البدل ليس ضائعاً…الهوية السورية في استراحة مقاتل

  • ملك بيطار
  • الأحد, 08 نيسان/أبريل 2018 22:14
  • نشر في وسام شرف
  • قراءة 378 مرات
تصدعت الرؤوس من كلمة فسيفساء سورية  واللحمة الوطنية الممتدة على أراضيها لآلاف السنين وما شهد السوري ذاته من هذا ولا ذاك أي إثبات لما سمعه وردده ولربما آمن به، فانقضت الأعوام الثمانية الهرمة باستحقاق طرف على حساب الآخر و كينونته التس سيفردها عرض الطريق وطوله، وما تحمله من الأحقيّة (العمياء) التي تفضي بابتلاع الضفّة الأخرى بمن فيها بالحديد والنار أم بالرايات السوداء والصفراء لا فرق أبداً فغايتهم جميعاً ذاتها(نحن أو لا أحد).

لشارع السوري المتآكل تُغرقه ثلاثة قلوب!

زاوية الاختلاف كانت تحمل في أضلعها المنكسرة بداية الحرب مؤيداً ومعارضاً فقط  إلى أن التصقت بكلا الصفتين اصطلاحات تخوينية، تشبيحية، اندساسية وغيرها، لمس المواطن من خلالها تبعات مؤلمة للغاية لازالت تلذعه حتى اللحظة، رغم كل ذلك كان الأمر غاية في البساطة وقابلاً للفرز برفة عين وتحليل سياسي لشخصية اعتبارية في بداية النشرة المسائية التي تتناول الملف السوري مع إرفاق كلمة (خلصت) بينما يضغط المشاهد على زر جهاز التحكم الأحمر!

ليتضح فيما بعد أن سورية كالأخطبوط تماماً تضخّ النار على نفسها بأمرة من القلوب الثلاثة (الطائفية، الديموغرافية، العلاقات الدولية) المتناحرة كل على حدة فتتحول أذرعه الدفاعية  إلى مجسات ناريّة تجتذب كل الخراب إلى محيطها إلى حضن الوطن الذي بات لا يتسع إلا للمغلوب على أملهم وأغنياء الحرب، البعض هاجر إلى الله (سكارسا) بقوارب الموت و البعض الآخر استطاع أن ينجو من رحلة الفناء مرتين على الأقل ليرسو أخيراً في إحدى الدول الأوروبية حطاماً هيّنا ترمّم شيئاً فشيئاً في بلاد تحترم الإنسان بما يحمله من فكر أو معتقد  دونما أن يلتفت من حوله خشية الإفصاح عنها باللغة العربية أو الأجنبية فله الحق والحرية بما يحلو له تحت سقف الإنسانية، وقد حظي البعض بامتيازات إضافية في الخارج كالسريان في السويد، الأرمن في بلدهم الأم، حتى العائلات ذات الأصول التركية صبّت جهودها كاملة للحصول على الجنسية التركية وإن كلفها الأمر العودة لأصول الجد الثالث لأسرتها علّها تجد أخيراً هويتها المفقودة في البلاد التي لطالما اعتبرتها إرثها الحقيقي أما المهجّرون داخلياً فحكاياتهم لم تنته.

نازحون بأمتعة الذعر!

بدأت حركة النزوح الداخلية من المناطق الملتهبة إلى المدن والبلدات (الأكثر أمناً) خلال الحرب فضمّ الساحل السوري على امتداده أعداداً كبيرة من هؤلاء المهجرين ليصل إلى مليون ونصف نازح  أي بزيادة 50 % على التعداد السكاني للساحل السوري على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية والبيئة المحيطة بهم التي جبلتهم من أول صرخة لهم حتى ثالث أو رابع قذيفة سقطت في حيّهم الذي أصبح حجارة مدماة وركاماً سحق الزواريب المندّاة ومحال الخضرة بمن فيها والكثير من  شتلات الحبق على شرفاتهم المتهاوية، هذه العائلات رغم مصابها الكبير تخطط وهي في طريق النزوح أي حارة ستتخذ فيها مسكنها الجديد؟ هل ستسد المعونات الإنسانية أفواه أولادها الذين اعتادوا أكل المشاوي كل ليلة جمعة؟ الجيرة في الأحياء الملغومة سينفجرون بنظرات هجينة لمن سيشاركهم الجدران أم سنصبح من “أهل البيت”؟ الأسئلة تطول وفجوة الغربة الداخلية تكبر…

أهالي منطقة الجميلية في حلب على سبيل المثال لا الحصر يبحثون عن أقرانهم في مدينة اللاذقية إبّان الأهوال التي شهدتها المدينة فتلقائيا تموضعت نسبة كبيرة منهم في أحياء الطابيات الصليبة والشيخ ضاهر ومن المعروف أنه يوجد في هذه الأحياء أشهر المساجد في المدينة وأقدمها وهذا يشكّل لهم ارتياحاً نفسياً لامتناهياً كون سكّان تلك المناطق يؤدون الواجبات الدينية على نهجهم ذاته وكأن جميع الأهالي هناك يندرجون تحت رتبة الأنبياء بقليل!

في المشهد المقابل لنازحي الفوعة من إدلب تراهم اتخذوا من حييّ الزراعة وسقوبين خانتهم الجديدة كلّ حسب يسره المادي، المهم في الأمر الهيمنة السلطوية التي جمعّت أطراف متعادية مذهبياً لقرون ولّت، لتأتي المصالح السياسة وتجمعهم على حين غرّة من جديد.

هذه الشرذمات طالت حتى الطفل الذي ولد في وطيس الاقتتال ولم يتسن له نور السلام بعد. ابراهيم، بائع البسكويت على قارعة أحد شوارع اللاذقية (حارة العامود)التي تلفّها قوات حفظ النظام بالحواجز الطيارة في أي لحظة، دنوت منه وسألته عن اسمه ومدينته وبعض الأسئلة الحشرية التي يطرحها الصحفي كعادته دون أن أشعره بذلك، حقيقة لم أستطع أن أحدد لون عينيه وبصعوبة شديدة سمعته يرد قائلاً “أنا من إدليب وصرلنا سنتين هون” لم يجب إن كان طالباً للعلم أم لا ، لربّما أخذ ركناً من الطريق واستحضر به غرفته الدافئة ولا زال يتخصص بفن المبيعات على طاولته المزفّتة  (بالفراطة وقشر البسكويت).

وبالعودة للوراء قليلاً، شهدت بعض العائلات الساحليّة الأصل نزوحاً معاكساً بعد أن اختير عديد منها للانتقال إلى مناطق أخرى بما فيها الشمال الشرقي، حلب، دمشق، وذلك لأسباب مهنية، كوّنوا أسراً متّزنة مثقّفة وأنجبوا أبناء لأمهات وآباء مختلفي الطوائف الأمر الجميل والمبشر بارتفاع معدل هرمونات المحبة السورية بين بعضها إلى أن بدأت الأحداث في 2011  تركت هذه الأسر كل شيء خلفها وباعت عقاراتها وأصولها وحولت أموالها إلى الساحل وهرعت إليه دون أي تأن أو وعي لما تفعله وكل ذلك قبل أن تتحول الأزمة إلى صراع مسلح ولا زالوا حتى اليوم يطلّون على الكورنيش البحري بعين السائح من خلف شرفاتهم المظللّة!

وجعلناكم شعوباً وقبائل لتناحروا!

شرائح قليلة جداً لعشرات الهويات السورية المتعاركة التي فرقت ما بينهم المرجعيات والألوية الدينية التي جمعت ثلل منهم تحتها (فعلاً تحتها)! فقد شُرّعت لها الأبواب على اتساع أرض -الفينيق- لتتمكن من عواطف السوريين المنحازة للانتماء الديني ومن لفّ لفيفهم من أولئك الذين ينادون بنصرة دين أو مذهب لا يفقهون عنه شيئا، كل هذه الضعضعة السورية السورية مهدت طريق الإرهاب للمقاتلين من العراق، لبنان، أفغانستان، إيران، السعودية، روسيا (الشقيقة) وغيرهم.

التعصب المقيت هذا ليس بحصاد عام أو اثنين، هو ذرائع انتمائية مخزية لا تمت للهوية السورية المعتّقة بالتمدن الصافي بصلة، هو وباء تطرفي محدث جعل من قلوب السوريين عفناً لا موسم له على أيدي السلطة قبل الحرب، هذه حقيقة تعايشنا معها ولكن لم نستطع أن نعيش بها على الاتساق ذاته بعد الآن ولعلّ أهل الساحل أكثر من مرّوا بذلك، فمن توقف تعيينه الوظيفي بسبب اسم أبيه المستفز طائفياً لرب العمل أو للجهات الحكومية المسؤولة عن ذلك الأمر سوف يحمل الحقد الطائفي ويعمل به بل وسيورثه أيضاً لا محالة، ومن توقف تخرجها من الطالبات لأنها لم تأخذ العلامات الإضافية المساعدة عند التخرج والتي تعتبر من أبسط الحقوق الدراسية وذلك بسبب عدم انتسابها للحزب اليتيم في سوريا من المؤكد أنها إما ستنجر في موكب الفاسدين لاحقاً أو سترضع أبناءها التطرف الذي لبسها عنوةً بعد الموقف ذاك، من المفترض عليها أنها انتسبت إليه مسبقاً وبشكل أوتوماتيكي كحال أهلها وجيرانها، كيف تجرأت على الدولة ولم تنتسب أساساً!

النسيج السوري المهترئ

هذه النماذج البسيطة وغيرها تكررت آلاف المرات يومياً ما قبل الحرب أما اليوم فأصبحت أكثر فجوراً ووحشية حتى الضّمنيّة منها، فأحداث الغوطة الأخيرة التي راح ضحيتها الكثير من الأطفال والنسوة اللواتي لا حول لهن ولا قوة بسبب الحصار المطبق عليهم وحملات التطهير التي لم تفرق بين مدني وإرهابي , يكافئهم

نسيج “أ”  بمنطقة x السورية  بكلمة أبيدوهم هؤلاء هم الخونة ونسلهم العاهر عار علينا! هكذا ملء أفواههم القذرة ولم تتوقف القذارة على هؤلاء أبداً بل باقية وتتمد لتصل إلى النسيج “ب” الذي يشرعن قتل الكرد في عفرين واتهامهم بالتواطؤ الإرهابي مثلاً، أو مصرع الطلاب العزّل وضح النهار بحجة حق الرد، هؤلاء تلقائياً عادوا إلى عصور الجاهلية وحقبة الأخذ بالثارات.

وإن كلّاً من “أ” و”ب”  يهللّون بالانتصارات على جثث بعضهم البعض وقلوبهم الملطّخة بالوحشية مدانة…مدانة!

أما نسيج “ج” وهو الأقل غلظة بينهم يشير للإجرام بعين الحق متجرداً بذلك من أي عباءة شيطانية، يحلل بحكمة كل خطط التنمية والسلم بين شظايا القذائف والجثث وهم في الغالب فنانون، كتّاب وشعراء  هذه الفئة الغير قادرة على حمل السلاح وإن كان دفاعاً عن النفس.

“د” ذاك النسيج القطني الذي يتمدد ويتقلص حسب درجات التأذي وتبعات الخراب والذي ضم أعداداً كبيرة وانحاز للسلطة بشكل مستميت لفترة ليست بقليلة إلى أن خسر ثلثي أبناء قراه متسائلاً لأجل ماذا ضحينا بأبنائنا مصفقين؟ وبالمقابل حظيت الجهات المؤيدة للتغير انقلاباً على مواقفها المعارضة بعدما فقدت أقرانها دون أي سبب أو لأسباب محتمة في حالة الحرب التي وقعت نتائجها الكارثية على كاهلهم الاقتصادية منها والاجتماعية والأمنية قبل أي شيء، والآن ماذا حققنا من المطالبة بالتغيير؟ هكذا يقولون…

ولعل الأربعة وعشرين حرفا المتبقين لن يكفوا لتصنيف الأنسجة السورية وهوياتها التي قد تجزئ مفهوم الإنسانية حسب ميولها السياسية.

مجتمع مدني في أخطر بقعة في العالم!

مصيبة الخلط العجيبة بين حقوق وواجبات السوري بشكل عام والمدلل نسبياً في المناطق الآمنة بشكل خاص، تخوّله أن يتمتع ويمارس المواطنة بشكلها السليم والبعيد كل البعد عن أي انتماء ديني أو سياسي إلا أن هذه الشعارات الرنانة لا تليق بالسوري في الأحوال الطبيعة فكيف لمساعي الفاعلين في تفعيل المواطنة أن تنجح على أرض صنّفت أنها الأخطر في العالم؟ فعلى مدار السنين تأطرت مخرجاتها الأساسية النبيلة تحت قبّة سلطوية واحدة لا ثانية لها  حدّت ما تهدف له، وما حصده السوري (كسوري) مجتمعيّاً حفنة ضئيلة في كل هذه المعمعة.

“الكشاف” على سبيل المثال أحد المعالم المنعشة لجميع المناسبات والأعياد والتي تهدف إلى (مساعدة الغير في كل حين) بالمرتبة الأولى وبالفعل هناك من يعمل بإخلاص و تفان بها، أنت كسوري تتشجع  للالتحاق بهذه الحركة العالمية والتي تعمل وفق معايير سامية ومحددة، تقدّم طلب الانضمام لأحد أفواجها وإذ تكتشف أن هنالك فوجاً كشفياً كاملاً لطائفة معينة دون سواها ومن غير المنطقي أن تكون الوحيد من الزمرة y!

الجمعيات كأسماء ومواقع وكهوية بصرية حتى دائماً ما توحي بالجهة التي تدعمها وتتخيل تلقائياً طبيعة الأشخاص الذين يديرونها، هذه المحاولات التجميلية بما فيها من جمعيات ومنظمات لا تأتي بحجم حجر في بركة تعجُّ بالجوامع والمزارات الدينية التي لا حسيب عليها ولا رقيب والمنتشرة بطريقة غير مقبولة، أكثر ما في الأمر استفزازاً أن الأهالي تسعد كثيراً لتزايدها وإن لم تطأ أقدامهم أي وجهة دينية منها أو من غيرها، ربما يستمدون قوتهم الواهية من كثرتها ؟ ما السبب الجوهري الذي يستدعي بناء 12 جامعاً في مدينة صغيرة كجبلة؟

ستنتهي الحرب السورية عام …20!

مرحلة إعادة الإعمار في سوريا لن نستطع تنشّق رائحة بيتونها طالما الأقطاب السورية والدولية متبدلة ومتشابكة بهذا الشكل والملفات الفاعلة لإخماد هذه الحرب الشنعاء توقّع وتمضي وتتلف تحت الطاولة وإنه لمن الأنجع لتشييد سوريا من جديد  بناء الإنسان على أراضيها فوق جروحه الملتهبة وآلامه التي فاقت طاقة تحمّله النفسية لينال شرف حصوله على الهوية السورية الحقيقيةً بشموخها وحرّيتها أخيراً علّها تستفيق من هذا الوهم الأحمر الذي استنزف 22 مليون (سوري ).

 

حال البلد: نعتذر عن نسيان ذكر المصدر الأساسي: على الرابط التالي:

https://salonsyria.com/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D9%84-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D8%B9%D8%A7%D9%8B-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%B3%D8%AA 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 10:18
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية