) بمناقشة مشروع الإعلان في جو مشحون بظلال الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي . وعرضت اللجنة المشروع بعد إحدى وثمانين اجتماعاً لها على الجمعية العامة التي اعتمدت الإعلان في 10 / 12 / 1948 في باريس ( قصر شايو CHAILLOT ) بموافقة شبه إجماعية . فقد كان عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حينذاك ( 58 ) دولة ، أيدت ( 48 ) منها الإعلان وامتنعت ( 8 ) دول عن التصويت وتغيبت دولتان هما الهندوراس واليمن .وكما أوضحنا في موضع سابق ، فإن أغلبية الدول الممتنعة عن التصويت كانت من الدول الشيوعية ، وقد بررت هذه الدول موقفها على أساس أن الإعلان لم يعالج واجبات الفرد نحو المجتمع ولأنه رجح كفة الحريات الرأسمالية . كما يرجع هذا الامتناع إلى خشية هذه الدول من تدخل الأمم المتحدة في شؤونها الداخلية باسم حقوق الإنسان وإلى عدم تطرق الإعلان إلى الوسائل التي ينبغي على الدول اتخاذها بغية إعمال حقوق الإنسان ، وقد انتقدت الدول الشيوعية موقف الدول الغربية الرافض لإدانة ظاهرة الفاشية صراحة في الإعلان ، متذرعة في ذلك باستحالة وضع تعريف جامع مانع لهذه الظاهرة التي كانت وراء اندلاع الحرب العالمية الثانية .

أما امتناع المملكة العربية السعودية عن التصويت ، فيرجع أساساً إلى تضمين الإعلان - من وجهة نظرها - عدداً من الحقوق والحريات التي لا تتفق وخصائص المجتمع الإسلامي . فالمادة ( 16 ) من الإعلان تعترف للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج بالحق في الزواج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب العنصر أو الجنسية أو الدين . وللزوجين بموجب المادة ذاتها حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيام الزواج وانحلاله ، ولا يفرق النص بين الاتحاد الطبيعي والزواج الرسمي الذي يقره المجتمع والقانون . كما أن المادة ( 18 ) منه تقر حرية إبدال الدين أو المعتقد .

وتحرم المادة ( 2 ) التمييز بسبب المولد ، أي أنها لا تفرق بين الطفل الشرعي والطفل المولود خارج رابطة الزوجية ( الطفل الطبيعي ) . أما المادة ( 25 ) ، فتشير صراحة إلى أن لجميع الأطفال الحق في التمتع " بالحماية الاجتماعية ذاتها سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار " . ومن المعروف أن الشريعة الإسلامية لا تقر التوارث بين الآباء والأبناء الطبيعيين ، وإن كانت تجيز التوارث بينهم وبين أمهاتهم . فموقف المملكة العربية السعودية يندرج ضمن جدلية الخصوصية / العالمية ، وهي مسألة لا يبدو أن الصكوك الدولية لحقوق الإنسان تتنكر لها . فمن المستحيل تخيل وجاهة حجج الثقافية أو الخصوصية للتحلل من حق الإنسان في الحياة أو من حرمة الجسد والسلامة البدنية والعقلية أو من تحريم الرق والاعتقال أو النفي التعسفيان . فهذه الحقوق تتصل اتصالاً وثيقاً بالركائز الأساسية للكرامة الإنسانية ، بصرف النظر عن منظومة القيم التي يرتبط بها الفرد . كما أنها مصاغة بصورة عامة تسمح للدول - مهما كانت ثقافاتها - أن تقرها وتتقبلها .

ويظهر أن أية مفاهيم أو تصورات اجتماعية أو ثقافية تتعلق بالإنسان وبالمجتمع لا تتفق مع هذه الحقوق ستكون شاذة ولا مجال للدفاع عنها .

وربما تكون حجج الخصوصية أو النسبية الثقافية أكثر قبولاً بالنسبة للحقوق الأخرى ، فالحق في الرضا الحر والكامل في الزواج من جانب الزوجين الراغبين في الزواج قد يقبل تفسيراً ثقافياً أو أنثروبولوجياً محدداً ، وهو ليس حقاً عالمياً اليوم حتى في الغرب . وهو كما يذكر - جاك دونللي - " ثانوي بالنسبة للحق في الزواج أو تكوين أسرة " الذي يحظى بإجماع كافة الثقافات والديانات . وهي مسألة سنعالجها في الجزء الثاني من الكتاب .

أما فيما يتعلق بامتناع جنوب إفريقيا عن التصويت ، فيعود في الواقع إلى سياسة الفصل العنصري التي كانت تنتهجها ، وهي سياسة تناقض أبسط حقوق الإنسان ، فضلاً عن أن هذه الدولة عارضت وجود نصوص تعالج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الإعلان .

الفرع الثاني : السمات المميزة للإعلان

يتضح من قراءة نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه يتميز بعدد من السمات الأساسية التي تمنحه نكهة وطابعاً خاصاً . به وهي :

أولاً : الابتعاد عن القضايا المثيرة للجدل

لقد قام واضعو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالابتعاد عن معالجة الموضوعات والمسائل المثيرة للجدل وللخلاف ، فصياغة نص يعالج الحق في الإضراب عن العمل كان من أعقد المسائل التي اعترت عملية وضع الإعلان ، وقد توصل واضعو الميثاق إلى حل توفيقي بشأنه فحواه إقرار الإعلان دون نص يعالج هذا الحق وذلك إرضاء للدول الشيوعية وفي المقابل لا يشير الإعلان من قريب أو بعيد إلى حرية التجارة والصناعة وهي إحدى ركائز المذهب الفردي السائد في الدول الغربية .

ومن الأمثلة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها في هذا الخصوص مسألة الإجهاض . فقد اقترح كل من ممثل لبنان وتشيلي إضافة فقرة للمادة المخصصة للحق في الحياة ، ولكن أغلبية أعضاء لجنة الصياغة ردت هذا الاقتراح تجنباً للخوض في مسائل قد تسبب خلافاً وتؤدي إلى تعطيل العمل الخاص بوضع مشروع الإعلان .

صفوة القول هي أن الإعلان العالمي جاء قاصراً على الموضوعات والمسائل التي كانت محل اتفاق وتوافق بين الدول ، وترك جانباً عدداً منها بسبب ما كانت تثيره من انشقاقات ومواقف متباينة .

ثانياً : الطابع العام والواسع لنصوص الإعلان :

لقد أخذ الإعلان من الناحية الشكلية بالمنهج الفرنسي ، وذلك لأنه اقتصر في معظم النصوص المدرجة فيه على إقرار المبدأ العام للحق دون الخوض في تفاصيل الحق ومضمونه ودون رسم الصور أو الصيغ الممكنة له . ويبدو أن هذا النهج راجع إلى رغبة واضعي الإعلان بتجنب الدخول في نقاشات قد تكون مدعاة للاختلاف ؛ فمن اليسير الحصول على توافق بين أعضاء اللجنة بصدد نص قصير وموجز لا يتضمن تفاصيل الحق أو مضمونه .

يبدو هذا النهج واضحاً على سبيل المثال في ديباجة الإعلان ، فالجمل والعبارات المستخدمة فيها ليست محددة تماماً وتحتمل أكثر من تفسير . ومن الأمثلة الأخرى التي يستطاع الاستشهاد بها في هذا المقام كلمة " تعسفي " الواردة في أربع مواد ( 9 ، 12 ، 15 ، 17 ) ، وهي كلمة تترك المجال فسيحاً للتفسيرات والأحكام الفردية ؛ وهو أمر كان بلا شك مقصوداً من جانب واضعي الإعلان .

بالإضافة إلى هذا ، فإن بعض نصوص الإعلان لها مضامين مختلفة ويمكن قراءتها من أكثر من وجهة نظر ؛ وهي تعكس بالنتيجة الاختلاف في المفاهيم الذي كان سائداً في حينه بين المعسكرين الليبرالي والاشتراكي . ومن ذلك - على سبيل المثال - المادة ( 21 ) من الإعلان بشأن الاختيار الحر للممثلين والانتخابات النزيهة . فدول المعسكر الغربي أرادت من النص إدانة نظام الانتخابات في دول المنظومة الشرقية سابقاً ، أما الدول الأخيرة ، فأرادت على العكس إدانة أساليب الفساد والرشوة والتزييف التي كثيراً ما تصاحب في نظرها الانتخابات في الدول الرأسمالية .

ومن الشواهد الأخرى التي يمكن إدراجها في هذا المقام الحق في التملك . فبالنظر للاختلافات القائمة حينذاك بين النظم الاقتصادية للدول المشاركة في عملية وضع مشروع الإعلان ، أصبح هذا الحق مسألة حساسة ومعقدة ، وقد أظهر بعض ممثلي الدول ( تشيلي ، فرنسا ، الاتحاد السوفيتي السابق والصين ) حرصاً على تجنب الوقوع في الخلافات التي قد يثيرها نص يتعلق بهذا الحق ، ولذلك أكدوا على أن الاتفاق على نص كهذا يتعذر بلوغه دون حلول توفيقية بين مختلف الدول ودون استخدام صياغة مبهمة وواسعة . وقد توصل واضعو الإعلان فعلاً إلى نص عام ، هو نص المادة ( 17 ) الذي يقر الحق بالتملك كالآتي : " 1- لكل فرد الحق في التملك ، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره ، 2- لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً " .

ومن الملاحظ أن هذه الصياغة لم تقل شيئاً كثيراً بالنسبة لهذا الحق ، مما يعني أنها ستكون محل اتفاق بين مختلف الدول ؛ وهو ما تحقق فعلاً . كما أنها تسمح في الوقت ذاته لكل دولة مشاركة في وضع الإعلان أن تفسرها وتقرأها بالمعنى والطريقة التي تريدها . إن نص المادة المذكورة لا يعدو أن يكون نصاً توفيقياً بين المذهب الليبرالي الرأسمالي وبين المذهب الماركسي الذي لا يقدس حق الملكية كسابقه ، والذي يجعل من الملكية وظيفة اجتماعية . ولهذا تتضمن المادة عبارة . " التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره " .

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يغرق بالتفاصيل واكتفى بإقرار المبادئ العامة والأسس ، ولكنه في بعض الحالات أخذ بالمنهج الأنجلوسكسوني الذي لا يكتفي بذكر الحق بل يحدد مضمونه بقدر من التفصيل . ومن بين نصوص الإعلان التي انتهجت الأسلوب الأخير المادة ( 2) المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز والمادة ( 18 ) المتعلقة بحرية التفكير والضمير والدين والمادة ( 25 ) المخصصة للحق في مستوى من المعيشة كاف .

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 16 تشرين2/نوفمبر 2011 18:09
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية