مثقفو سميراميس: إعادة صناعة معنى الداخل السوري

  • جهاد الزين
  • الإثنين, 04 تموز/يوليو 2011 12:13
  • نشر في وسام شرف
  • قراءة 5233 مرات
تتبلور في سوريا اليوم، وتحديدا في دمشق، "مرجعية" معنوية هامة هي واحدة من المرجعيات (المعلنة اوالخفية) التي سلط الحراك الشعبي الضوءين الداخلي والخارجي عليها ولا بد انها ستتعدد اذا كان لسوريا ان تنتقل الى نمط آخر للحياة العامة.
انها "مرجعية" لا تزعم لحظة انها ذات تمثيل شعبي مباشر او حتى انها ذات تمثيل شبابي مباشر في هذا العالم "الافتراضي" الذي بات شديد التأثير التحريضي في شوارع المدن المدينية والمدن الريفية العربية.
انها "مرجعية" مثقفين يساريي الجذور، ليبراليي التحول ولكن الأهم من كل ذلك انهم صنعوا قيمتهم الاساسية بين غرف اجهزة الأمن وزنازين السجون منذ افتتح "اعلان دمشق" مرحلة النضال الديموقراطي في سوريا بعد العام الفين مع بداية عهد الرئيس بشار الاسد.
لقد كان لوجودهم داخل سوريا المعنى الاول في هويتهم السياسية النضالية. لا يعني الأمر في بلد كسوريا ان من كان في الخارج من المثقفين المعارضين أمثالهم كان في وضعية "منقوصة". على العكس هناك كثيرون لم يغادروا إلا مرغمين إما هربا من ملاحقة أو تلافيا لملاحقة او حتى غادروا بدون أي ضغط … لكن هؤلاء الذين نعنيهم تحديدا هنا بقوا في النتيجة وواجهوا على ارض سوريا ودخلوا السجون في هذه الحركة العامة التي أخذت تجمعهم منذ أكثر من عقد سعيا الى إصلاح أو تغيير وفي كل الحالات محاولة دائمة لتوسيع بل استحداث مساحة للحريات.
اعرف عديدين منهم وتعاملت معهم طويلا ككُتاب في فترات صعبة واعرف يقينا أنهم فقراء، فخورون، ويحمل بعضهم فيما كان يأتي من دمشق الى بيروت لتسليم مقال او للمراجعة بمقال على متن سيارة اجرة كل ذكاء الشخصية السورية المعاصرة ولماحها وقوتها حتى لو ان احدهم – وبصمت لم يكسره مرة – كان يعوِّل على "مكافأة" (وهذا التعبير ليس لي بل ورثته من بيروقراطيات الصحف اللبنانية) مالية متواضعة عن مقال واحد فعلا ليوازن بها مصروفه لشهر كامل. لم اسمع حتى من اقرب أصدقائي بينهم أي اعتراف من هذا النوع في أي وقت من الأوقات. واجزم بذلك.
كنت امازح غسان تويني عندما كان يصلني من احدهم مقال موفق في ألمعيته اننا نحن الصحافيين اللبنانيين أصحاب مصلحة خاصة كبرى في عدم وجود نظام ديموقراطي في سوريا. فيسأل ماذا تقصد بذلك؟ قلت له لو كانت هناك ديموقراطية لازدهرت الصحافة السورية ولكشفت وأتاحت المجال لعودة بروز كفاءات مهنية صحافية سورية هائلة كانت ستؤدي بالصحافة اللبنانية إما للاستغناء عن كثير من الصحافيين اللبنانيين أو لتخفيض رواتبنا بوجود بدائل أفضل و"ارخص"! كانت المناسبة يومها مقالا هو مدرسة في التحقيق الصحافي الكاشف عن التفاوتات السياسية والاجتماعية وبالتالي الطائفية بين سكان مدينة اللاذقية وكان مبنيا "فقط" على قراءة المعلومات التي تتضمنها اوراق نعي المتوفين الملصوقة على حيطان أحياء المدينة المختلفة. وهذا طبعا غيض من فيض ألمعي منشور او لم ينشر بعد او حتى-لأضيف – لم يكتب بعد بانتظار ايام سورية أفضل.
كنا ننشر لعدد لا بأس به من الكتاب المعارضين لكن كان المقال الآتي من داخل سوريا له أفضلية شبه مطلقة. ببساطة كان سبب التفضيل الذي اعتمدناه بشكل شبه منهجي – الا في بعض الحالات- ان الكاتب المعارض الذي يوقع اسمه الصريح من داخل سوريا لا يشاركنا (في النصف الثاني من التسعينات والنصف الاول من العقد المنصرم) مسؤولية مجازفة النشر في بيروت فحسب، بل يضع نفسه قبلنا في "بوز المدفع". وهذا يعطيه مبدئيا أحقية حتى أخلاقية في النشر. ولا ازعم اننا التزمنا تماما بذلك إلا اننا بدون شك سرنا عموما تحت هذه الخيمة ولو مع استثناءات لأن بعض المقالات كان يتخطى كل "السقوف" الممكنة للنشر يومها (بما فيها مرة سقف الغلاظة الشخصية عند احدهم ممن احترف شتم رفاقه وتخوينهم)!
… بين هؤلاء الذين اجتمعوا في فندق سميراميس في دمشق يوم الاثنين الماضي بل في قيادة الاجتماع، مثقفون علمانيون اصبحوا رموزا للحراك الديموقراطي قبل سنوات من ان يصبح هذا الحراك شعبيا في العالم العربي… سبقوا حركة "كفاية" الريادية المصرية وان لم يسبقوا طبعا النضالات النقابية والاعلامية التي كانت تحتقن بها مصر بل النخبة المصرية منذ الثمانينات. وأنا هنا في خلفية كلامي أميّز على مستوى العالم الثالث حقبة النضال الديموقراطي غير الايديولوجية التي تلت الانتصار الاميركي الذي أدى الى سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه جدار برلين … أميّزها عن الصراعات الايديولوجية بين أحزاب في السلطة وأحزاب خارجها في فترة "الحرب الباردة" ومن ضمنها سوريا في العالم العربي. كما اعتبر على المستوى السوري الصرف "إعلان دمشق" نقطة التحول الرمزية الكثيفة في هذا المسار الليبرالي الذي افتتحه مثقفون من أجيال مختلفة حتى لو كان بعضهم موصولا من حيث تاريخه السياسي بالحقبة الايديولوجية المنتهية . لكن "إعلان دمشق" كان حركة من زمن مختلف وسيظهر لاحقا انه كان "حركة " آتية من المستقبل.
لم يُصغِ النظام الامني طويلا الى هؤلاء بعد العام الفين بل اضطهدهم وسجنهم احيانا. ها هو اليوم "يكتشف"، وهم المعارضون السلميون العنيدون، كم هي اهميتهم في البحث عن مخرج . والانصاف العميق يتطلب القول ان نوع لقاء سميراميس الأخير وبيانه الختامي يعكسان ما كان دائما هو مشروع هؤلاء المثقفين العلمانيين، الا ان الرفض العاتي الذي كان يصدر عن النظام الامني منع افتتاح مدى سلمي ديموقراطي لسوريا عل الأقل منذ العام 2002.
على اي حال هذا شأن مضى من حيث خسارة سوريا، عبر تجاهل بل رفض مشروع هؤلاء، لسنوات ثمينة من تطورها السياسي في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين.
اتحدث عن "مرجعية" وليس بأي شكل من الأشكال عن "مؤسسة" ولا عن مشاريع تحالفات حزبية قد ينخرط فيها بعض هؤلاء المناضلين وهذا طبعا من حقهم سواء اتفق او اختلف معهم آخرون في عملية إعادة التشكّل الحالي، ولو التي لا تزال غامضة، للحياة السياسية السورية. ما أنا بصدده هنا هو هذا التبلور المعنوي لوضعيات أفراد ذوي مصداقية شخصية نضالية تقدمت الى واجهة المسرح للعب دور سياسي معنوي هام – واشدد على معنوي – كما لو انه كان ينتظرها في لحظة تحول كبرى بقابلياتها الخصبة ومخاطرها في آن معا.
لهذا الأهم هنا هو ملاحظة ان هؤلاء المناضلين يجدون انفسهم حاملين في لحظة تاريخية مفاجئة ليس فقط هَمّ مشروع التغيير الديموقراطي – وهو شأن هائل – بل وفي الوقت نفسه شأنا قد يكون أكثر هولا هو وحدة الكيان السوري كما نجحت في تأمينها نضالات الحركة الوطنية السورية في الثلاثينات كوحدة بين أربع دويلات واستكملتها في النصف الأول من الاربعينات قبل انجاز الطرد النهائي للانتداب الفرنسي خلال وبعد الحرب العالمية الثانية.
لا يدّعي قادة لقاء السميراميس أي تمثيل شعبي – مثلما لم يدّع ذلك علاء الاسواني وجورج اسحق ورفاقهما في مصر- ولكن كونهم أفرادا "يتشاورون" لا يقلل أبدا من الأهمية بل الحاجة الى أمثال هذه الرموز التي تعلن صوتها من الداخل – وهذا جوهري – وصنعت مصداقيتها في الزنزانات او في ظلها الكابوسي في الشارع وفي البيت.
الآن سوريا في حقبة جديدة أظهرت أو ظهّرت قيمة هذه الرموز للاتزان الوطني نفسه من ضمن معركة التغيير الذي لم يعد ممكنا إعادته إلى الوراء بكل المعايير. ولذلك فان السميراميس اصبح عنوانا لولادة مرجعية لا تقاس في هذه المرحلة الانتقالية بمعايير تقليدية. فمعها يولد – بتواضع ولكن بكثافة رمزية- إمكان داخل سوري افتراضي تغييري وعقلاني.
هؤلاء الكتاب الفقراء، الذين لا يملك اغلبهم سيارة خاصة تقي صاحبها الركض وراء باصات المازوت في شوارع دمشق وحمص وغيرها، يصنعون معنى أكثر منطقية للداخل السوري.
الشعوب – في مقدمها النخب- تصنع التغيير لكن المثقفين يصنعون معناه.

 


 

 

جهاد الزين - النهار 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على السبت, 21 حزيران/يونيو 2014 23:13
  • حجم الخط

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية