العالم العربى فى صدارة الهبوط إلى العالم الرابع

  • صلاح العمروسي
  • الإثنين, 29 تشرين2/نوفمبر 2010 00:31
  • نشر في اقتصاد البلد
  • قراءة 6480 مرات

تعانى الإقتصاديات العربية من ركود طويل فى نموها الصناعى على وجه التحديد فقد نمت قطاعات أخرى ، بعضها كان كبيراً الأثر على دخول السكان ، فإنتاج البترول أدخل العديد من بلدان الخليج العربى و السعودية ضمن البلدان عالية الدخل ، كما أن السياحة ساهمت فى تحسين ما لمعدلات النمو الإقتصادى فى مصر ، وتحويلات العاملين فى الخارج حسنت دخول المصريين نسبياً .

لكن الصناعة فى كل تلك البلدان تعانى من ضعف معدلات النمو ، وإستمرار بوزن نسبي ضعيف فى بنية الإنتاج المحلى ككل ، و تركيب هيكلى للصناعة التحويلية تغلب عليه الصناعات الخفيفة ( مثل صناعة النسيج و الصناعات الغذائية و الموبليات إلخ ) أو التجمعية للإلكترونيات و السيارات .

 ففى بلد مثل مصر ، و الذى كان يعد بأن يكون قلعة العالم العربى الصناعية ، أصبح الآن فى ذيل البلدان النامية صناعياً ، وهى الحقيقة التى كانت ضائعة فى ضجيج الحديث عن التخلف و التبعية ، و النظر للعالم النامى باعتباره كتلة واحدة متجانسة على نفس القدر من التخلف .

 ويمكن أن نتبين تلك الحقيقة من المؤشرات المشار إليها أعلاه ( معدلات النمو الصناعى ، وزن الصناعة فى هيكل الإنتاج المحلى ثم نوعية هيكل الصناعة التحويلة ) ولكننا سنستخدم هنا مؤشر بسيط تستخدمه منظمة اليونيدو UNIDO فى بياناتها التى تصدر سنوياً عن صناعة كل بلد من بلدان العالم ، ونعنى به مؤؤشر نصيب الفرد من القيمة المضافة من الصناعة التحويلة manufacturing value added (MVA)per capita( وهو وحده لا يكفى لتصوير الحالة الصناعية لأى بلد ، التى هى من التعقيد بحيث تحتاج للمؤشرات المشار إليها أعلاه ) .

ففى 1998 لم يتجاوز نصيب الفرد من القيمة المضافة الصناعية 260 دولار / فرد ، أى أقل من متوسط البلدان النامية الذى بلغ فى تلم السنة 291 دولار / فرد ، لكن كانت مصر أعلى من أفريقيا التى لم تحقق سوى 80 دولار / فرد ، فهل نجافى الحقيقة حينما نقول أن مصر تقع إما فى مؤخرة العالم الثالث و إما فى مقدمة العالم الرابع . فالعالم النامى لم يعد عالما متجانساً ، فقد شهدت بعض بلدانه تحولا صناعياً بالغ السرعة لنتحول إلى بلدان صناعية جديدة ، تلم التى تضم طائفة واسعة من البلدان .

 وسنذكر المؤشر السابق بالنسبة لبعضها ، فقد بلغ فى البرازيل 702 دولار /فرد ، ماليزيا 1273 دولار / فرد ، وكوريا الجنوبية 2720 /فرد ، تايوان 3410 / فرد ( و البلدين الأخيرين يقتربان من مستوى البلدان المتقدمة التى يبلغ متوسط ذلك المؤشر 4880/ فرد ) .

 وحتى فى بلدان كثيفة السكان كالصين بلغ 301 دولار / فرد ، وهو رقم لا يعكس مدى التقدم الصناعى الصينى بسبب الهيمنة السكانية الفلاحية التى لا تشترك فى القمة المضافة الصناعية إلا بشكل محدود جداً ، وهو لنفس السبب و بشكل أكثر إتساعاً منخفض جداً فى الهند فلم يتعدى 83 دولار / فرد .

 ولكن هذان البلدان يعدان من أهم البلدان الصنناعية الجديدة فى البلدان النامية ، و المستقبل يعد للصين خاصة بأهمية إستثنائية حتى أن الكثيرين يتحدثون عن أن القرن 21 سيكون قرن الصين ، بمثل ما كان القرن العشرين قرناً للولايات المتحدة الأمريكية . 

و هكذا يمكن القول أن البلدان العربية ، إما بلدان فى مرحلة من التطور البدائى ، حتى وأن كانت مصنعة بين البلدان عالية الدخل ، و ذلك لكونها تعتمد على ثروتها الطبيعية الأولية 
- كما هى الحال فى بلدان الخليج النفطية و السعودية و ليبيا ، أو بلدان دخلت إلى طور التحول الصناعى ، ولكنها لا تزال عند حدود الصناعات الإستهلاكية و التجمعية ، و التى لن تدرك مستوى التنافسية العالمية حتى تتحول إلى تصديرية ، أو تشترك فى التقسيم الدولى الجديد للعمل - مصر ، سوريا ، العراق ، الجزائر التى تعتبر أيضاً بلداً نفطياً ، وإن كان هناك نجاح جزئى لبد مثل تونس فى بعض الصناعات التصديرية و الإنخراط بالتالى فى التقسيم الدولي الجديد للعمل على نحو جزئى .

 وفى المقابل نجد ، كما سبق الإشارة ، بلدان عديدة من بلدان " العالم الثالث " قد تحولت إلى بلدان صناعية جديدة إما من خلال الإنخراط الواسع فى التقسيم الدولي الجديد للعمل كما هي الحالفى بلدان جنوب شرقى آسيا : ماليزيا ، تايلاند ، أندونسيا . و إما من خلال محاولات اللحاق الصناعى كما هى الحال فى كوريا الجنوبية ، تايوان ، الصين الهند ، البرازيل ، المكسيك .

 وهما يمثلان ميلين إستراتيجيين على طرفى نقيض : طريق أو " إستراتيجية " اللحاق الصناعى بالبلدان المتقدمة لإقامة صناعية و تكنولوجيا محلية متطورة ، خاضعة لهيمنة رأس المال المحلى من الناحية الأساسية ، وهو إذن طريق ( أو إستراتيجية ) للتطور المستقل ، و يتوافق مع مصالح البورجوازية القومية فى العالم الثالث ، أو بالأحرى فتح آفاق التطور أمامها و إستكمال تكوينها برعاية الدولة .

 حيث أننا لسنا إزاء كيان الإستراتيجيين( أو الطريقين ) يرتبط بشكل مختلف من العولمة : فالانخراط فى استراتيجية التقسيم الدولى للعمل يقوم على عولمة رأس المال الإنتاجى للشركات عابرة القومية على حين تقوم إستراتيجية اللحاق على عولمة رأس المالي ( حيث جرى الإعتماد في البداية على القروض الأجنبية طويلة الأجل بدلاً من الإستثمار الأجنبى المباشر ) وعلى عولمة رأس المال السلعى ( أى تصدير السلع الصناعية الناتجة من قاعدة صناعية محلية حديثة . ( وهى تختلف بذلك عن التصورات القديمة عن اللحاق القائمة على العزلة القومية و ميول الإكتفاء الذاتى ) . و الأهم من ذلك أن إستراتيجية اللحاق تؤدى إلى توسيع و تعميق العلاقات الرأسمالية إلى مستوى كيفي جديد ، تلك العلاقات التى تمثل الأساس الأعمق لانخراط أى بلد فى العولمة الرأسمالية .

 ويس معنى ذلك أن كلاً من هاتين الأستراتيجيتيين ( أو الطريقين ) يوجد بشكل نقى تماماً أو أنهما غير قابلين للتقاطع أو الإختلاط ، ومن الأمثلة البارزة على ذلك الصين التى يغلب عليها نموذج اللحاق الصناعى ، لكنها فى نفس الوقت إنخرطت بشكل واسع فى التقسيم الدولى الجديد للعمل من خلال الصناعات التصديرية التجمعية التى أنشئت فى المناطق الحرة الصناعية ، و المكسيك كانت تعتبر أساساً بلداً للصناعات التجمعية ، ومن ثم الإنخراط فى التقسيم الدولي الجديد للعمل لصالح الشركات الأميريكية عابرة القومية ( وترجع إليها تسمية صناعات التجميع من أجل التصدير بالمصطلح الأسبانى maquila ) ، لككنها قامت أيضاً ببناء قاعدة صناعية محلية من الصناعات الثقيلة ، و بالتالى فهى تدخل أيضاً فى نماذج اللحاق الصناعى .

 وهكذا لم يعد ما يسمى " العالم الثالث " عالماً متجانساً ، بالنظر إلى التطور الصناعى الهائل الذى شهدته العديد من بلدان آسيا و أمريكا اللاتينية ، على حين عاشت البلدان العربية عقوداً وراء عقود فى مستنقع البطء الصناعى و غياب شبه للقدرات التكنولوجية المحلية ، أو حتى عدم ولوج عتبة تلك المرحلة منذ البدء . وعلى ذلك يمكن القول أن البلدان العربية مرشحة للهبوط إلى العالم الرابع ( وفى أحسن الأحوال إلى ذيل العالم الثالث ) ، لتنضم إلأى بلدان القارة الإفريقية ( عدا جنوب إفريقيا ) وكذلك بلدان إسلامية آسيوية مثل باكستتان و بنجلاديش و أفغانستان .

 ويرتبط هذا التخلف الصناعى بالفشل الذى يلاحق مشاريع تشكيل كتلة إقتصادية عربية ، فى صورة منطقية تجارية حرة أو سوق مشتركة ، فالصادرات البينية لم تتجاوز 7% -8% من إجمالى الصادرات العربية للعالم الخارجى ، وزنها فى التجارة العالمية لا يتجاوز 3-4% .

 فلما كانت إقتصاديات البلدان العربية تقوم كما أسلفنا الإشارة علي إستخراج البترول ، وأولى مراحل تصنيع السلع الإستهلاكية ، لهذا فهي غير قابلة للتكامل مع بعضها البعض فى ظل هياكلها الإنتاجية الراهنة ، وهى على العكس تتكامل بالضرورة مع الإقتصاديات المتقدمة التى تستهلك صادرات البلدان العربية المواد الأولية و الوقود ، وتزودها بالسسلع الصناعية ، أو السلع الوسيطة و الآلات اللازمة للإنتاج المحلى من السلع الإستهلاكية أو تجمعها. و بالمقارنة مع بلدان نامية أخرى ، نجد على سبيل المثال آسيا ، شاملة اليابان أصبحت تحتل مكانة مركزية فى التجارة العالمية ، حيث بلغ نصيبها 25.6% ( منها 8% فقط لليابان ) وهى بذلك أكبر كتلة تجارية بعد الغربية ( 41%) وتسبق شمال أمريكا ( 16.2) .

 وفضلاً عن ذلك حققت درجة هائلة من الإندماج الإقليمى ، حيث بلغت صادرات آسيا إلى آسيا - التجارية الإقليمية البينية - 52% من إجمالى الصادرات الآسيوية و تحتل بذلك المرتبة الثانية فى درجة الإندماج الإقليمى ، بعد أوربا الغربية (68 % ) وقبل شمال أمريكا (36%) وذلك وفق أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية . وهذا الفارق الهائل بين هزال الإندماج الإقليمى بين البلدان العربية رغم القرارات و الإتفاقات المتلاحقة حول تحرير التجارة البينية ، وتلك الدرجة العالية من الإندملج الإقليمى فى آسيا , لا تفسره سوى تلك العلاقة الطردية بين مستوى التطور الصناعى و بين التكامل النحلى ، و التى لم تكن موجودة فى آسيا من عقود قليلة مضت قبل طفرتها الصناعية .

 

فمن المستحيل إحداث تحول حاسم فى مستوى الإندماج فى الشرق الأوسط أو بين البلدان العربية قبل إحداث تحول صناعى هيكلى . 
فكما سبق القول تتكامل الهياكل القائمة مع إقتصاديات البلدان المتقدمة ، و غير قابلة للتكامل مع بعضها البعض . التراكم الرأسمالى فى الحقبة البترولية :
أما تفسير ذلك الركود أو التخلف الصناعى فهو أمر محير حقاُ ، لاسيما لمن يرى أن البلدان العربية بمما تملكه من موارد بترولية ، و من ثم فوائض نقدية بترولية ، توافرت لها فرص و إمكانيات هائلة للتطور الصناعى . ولكن فى الحقيقة أن ما يتصور أنه نعمة لم يكن فى الحقيقة سوى نقمة . فقد شجعت الدخول من إستخراج النفط على تبلور نمط للتراكم الرأسمالى يقوم على التجارة و الإستثمار العقارى . فالبلدان العربية النفطية و جهت الثروات النقدية الهائلة التى هبطت عليها ، لاسيما بعد حرب 1973 ، إلأى إستيراد مختلف ألوان السلع الإستهلاكية من المواد الغذائية و الملابس و الأثاث وحتى السلع المعمرة ، وإلى بناء المساكن . وهكذا أصبح النشاط الرأسمالى فى تلك البلدان النفطية يدور حول التجارة فى تلك السلع ، وحول الإستثمار العقارى ، و الخدمات المتصلة بهما . 

الحالة المصرية ، تراجع صناعى و نجاح فى تكديس الثروات :

و لكن الأهم من ذلك أن هذا النمط من التراكم الرأسمالى ، إنتقل إلى البلدان العربية الأخرى غير النفطية من خلال تصدير العمالة ، التى شجعت تحويلاتها النقدية نفس الميول الإستهلاكية و نفس ميول التملك العقارى . ولكن حدث مع تعديلات مهمة لاسيما فى بلد مثل مصر كان يملك فى بدايةالسبعنيات قاعدة صناعية قادرة أن تلبى تلك الميول الإستهلاكية ، و لكن بشرط التخلى عن طموح إنتاج تلك السلع ، من خلال تطوير قدراتها التكنولوجية المحلية التى كانت منخفضة النوعية ، لاسيما السلع المعمرة ، لهذا إتجهت صناعات السلع المعمرة نحو عمليات تجميع المكونات الأجنبية المستوردة ، وتوقفت الجهود السابقة التى كانت تسير فى وجهة معاظمة المكون المحلى فى تلك السلع المعمرة ، وصولاً إلى إنتاجها بالكامل محلياً . 
وهكذا دفعت الحقبة البترولية بلداً مثل مصر إلى الخلف ، أو على ألقل دفعتها إلى الإستدارة عن طموح تطوير الصناعة . 
ويلاحظ أن تلك الصناعات التجمعية نشأت خلف أسوار الحماية الجمركية العالية التى لم يكن لها ما يبررها طالما أنها لا تحمى صناعة محلية حقيقية ، وإنما تحمى مجرد تجمع المكونات الأجنبية ، و بالتالى فقدت الحافز على التصدير أو الوصول إلى مستوى من التنافسية يمكنها من التصدير ، لهذا قنعت بتوجيه إنتاجها إلى تلبية الطلب المحلى . وحدث ذلك رغم إلإعلان الرسمى عن الإتجاه إلى الإستراتيجية التصدير .

 وقد ساهم فى التحويل إلى تلك الوجهة أن قسماً من الرأسمالية الخاصة تكون من المصريين العائدين من السعودية و بلدان الخليج ، جارين معهم شركاء رأس المال السعودى و الخليجى، حاملين معهم عقلية الإستثمار العقارى و التجارى ، وليس عقلية الإستثمار و التطور الصناعى و بناء و تطوير قاعدة محلية للصناعات المحلية .

وفى السياق نشأ تحالف بين الشريحة الرأسمالية القادمة من دول النفط ( ومعها الرأسماليون الخليجيون ) ، و بين الشريحة البرجوازية البيروقراطية ، حيث تشارك الأولى برأس المال و الأخيرة بالخبرة و النفوذ القادر على فتح الأبواب المغلقة ، كما شارك هؤلاء و أولئك رأس المال الأجنبيى فى إقامة الصناعات التجمعية . وفى نفس الوقت كان تدوير مدخرات العاملين المصريين بدول الخليج النفطيةالعمل الرئيسى للنشاط الرأسمالى ، لاسيما فى مجال الإستثمار العقارى .
وفى الحالة المصرية أيضاً، لم تكن تلك الوجهة فى التراكم الرأسمالى سوى تعبير عن تراجع الدولة عن النهوض بدورها القيادي فى النهوض بعملية التصنيع ، ومن ثم أصبحت عملية النمو متروكة لفوضى قوى السوق و حركتها العفوية .

 

وكان هذا التراجع و ثيق الصلة بوصول إستراتيجية الإحلال محل الوارد للسلع الإستهلاكية إلى طور الأزمة بعد أن أفضت تفاقم مشكلة العجز فى الميزان المدفوعات ، نتيجة لاعتماد الهيكل الصناعى المتزايد على السلع الرأسمالية ( الآلات) و السلع الوسيطة المستوردة ، لاسيما من بلدان الغرب الرأسمالى . ومن ثم اللجوء إلى الإستدانة من تلك البلدان ، لاسيما بعد أن وضعت الحرب أوزارها بعد 1973 . وهكذا بدأ الإنعطاف نحو تلك الوجهة الجديدة تحت ضغوط البنك و الصندوق الدوليين باعتبارهما ممثلين للدائنين الغربيين ، و بدوافع من المصالح الطبقية للتخالف الطبقى سابق الذكر .

 ولم تكن برامج التكيف الهيكلى ، التى راح البنك و الصندوق الدوليين يروجانها فى مصر ، و بقية العالم الثالث ، سوى ترجمة لما يسمى إجتماع وشنطن ، أى أنها برامج تلعب فيها الإدارة الأمريكية الدور القيادى ، كما أنها تعبير عن مصالح الشركات عابرة القومية الأمريكية فى دول ستريت .

 ومن ناحية الأيديولوجية تنطلق تلك البرامج من عقيدة السوق لمدرسة الإقتصاد النيوكلاسيكى ، وهى عقيدة أصولية أقرب إلى الأيديولوجيا منها إلى العلم ، تنسج عن السوق أساطير أيديولوجية ، فتصوره باعتباره الدواء الشافى من كل العلل فى كل الأزمان ، وفى كل البلدان على إختلاف ظروفها ، و من ثم فشعارها الرئيسى هو إلغاء القيود deregulation على قوى السوق فى الداخل و فى العلاقة بالخارج ، وعلى ذلك تتضمن العناصر التفصيلية التالية : إنسحاب الدولة من النشاط الإقتصادى و الخصخصة المشروعات العامة ، إطلاق حرية التجارة بإزالة كل أشكال الحماية التعريفية و غير التعرييفية ، و تشجيع الإستثمار الأجنبى المباشر ، إطلاق حرية حركة رأس المال قصير الأجل ( يطلق عليه فنياً تحجرير حساب رأس المال ، ضرائب منخفضة على الأنشطة الرأسمالية ، وتقشف مالى ( إلغاء كل أشكال الدعم الموجهة لغذاء و كساء الطبقات الشعبية ) ، سعر فائدة حقيقى مرتفع ، مرونة أسواق العمل التى تعنى فى ظل وفرة الأيدى العاملة تخفيض الأجور إلخ . 

و بطبيعة الحال لم تطبق الروشته السبقة بكاملها فى مصر قبل 1991 ، فسلدت فترة إنتقالية طويلة نسبياً بسبب المقاومة الشعبية لرفع الدعم عن السلع الإستهلاكية الضرورية فى انتفاضة يناير 18-19 يناير 1977 ، أو بسبب المعارضة السياسية من أحزاب المعارضة لمشاريع الخصخصة منذ بداية الثمانينيات و حتى نهاية العقد . وهكذا كانت الدولة مضطرة فحسب إلى تأجيل تطبيق هذا العنصر أو ذاك من روشته البنك و الصندوق الدوليين ، ولكن دون أن يكون لديها سياسة أخرى بديلة ، ومن ثم كانت الدولة تقوم بالتيسير الروتينى للقطاع العام وما يتطلبه من إستثمارات فى حدها الأدنى دون أن تكون هناك إستراتيجية للتطوير الجذرى للصناعة ، سواء باستثمارات فى القطاع العام أو قطاع الشركات الإنفتاحية المشتركة بين الدولة و القطاع الخاص ، أو حتى الأجنبى . 
وبطبيعة الحال إذا وجدت مثل تلك الإستراتيجية فقد كانت ستلقى المعارضة من مؤسسات التمويل الدولية الدائنة ، ومع ذلك لا يمكن الزعم أن تطبيق إستراتيجية من هذا النوع كانت مستحيلة شرط توافر الإدارة السياسية المصرية ، ومهارات المساومة الإقتصادية مع تلك المؤسسات و الدول و مع الشركات عابرة القومية .
وكل ما كان هناك من جديد هو قيام العديد من الصناعات التجمعية فى شركات القطاع القائمة ، أو فى الشركات المشتركة بين القطاع و رأس المال الأجنبي و المحلى . 
ولا يعنى ذلك سوى أن آليات العفوية للسوق و تلبية الحاجات الإستهلاكية فى الحقبة النفطية أخذت تلعب دورها حتى فى آليات القطاعات التى تديرها الدولة التى لا يعنى مجرد حضورها يبتعد بالآليات الأقتصادية بعيداً عن الغفوية . أكثر من هذا يمكن القول أن تلك الفترة الإنتقالية جمعت بين أسوأ ما فى السياسة القديمة القائمة على " القومية الإقتصادية (أو السياسة الإنغلاقية و فق تسمية الإنفتاحيون ) ، و بين أسوأ ما فى السياسة الجديدة الإنفتاحية ( إذا صح أن يكون فيها شئ حسن على الإطلاق ) .
و لكن ثمة العناصر المشتركة التى تجمع بين الفترة الإنتقالية ( النصف الثانى من السبعينيات بكاملة ) و بين فترة إكتمال روشته الليبرالية الجديدة ، هو الضعف الشديد فى المعدلات الإدخار ، الذىترابط مع المراهنة الشديدة وغير المبررة على تدفق رأس المال الأجنبى . فى معظم سنوات الفترتين تراوح معدل الإدخار ما بين 12-18% من الناتج المحلى ، حسب التقديرات الرسمية ، وغن كانت تقديرات البنك تكشف عن معدلات أدنى من ذك بكثير . وهى في كل الأحوال معدلات هزيلة بالقياس إلى الإدخار فى بلدان شرق ىسيا التى تدور نسبتها حول ثلث الناتج المحلى الإجمالى . 
ويرجع ذلك المستوى الهزيل للإدخار المحلى يرجع إلى التفاوت الشديد فى توزيع الدخل ، أى الإستهلاك الترفى للفئات العليا المتربع على قمة الهرم افجتماعى ، و لكنها تعود أيضاً إلى سيادة الأنماط الإستهلاكية التى أستوردها العاملون فى البلاد النفطية فى صفوف الفئات الوسطى من المجتمع .

وفى توسيع ضروري لابد من الإشارة إلى هيكل الإنتاج الإستهلاكى لا يشجع على الإدخار، حيث أن المنتجات من السلع الإستهلاكية إذا لم تستهلك نحلياً لن يكون أمامها سوى التحول إلى مخزون سلعى ، أو التصدير ( الذى تكون فرصته ضئيلة فى ظل عدم القدرة على الوصول إلى مستوى التنافسية العالمية ) .
كذلك يمكن القول أن تأخير الإقتصاد الصناعى يكون مرتبطاً بالهيمنة العددية لنمط الإنتاج الصغير فى الصناعة و الزاعة فضلاً عن التجارة ، وهى فئات ضعيفة الإنتاجية و غير قادرة على الإدخار فى نفس الوقت ، و يصبح الأمر أكثر تفاقماً حينما نكون إزاء فئات وسطى من الموظفين غفيرة العدد ، خاصة تلك التى تعمل بمرتبات هزيلة فى جهاز الدولة البيروقراطى المتضخم بصورة سرطانية .

 ( و بالطبع ليس هناك من حل فى البداية سوى أن تلعب الدولة دوراً فى إحداث التراكم الإجبارى ، و بالإعتماد جزئياً على المدخرات الأجنبية ، وتحديداً من خلال الإفتراض الأجنبى ، شرط أن يكون ضمن إستراتيجية صناعية لتطوير الهيكل الصناعى بإنشاء الصناعات الثقيلة و الكيماوية و عالية التكنولوجيا ، التى تعاظم فى نفس الوقت قدرة المجتمع على الإدخار ، ومن ثم الإعتماد على نفسه ).

وفى ظل هزل التراكم المحلى ، وإستمرار تخلف الصناعة المحلية ، لم يكن من المنطقى أن يتدفق رأس المال الأجنبى على النحو المتوقع من السلطات الإقتصادية .

 فرأس المال المحلى لن يأتى إلى إقتصاد خامل ، ليبعث فيه النشاط ، و إنما سيأتى إلى إقتصاد نشط يضمن له الأرباح العالية التى تمثل أهم أهدافه .

كما أن تطوير هيكل الإقتصاد الصناعى لن يقوم به إطلاقاً رأس المال الأجنبى ، فهذه العملية التاريخية تتطلب تكلفة باهظة يتحملها المجتمع و من المستحيل أن يتحملها رأس المال الأجنبى الباحث عن الربح . وبدلاً من أن تتجه الدولة إلى القيام بدورها ، سيطر عليها شلل النزعة الإنتظارية توقا لمجئ المخلص : أى رأس المال الأجنبى .
وراحت تصدر القوانين المتعاقبة من أدجل تحسين المناخ الملائم للقدوم المنتظر للمخلص ، كما راحت تنفق المليارات من أجل تحسين لبنية الأساسية من أجل أن يأتى ، وفى الحقيقة سوف تنتظر طويلاً لأن كل ذلك لن يحقق لرأس المال الأجنبى أهم شروط الجذب ، وهو تحقيق أعلى الأرباح .

 و بالمناسبة فعلى الرغم من أن الإتفاق الهائل على البنية الأساسية هو أمر محمود بالتأكيد ، و قد أحدث فيها بالفعل تحسيناً جوهرياً ، إلا أنه أدى إلى إحداث خلل هيكلى خطير ، يتمثل فى عدم التناسب بين تلك البنية الأساسية المتطورة ، و بين الهيكل الصناعى المتخلف ، الأمر الذى يمثل إسرافاً مؤكداً من الناحية الإقتصادية .

وكان ذلك سبباً من بين أسباب أخرى فى إحداث ما يسمى أزمة السيولة .
أخيراً لابد من الإشارة فى النهاية إننا لسنا أمام استعراض شامل و جامع لتفسير أسباب الركود أو التخلف الصناعى فى مصر ، فما قدمناه هنا لا يعدو أن يكون كشف لبعض العناصر التى نراها أسباب رئيسية فة هذا التفسير . وبقى أن نشير إلى تخلف الهيكل الصناعى فى مصر عن التطور ، يمثل بدوره أحد الأسباب الجوهرية وراء فشل محاولات خلق كتلة إقتصادية عربية .

 فقد كانت مصر المرشحة بحكم قوتها البشرية ، و بحكم القدرات الصناعية الأولية لجر المنطقة إلى نموذج آخر من التراكم يقوم على تطوير الصناعة الثقيلة و الكماويات ، التى من شأنها أن تخلق شروط التكامل البيني بين البلدان العربية . 

ولكن بدلاً من ذلك انجزت هى إلى نمط التراكم المميز للحقبة البترولية السابق و صفه ، و الذى كان يحقق شروط الثراء الفاحش و الفشل الصناعى فى آن واحد .
بقى علينا هنا الإشارة إلى تجربة مناقضة ، إلا وهى تجربة بلدان شرق آسيا ، التى أدى تطورها الصناعى ، إحداث التكامل الإقليمى كما سبق الإشارة ، و التى كانت تستخدم كسلاح أيديولوجى لترويج سياسات التكيف الهيكلى التى سببت الكارثة الصناعية فى مصر ثم المنطقة العربية .

النموذج الكورى الجنوبى :

وقد حاول النيوكلاسيك ترويج عقيدتهم من خلال الزعم أن أتباع تلك الوصايا من شأنه أن يحول مصر ، وأى بلد آخر ، إلى نمر تصديرى على نمط النمور الآسيوية .
وقد استند ذلك على تصوير أيديولوجى لمعجزة النمور الأسيوية بأنها نتاج السير فى طريق يتفقمع عقيدة السوق عند مدرسة النيوكلاسيك .
وبطبيعة الحال لم يؤد اتباع روشتة البنك و الصندوق الدوليين سوى إلى الفشل تصدير ذريع . والحقيقة أن جميع نماذج نمور شرق آسيا و الصين تدحض غدعاءات النيوكلاسيك ، حتى أشد تلك النماذج تطرفاً فى تطبيق سياسة التجارة الحرة ( مثل سنغافورة التى شهدت تدخلاً كثيفاً للدولة ، و الذى كان وراء تحولها إلى ورشة كبيرة لتجميع والتصنيع الجزئى للإلكترونيات ، إضافة لدورها كوسيط فى التجارة الإقليمية و العالمية ) . و يكفى الإشارة إلى هنا للنموذج الكورى ( و تايوان قريبة منه ) ، وهو النموذج الذى كانت ظروفه أقرب إلى ظروف معظم البلدان النامية ، والأكثر نجاحاً فى نفس الوقت ، ومن ثم الأجدر باستخلاص الدروس منه .
وهذا النموذج يقوم على التدخل الكثيف للدولة ، التى قامت بسياسة معاكسة على طول الخط لوصاياعقيدة السوق النيوكلاسيك يفرضها قيود صارمة على حركة القوى العفوية للسوق ،: فبدلاً من حرية التجارة طبقت سياسة حمائية صارمة ، بدلاً من ترك أسعار السلع تحدد وفق آليات السوق العفوية قامت بتحديد الأسعار ، بل فرضت " أسعاراً خاطئة " بشكل متعمد من أجل دعم أنشطة بعينها ، وذلك و فق تعبير الدراسة المتخصصة فى الإقتصاد الكورى أليس أميسدن ، و بدلً من أن تطلق أسعار الفائدة لترفع فى بلد يعانى من ندرة رأس المال قامت بتحديد سعره فائدة منخفض ( و بعد خصم التضخم يصبح سلبياً ) ، فضلاً عن كل ذلك تملكت الدولة المشروعات الإقتصادية بشكل مباشر ، ومن أشهرها شركة " بوسكو " للصلب التى أصبحت ثالث شركة صلب فى العالم ( تنتج 20 مليون طن صلب ) . وعلى الرغم من أن القطاع العام فى كوريا لم يكن باتساع القطاع العام فى مصر أو حتى الهند إلا أن القطاع الخاص أدارته الدولة الكورية بقبضة أشد من قبضة إدارة الدولة للقطاع العام فى أوروبا الشرقية .
فرفضت قيود دقيقة على الدخول و الخروج من نشاط صناعى بعينه ، وحددت لكل شركة مقدار ما تنتج و مقدا ما تصدر ( حتى لو كان يكبدها الخسارة ) ، وأشرفت بنفسها على حركة الإندماجات من أجل إنشاء كيانات احتكارية عملاقة ( الشيبولات ) فحطمت كيانات قائمة و فرضت الإنماج على أخرى ، بالإضافة إلى مختلف أشكال الدعم التى ربطت بإنجاز الأهداف ( أى قدمت للمخرجات و ليس على المدخلات كما هى الحال فى تجارب التخطيط التقليدية ) ، بعبارة موجزة لم تقتصر على اشكال الحفز و التوجيه للقطاع الخاص من خلال السياسة الإقتصادية الكلية أو ما يسمى التخطيط التأشيرى ، وإنما تدخلت فى الإدارة الإقتصادية التفصيلية و الإقتصاد الجزئى . إلخ .
وكل ذلك أتى في سياق تطبيق استراتيجية صناعية لإقامة الصناعات الثقيلة و توطين التكنولوجيا ( وليس سياسة النيوكلاسيك التجارية التى تقوم على طلاق قوى السوق ) ، وذلك حتى تقوم الصناعة على أقدتمها الخاصة. وأخيراً و ليس آخراً ، لم تعتمد كورياً الجنوبية على الواردات من رأس المال الأجنبى و إنما فرضت قيوداً صارمة علي ما يرد رأس المال إلا ما يتفق مع خططها الصناعية , وحسب قول أحد الدارسين كان رأس المال الأجنبي يدخل كوريا كأنه يمر من "خرم إبرة" , فإذا حقق شروط الدولة الكورية واتفق مع خططها الصناعية أغدقت علية , وفي كل الأحوال اعتمدت كوريا الجنوبية على شراء التراخيص , وغيرها مما يسمي الترتيبات غير الرأسمالية أكثر من الاستثمار الأجنبي المباشر (حتى أوائل التسعينيات ورد إلي مصر رأس مال أجنبي أكثر مما ورد إلي كوريا الجنوبية).
ومن الجدير بالإشارة إلي أن كوريا الجنوبية , بدأت نهضتها الصناعية التصديرية في بداية الستينيات, مع بدء تخفيض المعونة الأمريكية, كما أنة علي الرغم من تبعيتها السياسية, إلا انها خالفت من الناحية الأساسية توصيات الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين . وبلنظر لوضعها الاستراتيجي كمتراس في وجه انتشار الشيوعية , وكذك رغبة الولايات المتحدة فى نشوء نموذج اقتصادي ناجح تضارع نجاحات تسريع التصنيع التى كانت تتحقق في الصين وكوريا الشمالية, والبلدان الشيوعية عموما , لهذا فقد تهاونت مع السياسة الاقتصادية للدولة الكورية ,والتي كانت تعتبرها من قبيل الانحرافات الأيديولوجية الخطيرة, وذلك طالما أنها كانت تحقق النجاح . نقول ما سبق لأن هناك من يحاول أن يجعل قصة النجاح الكورية مجرد صناعة أمريكية . ويهمنا هنا بشكل خاص أن كوريا الجنوبية قد طبقت بشكل خاص خطة الصناعة الثقيلة والكيماوية فى السبعينات على الرغم من المعارضة الشديدة من البنك والصندوق الدوليين , اللذين يعكسان آراء الإدارة الأمريكية , وقد استمرت تسير في ذلك الطريق في الثمانينيات . وكان من نتيجة هذه الخطة بناء صناعة صلب عملاقة , وكذلك صناعة كيماوية و المعادن غير الحديدية , التي مكنتها من إقامة صناعة السفن (تعتبر الآن ثانى دولة أو ثالث دولة في تلك الصناعة في العالم) وصناعة السيارات , وصناعة الإلكترونيات. وعلي ذلك نقلت هيكل الصادرات نقلة كيفية من الصناعات كثيفة العمالة كالنسيج , إلي الصناعات كثيفة رأس المال وعالية التكنولوجيا كالسيارات و الإلكترونيات و الآلات الخ . ورغم تلك الإنجازات الهائلة التى ترتبت على خطة الصناعة الثقيلة والكيماوية , إلا أن البنك الدولي دأب علي مهاجمتها حتى بعد كل ما حققته من تقدم ,لا سيما في تقرير "المعجزة الآسيوية" الذي يعتبر مع ذلك أقل تشددا في الصياغة الأيديولوجية للنيوكلاسيك. 
وختاما نعود فنقول أن هذا الضعف أو التخلف الصناعي العربي كان سببا مباشرا في التفكك الاقتصادي للبلدان العربية , وفشل كل مشاريع التكامل , التي ذهبت في طريق تجاري لتحقيق هذا التكامل , والذي كان من المستحيل ان يتحقق لأنه لم يعالج مكمن الخلل القائم في مجال الإنتاج وليس في العوائق التجارية وحدها . وبطبيعة الحال فقد كان التفكك الاقتصادي العربي أحد أسباب الضعف المشين في مواجهة الكيان الصهيوني , والتبعية المهنية إزاء الإمبريالية الأمريكية , التي تحكمت سواء بشكل مباشر أو غير مباشر , وسرا أو علانية في صنع القرار السياسي العربي. ومع ذلك فهذا النقد الاقتصادي قد يكون غير ذي فائدة , أو مجرد صيحة في وادي لن يسمعها أحد , إذا ما اقتصر عند تلك الحدود , فإذا ما ارتبط بنقد اجتماعي نزيه , ومن ثم جذري , فسوف نكتشف أن تلك المهمة الصناعية والتنموية ستكون جزءا من مشروع اجتماعي جديد ينطلق في المحل الأول من العدالة والديمقراطية والحرية والتنمية. 


الكاتب صلاح العمروسي : كاتب عربي من مصر .


قيم الموضوع
(0 أصوات)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية